‏إظهار الرسائل ذات التسميات غرضه الهجاء: قصة ترويها الخطوات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غرضه الهجاء: قصة ترويها الخطوات. إظهار كافة الرسائل

03 يوليو 2011

يسألونك عن الجزمتين

يسألونك عن الجزمتين

هناك جهازاً مطاطياً، مستطيلاً مضلّعاً، لا يكفّ عن إفراز الجزمتين.

الجزمتِين، بكسر التاء لا فتحها، هو مادّة هلامية متزنّخة تنتمي الى فصيلة البنزين، والجبصين، والكافيين، والأوكسجين، والبارتاكوزين، .. الجزمتين.

هناك، حيث لا تراه، جهازاً يفرز الجزمتين باطّراد. لكنّك اذا رأيته بعين الخيال، فهو أشبه ما يكون الى ثعبان أمهق، لا رأس له ولا ذنب، فهو من الطرفين يطلّ عليك بفوهتين مدوّرتين، مفتوحتين على الدوام. يحزق جسده الطويل فيبرز ضلوعه من تحت الجلد، ثم يسترخي فجأة رفسة واحدة، رفستين تلاتة فيتدفّق من الطرفين سيل دخاني كثيف: هو الجزمتين.

-- ورقة مندسة في جيب بنطالي


بعد مرور عام كامل على إطلاق الرواية-المشروع، أو المشروع-الرواية، المعنونة جزمتين ، ها نحن نعود لنجدّد العهد، ونمهّد الطريق، ونجلس بشكل منجعص واضعاً ساق على ساق، ضارباً كفّ على كفّ، ليس لشيء إلا لنرشّ على الرصيف القليل من الماء، ونسحب نفثة قوية من غليون فرنجي معقوف الطرف، محدودب الرقبة، فنكيل على المارّين بسيل من السبّ والقذف، والشتم والردح، وليكون ذلك كله على سبيل الهزل لا الجدّ، فالثاني متطفّل على الأوّل، وخاضع له بالحمد والامتنان.

كنت وددت، والحق يقال، أن أرى هذه الرواية تختفي، وأن أرى هذا الاختفاء بسرعة ودون تأجيل، والحق يقال أيضا، أني جرّبت كافة الوسائل، بل وجميع الطرق، في سبيل هذا الهدف الجليل، فلقد أدبرت وسعيت، فحشرت فناديت، زاعماً بأني سأقضي على هذا النصّ المقرف لا محال، وأن أراه يحترق، أو يذوب، أو يتلاشى بطريقة أو بأخرى.

وخططت لذلك تخطيطاً جيّداً، وأعددتُ له إعداداً حسناً، فجعلت أشحذ ذهني بحثاً عن أفضل السبل للقضاء على هذه الرواية الملعونة التي جاءت مسخاً من مسوخ جهنّم، بل وأكثر من ذلك، فهي كتاب يشوّه صورة ثقافتنا الشيكاجاوية العريقة، وتسيء الى سمعة كاتبها بالداخل وبالخارج، والأنكى من هذا كله، أنه يصاغ بلغة انجليزية هجينة، متفكّكة ركيكة، تنافر الذوق العام وتخدش شعور الصالحين من القوم. رواية سمجة رديئة، مبتذلة العبارة معادة النغمة والقول..

لذلك قلتُ فيها إثر صدورها:


هذا أسوأ كتاب قرأته في حياتي ، إنه كتاب لا يستحقّ سوى التمزيق والإحراق

ساذج وسطحي وبأسلوب ركيك للغاية، المؤلّف يجب أن يستحي من هذا العمل الرديء وشكرا

ولم يمرّ وقت طويل حتى سمعتُ صدى صوتي، وفرحت فرحاً عظيماً، وخالجني الكثير من البهجة والحبور والهناء والسرور، اذ جاءني كلام مؤيّد لكلامي، ووجدتُ أناساً يشاركونني الشعور بالتقزز والاشمئزاز تجاه هذه الرواية-المسخ، أو المسخ-الرواية. قالت تسنيم فهيد:

الأخ ده مريض نفسي؟؟
و الا فاكر بالشكل ده إن الكتاب هينتشر؟

وقالت خديجة عادل، من القاهرة:

لا تستحق القراءة

كما أيّدتْها في ذلك "جسجاس" من السعودية. ثم علّق إسلام كريم، وهو أيضاً من القاهرة، قائلاً:

اسم على مسمّى

ومن ناحيتي فلقد فرحتُ جداً، والحقّ يقال، لقراءة مثل هذه الشتائم المصيبة، إلا أنني في الآخر يئستُ، فما هؤلاء النقّاد إلا أنصاف قرّاء، ومعظمهم للأسف مخصيّون ومهرّجون سفهاء لا يعرفون سوى النكد والاستمناء على الورق، لذا ليس من حقّي أن أفرح لشتائمهم، والشتيمة توزن بقدر صاحبها لا أكثر ولا أقل. فأنا في النهاية لن أفرح إلا اذا شتمني أحمد فؤاد نجم ذات نفسه.


* * *

انت فين والكلب فين / انت قده يا اسماعين / طب دا كلب الست يا ابني / وانت تطلع ابن مين؟

هيص يا كلب الست / هيص / لك مجامك / في البوليس

بكره تتولف وزاره / للكلاب / ياخدوك رئيس

ما زالت هذه الرواية، للأسف الشديد، حيّة تُرزق .. بذلت قصارى جهدي للإتيان عليها، إلا أنها ظلّت تقضّ مضجعي، وتسبّب لأيامي الكثير من الصداع والأرق والبلبلة والسهاد . كنت أنسحب الى داخل طوايا السرير، أتململ متهتهاً، بصوت يكاد لا يُسمع: " قازوزة.. قازوزة.." .. تتلمظ شفتيّ، وتلتوي، وتصدر صوتاً أقرب ما يكون الى الفقاعة البكرة قبل ذوبانها، أو هبوط الفراشة على القدم إثر اقتلاع محتوم. والرواية على حالها، تتبغدد بزهوّ وكبرياء، وتصدر اشعاعاتها السرطانية الملوّثة كيفما اتفق..

حتى جاء اليوم الذي رأيت في جانبها عطباً طفيفاً، كالجرح المنكوء، يبكّ مادّة هلامية كريهة الرائحة، ورأيت هذه المادّة الهلامية الكريهة الرائحة تكثر، وتندلع على بضعة صفحات من الرواية الكريهة الرائحة هي الأخرى. وتخثّرت المادّة الهلامية الكريهة الرائحة على بعض الهوامش، ولغوصت بعض السطور لتكوّن كلمات جديدة، وجمل جديدة مغايرة للأصل، فكان التشويش تارة، والتحسين تارة أخرى.

وإني لأنتقي لكم بعض الشواهد على قولي هذا في النصّ، فلكم على سبيل المثال الصفحة الثانية من الخطوة الخامسة عشر حين أقول:

عصابات وجماعات تنظيمات، يغمض عنها رؤيتهم قليلاً الطنين المتنظم لمارش ميليتار، تختلط فيه مقاطع مهموسة من روائع إديت بياف ..

وهذا قبل اندلاع المادّة الهلامية الكريهة الرائحة، أمّا بعده فالجملة نقرؤها الآن على المنوال التالي:

عصابات وجماعات تنظيمات، يحجب عنها رؤيتهم قليلاً الطنين المتنظم لمارش ميليتار، تختلط فيه مقاطع مهموسة من روائع إديت بياف ..

وهو تغيير من باب التحسين والإصلاح، يخص كلمة واحدة لا أكثر ولا أقل. كذلك سيجد القارئ المستحدث أن الفصل المعنون "قهوة" قد امّحى تماماً جرّاء أحداث المادّة الهلامية المشار اليها، ليحلّ محلّه فصل آخر من ذوق العطب الظاهر في جانب من الرواية المنحطة، الآيلة للسقوط والترقيع من حيث لا تحسّ!

والباقي آتٍ آتٍ آتٍ

02 يوليو 2010

جزمتين


دعوة

هذا الكتاب يجب أن يُحرق.

أدعو الجميع الى التجمّع يوم الجمعة القادم أمام عمارة رقم 2 حيث سنقوم برمي هذا الكتاب في كتلة متوهّجة من النار الأبيض، سأتكلّف أنا شخصياً بإعداد الحطب الذي أجلبه من أدغال الأمازون المستباحة.



تفاصيل الصنع

الأعمال الفنية الواردة في هذه الرواية سرقتها من جهات مختلفة، أذكرها هنا على سبيل الفضح والفشخ:

صورة الغلاف - كوكو بابي (هنا)

صورة الأسد يمكن مواجتها هنا

وصورة البقرة

أما سورة البقرة

والصورة المكتوب عليها "خلي عنك الشنطة يا لؤلؤ" ملتقطة من الفيلم الأسطورة "بليد رونر"

أما بقية الصور فمن إبداع المؤلّف بمساعدة برنامج فوتوشوب الآدوبي

31 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة التاسعة

غرضه الهجاء: الخطوة التاسعة

قام عم سحتوت مطرقعاً إصبعيه وهو يستهلّ حديثه المطوّل:

وحّد الله. ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام. كان فيه واحد ملوش تاني، قال يضرب العشرة عشان يجيب حتّة عيّل، أصل الراجل دا ما كانش متجوّز حاكم أيامها الستات لسه ما اتخلقوش.. المهم، جاب ولد سمّاه جو بالجيم غير المعطّش،وبعدين جاب بنت فسمّاها شيكة. وتعاقبت الأيام ومرّت السنين، فنتأ للبنت نهدان ممتلئان وطال شعرها، أمّا الولد فأطلق قضيبه واكتمل جسده. فما كان من الرجل إلا وجوّزهما على سنّة الله ورسوله، علشان مايبقوش عايشين في الحرام والبتاع. وذات ليل معتكر وهم يتسامرون يعربدون، إذْ تسلّل الى مجلسهم بورص قال لهم: أيها المؤمنين. أيها الأصدقاء. أنا عندي في الشنطة كمترى أحبّ أتخلّص منه. أرجوكم خذوا هذا الكمترى وكلوا منه وأكون أنا من الشاكرين. فما كان من الرجل الوالد إلا أن ضحك ضحكة رنّانة استخفافاً بالبورص وبشأنه، ففعصه بجزمته ثم شواه عالنار وشارك الجميع في أكل البورص المنحوس. خلاصة القول إن الولد والبنت لمّا مات الوالد بعد ذلك بعدّة سنين قالوا: فلننشئ أمّة عظيمة، وتكون أساسها هذه المدينة. وهكذا تأسست مدينتا الفاضلة، شيكة - جو أيْ شيكاجو كما نعرفها اليوم. وهي بمثابة الجنة لكن مش هتلاقوا فيها ولا بورص ولا كمترى، ودا العيب الوحيد فيها. أمّا حكاية البصل والمستنقع والهنود الحمر فلا تصدّقها فما هي سوى ضرب من التزوير والبهتان..

[وهنا قام عم سحتوت مرّة أخرى رافعاً البرنيطة عن رأسه، وكأنه سيستخرج منها أرنباً أو عصفوراً أو نحو ذلك، إلا أنه لم يكن ثمّة شيئاً ، فابتسم بمكر واستطرد قائلاً:]

لكن كلّ هذا على سبيل التقديم، ثمّ أنت سألتني عن السيّدة نادية تلك فاعرف أيها الأخ أن هذه الولية لها قصّة شرحها يطول..

[وقفت مشدوهاً وأنا أرى عم سحتوت متنطّطاً حول عربته بلباقة بهلوان محترف، وهو يحكي لي ما يلي:]

بلغني أيها المواطن السعيد، أن مدينتنا الفاضلة قد اُبتليت ثلاث مرّات بغضب الغاضب سبحانه وتعالى، ففي المرّة الأولى أنزل علينا تلك البقرة الرعناء التي سبّبت في الحريق الأعظم، الذي راح ضحيته ناس ياما، ثم طفحت المجاري من تلقاء نفسها فأطفأت النيران لكنها غرقت شوارع مدينتنا بالسوائل النتنة والروائح الكريهة، فأصيب عدد لا بأس به من الأهالي بأمراض لا تُعالج سوى برشّ الملح وهزّ المباخر.. أمّا المرّة الثانية فقد أنزل الله عزّ وجلّ تلك المعزة التي قضت على فريق البيسبول الشجاع، فكان الذي يئس وكان الذي تأفّف وتذمّر. ولم تنجو المدينة من هذه البلوة الثانية إلا بجدعنة الأهالي وقوّة عزيمتهم وثقة خطواتهم.. ولمّا كانت هاتان البلوتان قد أتتا على يد حيوانين اثنين الأول بقرة والثاني معزة، فكان من الطبيعي أن تأتي البلوة الثالثة على يد حيوان أقوى بأساً وأشدّ فتنة ، ألا وهو...

[وهنا قمت ضارباً كفاً على كفّ فعرفتُ الجواب وهتفتُ تقزّزاً]: لام واو لام واو..

نِعم الرأي يابني، نِعم الرأي. هذا هو الحيوان الثالث، ذلك الكلب العظيم، الذي يتكّون اسمه من اربعة حروف، اربعة حروف فقط لا أكثر ولا أقل. فلقد أنزله علينا ربّ السموات غضباً علينا لسبب لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأيّ شرّ يعدّه لنا هذا الكلب، وأي ويلات يضمرها لنا.. أعوذ بالله وبه نستعين..

[صمت عم سحتوت برهة، لكنه ما عتّم أن عاد الى تنطّطه وتمثيله البارع]:

خلاصة القول يا بنيّ، أن هذا الكلب العظيم، الحيوان المدردح، لم يأتِ سوى ليعيث في الأرض فساداً، أمّا تفاصيل البلوة الآتية التي سيأتي بها علينا، فهي تفاصيل أجهلها جهلاً تامّاً.. المؤكّد، على كل حال، أنه منذ ظهوره في أرضنا الطيّبة فلقد نجحت السيّدة نادية، وهي من أقوى زعماء المافيا في مدينتنا، في ترويض هذا الكلب لأغراضها الخاصة..

[وهنا قاطعت عم سحتوت، فلقد سايرته بما فيه الكفاية إلا أنني وددت أن أفنّد بعض ما قاله فقلت:]

حسناً يا عم سحتوت. حسناً. لكني سمعت رواية غير روايتك للأمور، جاء فيها تفاصيل تخالف ما قلت عن ذلك الكلب وتلك السيّدة التي تدعى نادية. اذ أنّ هناك من يقول أن هذا الكلب لا علاقة له بربّ السموات ولا للبلاوى الثلاثة التي سبق وذكرتها، إنما هو كلب عادي نشأ وترعرع مع السيّدة نادية ذات نفسها في معهد سويسري لفنون السرقة والتشليح، عمره يناهز عمرها، والإثنان هاجرا الى مدينتنا الفاضلة منذ عشرة سنوات على وجه التقريب، وذلك من أجل سدّ الفراغ الذي ظهر آنذاك في قيادات المافيا العليا.. فسدّاه سدّاً عنيفاً..

[كفّ عم سحتوت عن تنطّطه واكتفى بهزّ رأسي موافقاً ثم قال]:

نعم. لقد سمعتُ هذه الرواية أيضاً، وقد لا تقلّ تشويقاً عن الرواية التي سبق وذكرتها لك. لكنّه يجب عليك الآن أن تكتشف أيهما الأصحّ، فتميّز الصدق عن الكذب، والصواب عن الخطأ، والحقّ عن الباطل..

أظنّك ستجد ما يساعدك في هذه المهمّة في الطوابق السفلى للمكتبة الهائلة التي نتظلّل تحتها حالياً. ... [ران الصمت برهة وجيزة، ثم استطرد قائلاً] نعم. مرادك ستلقاه في تلك المكتبة بمتاهاتها الخرافية، هذا أؤكّده لك بكلّ ثقة. لكن.. نصيحتي وحدها لن تضمن لك النجاح. بل إنك ستحتاج الى هذا أيضاً..

التفت عم سحتوت، مال بجسده على عربته المذكورة، مدّ يده بحركة ميكانيكية، سمعت إثرها اصطكاكاً معدنياً، عاد والتفت اليّ مبرزاً عكّازاً خشبياً قد حُفر فيه أربع حروف، أربع حروف فقط لا أكثر ولا أقل..

[نواصل فيما بعد!]

27 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثامنة

غرضه الهجاء: الخطوة الثامنة

قرص الشمس يتبجّح في كبد السماء، غمامة بيضاء تلتفّ حول بجعة بيضاء هي الأخرى، تأكلها وتمرّ، وأنا أمشي الهويدى على الرصيف في ظلّ مكتبة هارولد وشنطن. الشوارع شبه مقفرة، إلا أن ثمّة طنيناً مرحاً يتصاعد من حفلة جاز بعيدة، يتناهى الى أذنيّ.

أطلق صفيراً خفيفاً، يكاد لا يُلحظ، بينما أتذوّق وأستعذب بقايا القهوة على لساني.

وإذا بشيء لزج، رذاذ خفيف يتساقط على قبّعتي. يستبدّ بي الفضول، فآخذ أتحسّسه بيدي وأعرف أنّه مادّة رغوية حامضة، كأنها صابون قويّ..

أخلع القبّعة في الحال فأرميها بعيداً وهي تشتعل ناراً. تصطدم بعامود نور فتنفجر مرّة واحدة مخلّفة وراءها قطع قماش محروقة تتطاير في الهواء. أضع قبّعة ثانية، أحتفظ بها على الدوام لمثل هذه الظروف المباغتة، وأتطلّع الى أعلى:

غرغول أخضر صدئ، يتفصّد الزبد من فمه، يجلس فوق سطوح المكتبة الشاهقة.

هذا المبنى المهيب يصعب تجاهله. يمتدّ عشرين طابقاً الى أعلى، بالإضافة الى ثلاثة وخمسين طابقاً تحت الأرض. قليلٌ مَن سوّلت له نفسه بسبر أغواره وكشف أعماقه، التي يروى عنها أنها عبارة عن متاهات لولبية ومغارات حلزونية، حجرات سرّية قد لا تتّصل بعضها ببعض، سلالم من حديد ومصاعد من خشب قديم، يتآكل عند الأطراف..

لكنّ هناك من يتساءل: لماذا احترقت القبّعة، بينما يدك اليمنى التي تحسّستْها لم تحترق؟

فاطمئنّوا أن سرّ ذلك قد يكمن في مكوّنات تلك المادّة الرغوية اللزجة، التي بخّها عليّ ذلك الغرغول الأخضر. وهو الأمر الذي يقتضي بالطبع إجراء بعض التحليلات الكيميائية، إلا أننا مضطرون لتأجيل ذلك الى حين العثور على معمل علميّ معتمد. فلنضع الفضول جانباً، ولنكتفي بالنصرة الصغيرة التي حقّقناها ههنا. فالحقيقة أن هذه القصّة كادت أن تتكسّر وتزول، كادت أن تذوب نهائياً تحت وطأة السريالية المفرطة، والأوزان المثقلة.. أقول (كادت)، لأنّك عندما ترى قبّعتك تتأجّج، عندما ترى قبّعتك تولّع وتحترق لهباً، عندها، عندها فقط، ستدرك خطورة الأمر، وجدّيّة الموقف لا محال..

لذا عزوت الأمر كلّه الى مهابة المبنى وألغازه، وكمّلت مشواري.

لمحتُ رجلاً عجوزاً يجرّ عربة متواضعة، عليها أصناف متنوعة من البوية والزيوت. وعرفته في الحال: هذا عم سحتوت، ماسح الأحذية، ومع ذلك فهو يقضي معظم الوقت في تلميع الأكر، وبيع الأسرار. أنت تمدّه بدرهم محترم، وهو يمدّك بمعلومتين مفيدتين. تعطيه مليماً أحمر، يعطيك قصة حمراء من اللي هي، وهكذا.. عم سحتوت ورغم اسمه طلق المحيّا، مدمج الخلق وإن كان هذا لا يمنع أنه أحياناً كثيرة يستقبلك بوجه كشر. أنا أعرف عم سحتوت منذ نعومة أظافري، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق هذه الناصية جنب مكتبة هارولد وشنطن، يتكلّم ويرغي ويفتي، ويجمع خلالها ثروة معتبرة. لماذا لم يتقاعد، لماذا لم يترك العمل، فهذا سرّه الأبدي، لا يبيعه لأحد.

أتذكّر مرّة كنت أجلس فيها مع عم سحتوت، وأنا ابن الأربع سنين أو أكثر قليلاً. كان عنده طقم من الكراسي اعتاد أن يرصّها على شكل دائرة حول عربته عند الناصية. رغبتُ فجأة في العودة الى البيت، فأخذت معي الكرسي الذي كنت أجلس فيه. عندها، عاتبني عم سحتوت وهو يصيح:

- دي بتاعتك علشان تشيلها؟ دي بتاعت ربّ السما..

احترت فيما أقول، فتركت الكرسي بما عليه - ولم يكن عليه شيء - ولذتُ بالفرار. في هذا العمر المبكّر، لا يكون للطفل - ولداً كان أو بنت - معرفة عميقة بالألاعيب اللغوية. ما يفهمه هو الحركة، والوجه، الى جانب الصوت الخالي من أي تجريد أو التواء. لذا لم أفقه مراده، ولم أستوعب مقصوده، وكانت ردة فعلي الطبيعية أن أجري بعيداً، بينما أسمع عم سحتوت وقد صدرت عنه ضحكة رنّانة، اهتزّت لها العربة بما عليها.

المهمّ، ناديت على عم سحتوت وأنا ألوّح بيديّ الاثنتين، فقد ارتسمت على وجهه علامات الرحابة والاستقبال، وبدا كأنّه يتوقّع قدومي في مثل هذا الوقت. يجب أن أصارحكم أنني لم أزره منذ زمن طويل، وذلك لأكثر من سبب. أوّلاً وكما هو معروف، لقد قضيت الشهور الماضية القليلة في غرفة مغلقة الشبابيك مقفلة الأبواب، تفصلني عن العالم حيطان من خشب أو قرميد أو خرسان ونحو ذلك. ثانياً فلقد بلغني في الأونة الأخيرة بعض ما تناقلته الألسنة وتبادلته الأفواه، ومفاد ذلك أن هذا الرجل قد ضُبط مؤخّراً وهو يتاجر بالعقاقير غير المشروعة. ومع أنني لم أكن أصدّق هذه الإشاعات طبعاً، إلا أنني لم يكن ينقصني كلام الناس اذا ما أكثرت من التردّد عليه.

- عامل ايه يا عم سحتوت [ضمّني الى صدره وربت على كتفي]

- مليح والله، مليح ..

صمتّ لحظة، تردّدت مليّاً قبل أن أفاتحه في الموضوع الخطير:

- بقولك يا عم سحتوت.. ماذا تعرف عن السيّدة نادية تلك؟

- [اكفهرّ وجهه بغتة، إلا أنه سرعان ما استرجع هندامه فافترّ ثغره عن ابتسامة واسعة وهو يقول:] استريّح يابني، استريّح.

فجلست، ثم مدّني بسيجارة وبدأ يتحدّث..


[نواصل فيما بعد!]

05 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة السابعة، وهي الانطلاق

غرضه الهجاء: الخطوة السابعة، وهي الانطلاق

لكن حان الوقت، بعد مرور ما يقارب الشهرين ، أن أخرج من ذاك الكهف المعفّن، فأجرّب حظّي في مراتع البشر المعتادة، المحفوفة بالأخطار والألغام..

نهضت بصعوبة بالغة كأنما قاطرة بكامل عرباتها قد مرّت على صدري، فتهشمّتْ عظامي و تفعّصتْ بضعة أعضاء من الجهاز الهضمي، المثخن بالجراح والآلام. نهضت وأنا أرى تلك القاطرة ضاربة في الابتعاد، تتلألأ أضواؤها الغازية بوهن وخفوت، في الأفق. أما السبنسة فتتباطأ قليلاً، وكأنّها غير مربوطة بسائر العربات المتسلسلة. هي عربة عنيدة تحرن وتثور.. أكاد أجزم أنها تحمل ذلك الكلب العظيم، الحيوان المدردح، سارق حذائي ودمي.

جُلت ببصري في أطراف الغرفة: أكوام متناثرة من الظروف الحمراء المفتوحة، تتراكم حولها قصاصات رفيعة من الورق الأسود. شبشب مهترئ يتصارع عليه الإهمال والنسيان، يرقد هناك. زجاجات نبيذ مرصوصة بعناية مريبة تحت الشبابيك، بعضها فارغة وبعضها نصف فارغة. ثعبان أزرق يبتسم بمكر، يلتفّ جسده حول فناجين القهوة الخمس، المبتسمة هي الأخرى.

هناك شيئاً ما، يبدو غريباً، لا يليق بالمشهد . إلا أنني لم أعد أهتم.

المهم هو حذائي.

لملمتُ في الحال أعضائي المبعثرة على الأرض: هذه الكمثرى الخضراء هي مرارتي، وهذه المعكرونة اللزقة هي حفنة من مخّي. أمّا ذلك السمك المنتفخ، فلا شكّ أنه طرف يسير من كبدي. مثل هذه الفواكه ضرورية لحياة الإنسان، يعتمد عليها المرؤ اذا ما رغب في مسيرة طبيعية في الأزقّة الطرقات.

بلعتها بسرعة كي تعود كل واحدة الى محلّها، عسى أن تكتمل طاقتي الجسدية في أسرع وقت ممكن: فإنّه أمامي الآن

ملحمة أسطورية،

ورحلة فسفورية،

أجازف فيها بحياتي كلها.

أيها القوم: إنّي سأتكبّد تصاريف الدهر، وأتحمّل الشقاء والقهر. كلّ هذا - أيها القوم - في سبيل المعرفة والحق والنور والغذاء، وإذا كسبتُ - الى جانب تلك الأغراض - شيئاً من المجد فلا ضير في ذلك. هذه هي مهمّتي المحتومة لا شك فيها، هي قسمتي ونصيبي لا فرار منها،

اللهمّ فاشهدوا :

أفخاخ منصوبة في الطريق، تتجمع الغيوم حول كهوف الجنّ والعفاريت، رعد وبرق وشتاء في الجبال، حفيف خطير يتصاعد من أوكار تمليت وجبليت: الأوّل على صورة الأسد والنسر، والثاني على صورة الذئب والخرتيت.

فلأشهر سيفي البتّار، ولأجهّز الفيسبة بالحجارة والشرارة والنار.

أقوم وأصيح: فداك أيها الحذاء المفقود! حلفت إني لأنتشلنّك من براهن الغدر والإجرام، ولأرجعنّك الى أيام الرجولة والفحولة والإكرام. حذار أيها الخونة والخائبين: إني الى قوم سواكم لأميل!


[نواصل فيما بعد!]

23 أبريل 2010

غرضه الهجاء: الخطوة السادسة

غرضه الهجاء: الخطوة السادسة

لقد ابتكر علماء الهندسة أشكال كثيرة وجميلة، منها الدائرة والمربّع والمستطيل والمثلّث. لكني اكتشفت شكلاً جديداً في الآونة الأخيرة، يسمّونها "الحلقة المفرغة". وهي شكل من إبداع السيدة نادية ذاتها.

هذا ما لم يخطر على أحد ببال. أن أحبس نفسي في الغرفة الصغيرة، أن أغلق عليّ كل الأبواب والشبابيك: صدّاً لوصول تلك الظروف الحمراء، المحتوية على كوابيس السيدة نادية.

لكنها لم تتوقف. بل تمادت في التسرّب اليّ، وتفانت في التجلّي أمام عينيّ، من خلال طرق أبسط ما نقول عنها إنها سحرية.

رنّ الهاتف، فصرخت:

-مين؟

-... [صمت]

- أنا عارفك يا كسمّك يا بنت الوسخة!

-... [تَكْ قُبْ تَكْ قُبْ تَكْ قُبْ]

سال رضاب قليل من فمي.. لم أكن قد استحممت منذ أربعة أسابيع. طال شعري، واخشوشنت أناملي. أمّا ذلك الحكاك فلا أعرف له سبباً.

بصيص جريء من النور يتسلّل الى مخدعي، يمرق فينسكب على الأرض، نافثاً في طريقه ذرّات الغبار والنشارة، يهدّد باقتلاع الخشب والبلاط. هذا البصيص من النور - لكثرة ظهوره وقيمة بذوره - سمّيته "لؤلؤ" بضمّ اللامين. مع مرور الأيام، توطّدت العلاقات بيني وبين "لؤلؤ"، هذا الزائر المقتحم الذي اعتاد أن يلج الى داري من غير احم ولا دستور. هالة من النور الخالص، تحبس الأنفاس.

- استريّح يا لؤلؤ. بيتي بيتك.

- خلّي عنك الشنطة يا لؤلؤ.

- يا لؤلؤ انت فين يا راجل، مش باين ليه؟

كل هذا كان يدور بيني وبينه من كلام، إفاضات طويلة وإطالات فويضة، استرسلتْ واستمدّتْ فأغدقتْ على أيام المعزل شيئاً من الونس والألفة والاعتراف. الاعتراف بالآخر. هاي هيا!

قلت إنه بصيص جريء. فهو جرؤ على أن يقول لي: يا أخي، أنت تحتاج الى ذلك الصابون الحكومي الأسود، اللي بنصّ جنيه. ثم استدرك قائلاً: بل الصابون البنفسجي، اللي نازل الأسواق بخصوص رمضان.

هل يجرؤ أحد على أن ينبّهك الى تلك الرائحة الصاعدة من جثّتك الهامدة؟ أنت جثة حيوان نافق، قد سرى فيها العفن والفساد. أنت طريح السرير منذ ما يناهز الشهرين، وما من زائر سوى بصيص خاطف من النور، يُلفت نظرك الى سوء حالك، وتدهور أشغالك، فما من كائن حيّ يهتمّ بشكلك ولا ببالك! سوى هذا الملقّب "لؤلؤ".

لام واو لام واو.

الحقيقة أنني آويت الى هذا المعزل فراراً من كثرة الرموز والإشارات، التي يبزّها العالم الخارجي. فررت من الشيء الذي يذكر بالشيء، كما أني هربت من البتاع للي هو البتاع. النجوم والشهب والعمارات والأسماء: هربت منها كلّها. الرسائل والأحلام وتحليل معانيها: هربت منها أيضاً. ما هي إلا خزعبلات، طراطيش كلام، لُطّخت بها حيطاني وغرف دماغي. واستمسكتُ بالسطح، لا أكثر ولا أقل.


[نواصل فيما بعد!]

30 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الخامسة

غرضه الهجاء: الخطوة الخامسة

تتلاقى الأشياء، ثم تتباعد. وقد تتلاقى مرة أخرى، أو لا تتلاقى. ولا يرى الغيب إلا الله آمين.

شيء لا يُصدّق

لا يثبت له شاهد

ولا كل الشهود

بسطتُ قصاصات الورق أمامي، وقرأت:

تلك الأحلام التي أرى نفسي فيها عابرا البحار، ثم أصل الى القارة المسماة بالوطن لكن دون أن أعرف كيف وصلت؟ وبأي مطار عبرت؟ ولا أتذكر أي شيء عن الرحلة، فقط أني كنت هناك، والآن أنا هنا. رددت هذه الجملة الأخيرة عدة مرات بصوت مبكٍ، بينما أمي تستمع الي وتكفكف دموعي بعطف وحنو.

وهناك أحلام أخرى تتكرر بنفس الرتابة والإصرار، أرى نفسي فيها في نفس الشقة لكن هناك غرف أخرى، والشارع فيه محلات أكثر. يمكنني أن أداري نفسي فيها درعاً لهجوم المتوحشين أمثال رود بلاجويفتش، ولورن برلنت، وشخص اسمه برعي.

هكذا إذن، بدأت السيدة نادية ترسل اليّ كل يوم سبت، ظرفاً أحمر يحتوي على أضغاث أحلامها، لماذا، لا أعرف، كيف، ليس مهماً، متى: كل يوم سبت، في آخر الليل، وأنا نائم أو شبه نائم. أطارد الذبان بيد، وباليد الأخرى أصفّق في الهواء أسوة بأهل السرك والطرق الغجرية. إمرأة ثلاثينية، أو ربما ستينية - لا فرق - هي شيخة منصر على ما يبدو، تتحكّم في عصابة من عصابات شيكاجو الشرسة. يعني هي فاضية علشان تلعب بيّ؟

لكن هكذا صارت الأمور، فاختارتني أنا دون غيري، إنساناً تروي له أحلامها الملتوية السوداء. انتقتني، أو قلْ اصطفتني، دون عشرات البشر المسالمين، الخائفين على أحذيتهم. يعني مستقصداني ليه الستّ دي؟

هذه لعبة غريبة جداً. أن تقوم بتشليح شخص ما من حذائه، فتدمّي له وجهه، وتهدّده بالقتل اذا ما حاول استرجاع ملكه وحقّه. ثم تراهن، بناءاً على ذلك، أنه سيستقبل برحابة الصدر تلك الظروف الحمراء التي تنطوي على أحلامك - بل كوابيسك - التي تخشى البوح بها الى أحد غيره. هذه لعبة غريبة جداً، تفتقر الى أي أساس من المنطق. ومع ذلك فهي لعبة ناجحة. بدأت حقّاً انتظر بلهفة وشغف تلك الظروف الحمراء، التي تتجلّى كأن من لا شيء عند حافة السرير، كلّما أصحو من النوم، في يوم السبت.

يأخذني الكرى، يتملّكني النوم، أغط في سبات عميق. أغفل للحظة، أغفو لبضعة دقائق. يرتجف لي جفن. في كل الأحوال، حين أفتح عينيّ، أجد ظرفاً أحمر يستلقي هناك، مصمتاً. شرط أن يكون يوم السبت.

27 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الرابعة

غرضة الهجاء: الخطوة الرابعة

أرى نفسي غاطاً في سبات عميق، من فوق. أطارد الذبان بيد، وباليد الأخرى أصفّق في الهواء. كل هذا ممكن، بل مشروع، بعد سنين طويلة من التدرّب على الفنون البهلوانية، والشؤون الشقلباوية، قضيتها مرحاً في رعاية السرك الوطني. وغير الوطني.

أنسحب الى داخل طوايا السرير، أتململ متهتهاً، بصوت يكاد لا يُسمع: " قازوزة.. قازوزة.."

تتلمظ شفتيّ، وتلتوي. تصدر صوتاً أقرب ما يكون الى الفقاعة البكرة قبل ذوبانها، أو هبوط الفراشة على القدم إثر اقتلاع محتوم.

"قازوزة.. قازوزة.."

.. أو ربما كانت " فزّورة ".. أو حتى.. " قاذورة ". إنه شيء غامض، لا سبيل للتأكد منه، أو التفهّم بشأنه، سوى بالمزيد من التنصّت، وتدقيق السمع بعد إرهافه..

تشوشت أفكاري فجأة، اختلج جسمي وانتفض، إلا أن ذراع ما دفعتني بقوّة، وصفعتني، ووجدت يداً جافة تكتم فمي، وأخرى تهدّد عنقي بمدية حادة:

- ولا حركة! صاحت.

عندئذ، ورغم ارتباك الأحوال، والتباس المقام والمقال، إلا أني عرفت هذا الصوت، وهذه اليد، وهوية المتلصص المتجسس الذي اقتحم منزلي في الساعات المتأخرة من الليل. اذ معرفة مثل هذه الأمور، وإدراك مثل هذه الرموز، نوع من أنواع الفطنة التلقائية، أو الحكمة الكهربائية، تحيط بالمرء إحاطة عظيمة، فتهزّه يمنة ويسرة على غرار آلام المخاض، فيستقرّ فيه شيء من اليقين: سدّ ثلمة، وملؤ فراغ.

يبدو أن السيّدة نادية من ذلك الطراز من الفتوات الذين لا يراهنون على إخفاقات مرؤوسيهم، فلا يكلّفون الآخرين بالمهمات التنظيمية مهما صغر شأنها، بل يقومون بما يجب أن يتمّ بأنفسهم. فكان من المقبول جداً أن تبعث - بدلاً منها - أحد المرتزقة والمأجورين من أعضاء العصابة، لكنها لم تفعل. كان من المحتمل - حسب قوانين المافيا المعهودة، والمتفق عليها - أن تتملص من المسؤولية، متحججة بخطورة العملية، والأفخاخ المنصوبة في الطريق. ثم أن ترسل شخصاً آخر، عوضاً عنها. لكنها لم تفعل.

- أنا موجودة في كل مكان. أسكن في غياهب الطرقات، وظلمات البحور. أطفو على سطوح المجتمع، وأرقص على رؤوس الصفوة وعلية القوم. أنا بين فخذيك، وأنا أقرب اليك من قضيبك. أنا جرثومة فتاكة لن تتخلص مني، ولحسن حظك، لقد قررت ألا أتخلّص منك. ما زالت فيك بعض الفائدة.

أغمى علي في الحال: هل من الفزع، أو من ضربة قوية من يدها، لا أعرف، ولا أحسّ، فقط صداع رهيب يسيطر عليّ، يشلّ مفاصلي، لا شق ولا فصل بين النور والظلام، بل هما سديم واحد، يربض وراءه ذئب مقنّع. مداركي قد سرى فيها عكرٌ لذيذ، تفشّى وانتشر فتخثّر عند الفتحات: عقبات مجدّدة في الشرايين والعروق. يجب أن أتناول الترياق، وإلا ضعت..

حين أفقت الى صوابي، وجدت الشقة كما هي، باستثناء ظرف أحمر يرقد عند حافة السرير.

فتحته، وقرأت بصوت عال:

قرّبت الفنجان من شفتيّ المنفرجتين عن ابتسامة مكر وتواطؤ - تواطؤ مع ماذا؟ مع قوى الشرّ والفسق! - فضحكت. وضحكتي تلك جعلت في المشروب عاصفة صغيرة، تراقصت فيها الأضواء، تمازجت فتقلّبت، وفاضت بسخونتها الذكورية الطافحة عليّ وعلى بنطالي المحترق!

03 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثالثة

غرضه الهجاء: الخطوة الثالثة

الآن، بعد مرور نحو أسبوعين على بداية هذه النزهة، لقد أخذ التنمّل يستشري في القدمين، وكشف الدهر عن ظلم وضيم، ونحن لا نعرف غير البلل والملل وذوق الأمرّين
.

الجزمة موجودة، وهي غير موجودة. حاضرة في غيابها، حاضرة في جزميّتها: هذه الجملة تفرز سائلاً بنفسجياً نتناً، بتضرب السبعة ونصّ.

فترة التأمل والتدبّر قبل الكتابة: وهمٌ أشاعه الكتاب المطبوع!

غادرتُ قسم الشرطة، مشيت قفايَ يقمّر عيش.

نزلت الى جادة ميشيجان المضيئة، أبحث في الشوارع عن السيّدة نادية. أتفحّص في الوجوه المتجهّمة، أسترق النظر الى الشنط الحريمي، علّني يصادفني الحظ، فيطلّ من احداها رأس الكلب الصغير الذي يتمتّع بحذائي المسلوب.

بدأتُ أشكّ في هذه القصة.. حين رأيتها!

السيّدة نادية تخرج من سيّارة مرسيدس وبرفقتها شاب اسمه غسان، يتهيّأ لي أنني رأيته من قبل. بل المؤكّد أنني رأيته من قبل، اذ كيف عرفت اذن أن اسمه غسان؟

كل هذه التفاصيل الصغيرة لا تهمّ: الأسماء، المكان، السيّارة. المهمّ هو حذائي.

نعم، هذا الشاب اسمه غسان، وهو مقيم مع السيّدة نادية في عمارة رقم 2 المواجهة لبرج هانكوك في شيكاجو. وهو الذي دلّ البوليس على المصوّر المدعو وائل لاظوغلي (اسم غريب لإنسان غريب) الذي له أستوديو الى جانب مدخل هذه العمارة. عميل مأجور من قبل أطراف عدّة، أهمّها مديرية الشرطة العليا.

كيف عرفت هذا، كيف ألممتُ بكل هذه التفاصيل؟

لقد وصلني عبر البريد ظرف يحتوي على شيئين: الأول رسالة مكتوبة بخط اليد، والثاني قصاصة رباط اُقتلعت بلا شكّ من الحذاء الضائع المسلوب!.. وهي منقوعة في لون أحمر داكن، أظنّه الدم المراق منذ وقت قصير جداً.

لمستها بإصبعي، فنبضَتْ مفرزةً القليل من الدم.

ما شغفك بالدم هذا؟ يا أخي أنا لم أخترع هذه الأشياء، إنما أتت هكذا كما خلقها ربّها! اهدا بقى ربنا يخليك. المهم، يا أنت، أن هذا الظرف لما فتحته كان فيه الى جانب الرباط رسالة موجّهة اليّ مفادها:

سترى غسان وهو يخرج من عربية مرسيدس بصحبة إمرأة ظريفة اسمها نادية. السيّدة نادية. ولك أن تتخيّل كيف تآمروا عليك، فلم يكتفوا بتحريمك من الحذاء وتركك للموت على شاطئ الإسكندرية الخرسان، بل ذهبوا الى أن يقلبوا على رأسك تفاصيل هذه القصة، مكانها وزمانها، فتحوّل البحر الأبيض الى بحيرة ميشيجان، وحيّ لوران الى برج هانكوك، ثم تركوا بعض التفاصيل كما هي، علشان تتلخبط وتقوم تشكتي همّك لأمّك يا ابن المفترية..

وهنا توقفتُ عن قراءة الرسالة، وكرمشتها بين يديّ وطلّعت الولّاعة وولّعت فيها النار. ثم أخذت أدهسه بقدمي الحافي، الحاكي الحكيم.

[نواصل فيما بعد!]

24 فبراير 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثانية

غرضه الهجاء: الخطوة الثانية

هناك بركة حمراء صغيرة تتجلّى في المساحة الضيّقة ما بين وجهي والصخرة، هذه البركة الحمراء تأخذ في التوسّع، تميل الى الصهباء، أظلّ أستنشق رائحتها اللزجة، أتنفس، أتنفّس مرّة أخرى: تنفيسة قوية تجعل فقاعات سرعان ما تنفقئ، مفرزةً مادّة متخثّرة داخل منخاريّ.

عنقي يتقطّر دماً.

أتقيأ المزيد من الدم، قبل أن أفيق الى صوابي وأحاول استرجاع ما حدث لي. بينما موجات العروس تنهال بلطف على بنطالي، وهو الأمر الذي ينبّهني الى وضعي الحالي:

نصفي الأعلى مضطجع على صخرة خرسانة ضخمة، في حين أن رجليّ تتدلّى في الفراغ، متعرّضتين الى البحر والبلل. أمّا قدميّ فبهما ألم شديد.

عندها، عندها فقط، صحوتُ الى الطامة الكبرى: أين حذائي؟

اصطكّت أصابع قدميّ من البرد، أشفقتُ في الحال على عريها التامّ. وعرفتُ السبب. أتخيّل الآن كلباً صغيراً يتبختر بزهوّ وكبرياء، مرفوع الرأس، وعلى حافريه الأماميين فردة حذاء ماركة بيركنشتوك. أمّا جيده فعليه تلك السلسلة الذهبية الساطعة!

يا له من مهزلة. لقد لحقتني البهدلة على يد هذا الحيوان الشقي، الذي يتألّف اسمه من تركيبة رباعية مملة:

لام واو لام واو

ألا إنه حادث مستفزّ! لكن... يجب التصرّف بالعقل، وبالهدوء، عسى أن نجترّ تفاصيل الانتقام بوضوح، وصفاء بال. السيّدة نادية وكلبها الصغير يضحكان الآن لا شكّ، يعربدان بصخب وعنف في احدى الملاهي المخبّأة عند أعالي عمارات لوران، يستعرضان غنائمهما بكل تفاهة وازدراء. لكن لا يهمّ: مجرّد قشرة موز، أو بركة ماء عند أعلى السلّم، لتقضي عليهما.

هناك طائر بنفسجي اللون يرفرف في الأفق، يقترب بسرعة هائلة. كتلة بنفسجية من الريش المنفوش، المبتلّ. يقترب أكثر فأكثر. لأ. بل إنه الدم بدأ يتسرّب الى مقلتيّ، متشعّباً بشيء من البطء. يجب أن أنهض.

أما من شاهد عيان؟

- "بلى."

قاله ضابط الشرطة، مشيراً بسبّابته الطويلة الى دفتر مفعم بالأوراق، وهو لا بدّ يحتوي على محضر أو شيء من هذا القبيل.

- "لحسن حظك، لقد تم ارتكاب جريمة السرقة في عزّ النهار، وبما أنك كنت واقفاً عند تلك النقطة من الكورنيش، في ذلك الوقت من النهار، فبالطبع كان هناك مئة نفر على الأقل شاهدوا ما حدث لك. ماتخافش يابني. كل شيء على ما يرام. السيّدة نادية أمرها معروف، خبرها مفضوح، والتحقيقات جارية الآن مع المواطن المدعوّ وائل لاظوغلي..."

- "وائل..."

-" لاظوغلي. نعم. اسم غريب لإنسان غريب، لا أظنّك سمعت عنه قبل كده."

عندئذ أطلق الضابط كحّة واهنة، أعقبها بضحكة مريبة اهتزّت لها أطراف شفتيه. تحرّك شيء ما بداخلي، كأنما غدّة لزجة انزلقت الى ما بين ضلعتين، أو مادّة هلاميّة تكلّست ما بين درفتيْ شبّاك. تك، قب. هبطت فراشة زاهية الألوان على قدمي الحافية، دغدغت أعصابي كأنما تقول: انفد بجلدك!

وأقول بكل صراحة، أنني لست من ذلك النوع من الرجال الذين ينصاعون في العادة الى أوامر فراشة قد كده، مهما تنوّعت ألوانها وتألّقت. لكن هذه الحشرة معها حقّ.

يا عاقد حاجبيه، يا من اشتدّ به اللبس والارتباك:

[نواصل فيما بعد!]

21 فبراير 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الأولى

غرضه الهجاء: الخطوة الأولى

نُقل عن العرّافين والعرّافات من الأسلاف، أن الزمن ما هو إلا ركلات متلاحقة من الجزمة، الى جانب كونه رقصات متتالية من الثمل والانتشاء. لذا كانت هذه الخطوات.

---

الشمس في أوجها، تهدئها قليلاً أنفاس البحر، المحمّلة بعطر اليود.

نزلت السيدة نادية من شقتها الواقعة في الدور الرابع عشر من عمارة رقم 2، وهي تحمل في حضنها كلباً صغيراً يسمّونه "لولو". لا تستخفّوا بهذا الكلب وبشأنه، اذ عضّته مؤلمة، وقبضته مبرحة مجرحة، ولقد احترف منذ عدّة سنوات ما يُعرف بالسرقة، والنهب، والتشليح. أي باختصار: شغل الحرامية. والسيّدة نادية معه في ذلك متورطة على الدوام. فهذا شأنهما.

كنت مارّاً في شارع الكورنيش، بحيّ لوران، في نفس الوقت الذي تنزل فيه السيدة نادية من شقتها... وإن لم أكن على علم بذلك، لسوء الحظ . وهذه هي عادتي، في مثل هذا الوقت في مثل هذا اليوم من الشهر، أن أركب فيسبة الى البحر، ثم أترجّل منها وأكمل مشواري مشياً على الأقدام. كل هذا، قلت في نفسي، حفاظاً على سلامة القدمين، مواظباً على صحّتهما، خشية أن يدركهما شيء من الملل والركود. أو هكذا أدّعي.

على كل حال، يجب بنا أن نعود ونتذكّر السيدة نادية، لأنها في هذا الوقت، حالياً، تنزل من شقتها الواقعة في الدور الرابع من عمارة رقم 2. وبين يديها: ذاك الكلب العظيم. ويجب أن ننتبه الى شيء آخر، وهو سلسلة تتدلّى من عنق الكلب الذي يسمّونه "لولو". عند إمعان النظر أكثر، سنرى أن هذه السلسلة إنما هي سلك نُظمت فيه أربعة حروف، أربعة حروف فقط لا أكثر ولا أقل:

لام واو لام واو.

ويجدر بنا أن نسجّل هذه السلسلة في الذاكرة بعناية، إذ ذكرها سيكون مهماً لنا فيما بعد.

خرجت السيدة نادية وكلبها الصغير من الأسانسير، وهي جاهزة لأن تكون سيدة الموقف بمعنى الكلمة. تتبّعها العيون الجاحظة (هل هي عيون البوّاب؟ عيون الجيران؟ لا أحد يعرف، لا أحد يستطيع أن يجزم).. المهم، أحدث قبقابها صوتاً واضحاً على البلاط لا يشك فيه أحد، بل جفل له أكثر من فرد. تك، قب، تك، قب.

تك.

هذه مشية أنثوية بارعة لا تجيدها سواها، مشية كلها خطوات واثقة من نفسها، مستعدّة لأن تدهس جيشاً من النمل في أي لحظة. بل لقد دهست فعلاً العديد من النمل البريء في مرورها هذا على مرّ السنين، قبائل بأكملها أبيدت بهذه الطريقة، كبار وصغار لقوا حتفهم في ظروف اعتباطية هكذا، أكنّهم مالهمش دية..

قب.

مشية أقرب ما تكون الى اتفاقية عُقدت ما بين القبقاب والأرض، حالة تطبيع فُرضت على كلتا الطرفين وأنفهما صاغرة. ظلّت الصداقة متوترة بين هذه وتلك لردحٍ من الزمن، الى أن نال منها شيء من التحجّر واللاعودة. هكذا تسير الأمور، هكذا تسير السيّدة نادية..

قب..

تتوقف بغتة عند مدخل العمارة، تنظر شذراً نحو استوديو المصوّر الى الجانب. المصوّر اسمه وائل لاظوغلي. اسم غريب لإنسان غريب، تمّ التحقيق معه حديثاً ضمن سلسلة من الاعتقالات جرت مؤخراً في قضية اغتصاب بنت سكندرانية جميلة "زي القمر" عمرها تمنتاشر سنة. وهي بنت الباشا صاحب هذه العمارة. وهذه ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها التحقيق معه في أمر من هذه الأمور.

يطلق الكلب الصغير نباحاً مقتضباً، وهذا إشارة أن يهمّا بالانطلاق.

فينطلقان لا يلويان على شيء، يتجاوزان الشارعين الفاصلين بينهما وبين البحر في أقل من دقيقتين، تمرّ أهوية البحر بين طوايا فستانها الأحمر المسترسل، تقفز السيدة نادية خطوتين، تحقّق شقلباظاً كاملاً الى الأمام، لكن بلباقة، وانسيابية، لا تلفت الانتباه ولا تسترعي الالتفات: طرقعة موسيقار محترف على أوتار قيثارة، تصعّد حركات التانجو: وتراً، وتراً.

رأيتهما يأتيان من بعيد. التمعت تلك السلسلة الذهبية في عزّ النهار الساطع، طغت على ملامح الحيوان المدردح، هالة من النور الخالص تحيط برأسه، تحبس الأنفاس..

[نواصل فيما بعد!]