‏إظهار الرسائل ذات التسميات فشخرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فشخرة. إظهار كافة الرسائل

30 سبتمبر 2011

استنشاط القارئ ببعض الهزل

استنشاط القارئ ببعض الهزل

حكى أبو قاسم البغدادي فقال:

أنا آكل رملاً أخرأ صخرة أبلغ نوى أخرأ نخلاً وآلك أنا الموج الكدر أنا القفل العسر أنا النار أنا العيّار أنا الرحا إذا استدار أنا مشيت أسبوعين بلا رأس أنا الذي أسست الشطارة وبوّبت العيارة أنا فرعون أنا هامان أنا نمرود بن كنعان أنا الشيطان الأقلف أنا الدبّ الأكشف أنا البغل الحرون أنا الحرب الزبون أنا الجمل الهائج أنا الفيل المغتلم أنا الدهر المصطلم أنا العسر اللزوم أنا السبع الغشوم أنا بوق الحرب وطبل الشغب ..

ثم استطرد قائلاً:

وآلك تعرفني لو كلّمني الفيل لخرس ولو ضمّني البحر ليبّس ولو عضّني الأسد لضرس ولو رءاني نمرود لم يترسّ يا كلب أنا أنا من أنت يا آفة يا عاهة يا عرّة يا خرا في صرّة … أستنشقك فلا أعطسك إلا في الحجيم أشربك فلا أبولك إلا على الصراط المستقيم!

وهو قليل من كثير، أوردناه هنا على سبيل التلخيص. وللأسف فلقد سبقنا غيرنا الى تحرير هذا المخطوط القديم، الذي يُتوقّع نشره في المستقبل القريب على ما أظنّ.

---


تحديث :

بالأمس عثرت على كتاب بعنوان " الرسالة البغدادية " حرّره الأديب العراقي المغترب المغمور عبّود الشالجي، وتبيّن لي إثرئذ أن هذه "الرسالة" إنما هي نفس الكتاب المعنون "حكاية أبي القاسم البغدادي" المنسوب إلى أبي المطهّر الأزدي الذي حرّره المستشرق الألماني آدم ميز ، بينما الشالجي وفي تقديمه للرسالة ينسبها الى أبي حيان التوحيدي بناءاً على عدة دلائل أراها مقنعة الى حد ما. والفقرات الموجودة في هذه التدوينة اقتبستها من مطبوع ميز المهترئ، الصادر عام 1902 في هايدلبرج. كلا هذان الكتابان موجودان في طيات الانترنت وغياهبه، هناك كتاب ثالث لم يصدر بعد يضم ترجمة انجليزية للنص، تعدّها احدى الرفيقات على ما سمعت. المهم، والعاثر على هذين الكتابين سيفضّل بلا شك كتاب الشالجي على كتاب ميز، حيث ذهب الأول الى شرح كل كلمة ببحر عارم من التعليقات الأدبية الغنية تارة، والبهية تارة أخرى، مما يدلّ على تدفّق وتشعّب حقيقيين (ولا أقول "تعمّق" لأني ببساطة لا أؤمن بالعمق ولا أرى له وجوداً).

والمثير في الأمر أن الشالجي يشير في كثير من تعليقاته هذه إلى كتب سابقة له، بينما سيجد الباحث فيها أن الكثير منها أو قل معظمها لا وجود لها على هذه الأرض، إذ ضاعت أو أحرقت في ظروف مؤسفة للغاية كما يفيدنا الشالجي نفسه في حوار أجري معه قبل وفاته.

17 فبراير 2011

رسالة في الهزل والجدّ والطرق الشعرية

رسالة في الهزل والجدّ والطرق الشعرية

يعتدّ حازم القرطاجني من أعزّ أبناء تونس الخضراء، شارك في ثورتها وانضمّ الى صفوف ياسمينها المتوهّجة، كما أنه هجا رؤساء النظام الفاسد المطاح به، ثم توفّاه ربّه سنة 1285 م / 684 ه. وقد خرج من رحم أمّه لتسقط رأسه على أرض الأندلس، وفي مدينة قرطاجنّة تحديداً، فلُقّب بذلك، ولكنه ولسوء الحظّ ألفى نفسه محاصراً من قبل الجيوش الكاثوليكية المتعطّشة لدماء اليهود والمسلمين، والكفّار أيضاً، مما أقنعه أن الهروب والاغتراب قد لا يضرّه كثيراً، إنما بالعكس فقد ينفعه نفعاً لا بأس به، لذا فقام أخذ ذيله في سنانه وطار الى تونس، المعروفة منذ الأزل بمدينة قرطاج. وذلك حوالي سنة 1239 أو 1240 الميلادية.

ولقد انشغل القرطاجني لفترة طويلة بأمور الشعر، وقام بتأليف ديوان أو ديوانين من المدح والردح والهجاء والرثاء، فلم يصرفه عن هذا الاهتمام الشعري التافه إلا مشروعه المعرفي الميتافيزيقي الأعظم، الذي أفنى ثلث أرباع عمره في تصحيحه وتنقيحه والانكباب عليه ليل نهار، زهد في الحياة الدنيا من أجل إخراج هذه الثمرة الفلسفية المعجزة، وفرّط في نصيبه من الزينة والملذات حتى أنه اعتزل كوخاً في الجبل لا ينزل منه سوى في أيام محدّدة من موسم الشتاء، وفي أواخر شهر أرخ شباطو البابلي بالتحديد، وذلك من أجل التقاط بضعة وريقات من شجرة الطلح المتساقطة على الأرض وهي قوته الوحيد، غذاؤه الفريد وهو سبب قول القائل:

“ما أجوع من القرطاجني"

وقالوا أيضا:

“ما أطلح من القرطاجني" نسبةً الى شجرة الطلح التي اعتاش منها والله أعلم..

ولا أطول عليكم، المهمّ أنه في عزلته هذه انهمك في تصميم نظام متكامل في تصنيف الأشياء وترتيب السفهاء، فوُلّع بالخطوط الرفيعة، المستطيلة المتشابكة، كما أنه شُغف بفكرة الفروع والخانات والدوائر والمصفوفات، ثم خرج عن طوقه وجنّ جنونه فقضى آخر أيامه يهذي ويخرّف لا ينطق سوى: فعلن مفعول مفعلن تفعلن فاعول فعلنة ..

وبعد وفاته بخمسين عام، اقتحم الناس كوخه بفضولهم وتم العثور على مخطوط بعنوان: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ينقسم الى أربعة أجزاء تتبقى منها الثلاثة الأخيرة بينما ضاع الأوّل للأسف الشديد. لكن ما يهمّنا هنا – وقد حانت منا التفاتة الى الظروف الراهنة في برّ مصر وبحرها – هو عدّة صفحات من القسم الرابع " في الطرق الشعرية " فيقول:

الطرق الشعرية، وقد نقول الطرق المعرفية، غير أننا لا نستسيغ ذلك فهو لا يروق لنا لذا سنبقى على مصطلح القرطاجني المعهود، والذي ذرف من أجله سيول من الدم المالح، والدمع الكالح ، المغذّى جيدا بوريقات الطلح، وقيل الزنزلخت، المتساقطة هنا وهناك..

وقد نقول "الطرق المعرفية" لأن كلامنا هنا لا يقتصر على الشعر والأدب بل يمتدّ الى الكتابة والخطابة بشكل عام. و“الطريقة المعرفية" هي تلك العلاقة بين المتكلّم وكلامه، وهذه العلاقة – بالطبع – قد تكون مباشرة وواضحة وناتجة عن نية وقصد، كما أنها – بالطبع أيضاً - قد تكون غير مباشرة، وغامضة، وتتذبذب ذبذبة لا حدّها لها ولا حصر. لكنا نعلم جيدا أن هذا المنهج يكبّر دور المتكلم ويضخّمه، والأفضل لنا أن نقول: الطرق الشعرية، وهي العلاقة بين المتكلّم والمخاطب والكلام وأشياء أخرى من نوع: وريقات الطلح. والكوخ في الجبل. والحبر الأحمر. والغازات المسيّلة للدموع.

كل هذه العوامل، حدث لها أن تتلاقى وتتفاعل في الخامس والعشرين من يناير، الموافق لـ21 صفر الهجري، الموافق لأرخ طبيتوم البالبي، الخ، وهي من ذلك النوع من العناصر التي من شأنها أن ترجّح كفة الثقل على كفّة الخفّة، أو كفة الخفّة على كفة الثقل، فتعرّج بنا عن طريق الجد الى طريق الهزل، أو بالعكس، من طريق الهزل الى طريق الجد، وإنّ البحث في هذه الأمور هو مقصدنا اليوم.

وقالوا البعض: إننا نذهب مذهب الجدّ، فإن بهذه الثورة نكافح من أجل أشياء جادّة، وملموسة. وهؤلاء لهم حقّ.

وقالوا أيضاً: بل إننا نذهب مذهب الهزل، علشان الراجل دا بيقول: مش همشي، مش همشي، مش همشي، خلاص أروح شرم الشيخ! وهؤلاء لهم حق أيضاً.

فأي هزل هذا، وأي جد. لكن: هل يحقّ لنا أن نحدّد، هل يحقّ لنا أن نميّز بين الاثنين؟

والحقّ يقال أنني أتأمّل هذه الثنائية الصارمة منذ الأبد، فهي دون غيرها من الثنائيات تتحكم في علاقتي بغيري من البشر: لغوياً واجتماعياً وفنياً. وأخولوتياً . لكن الموضوع ليس شخصياً فحسب، إنما هو - كما أوضح لنا الشيخ أبو الحسن حازم القرطاجني - على صلة وثيقة بالظواهر الكونية الكبرى، والأحداث اليومية الصغرى، وما بينهما طازج.. (وهل أوضح ذلك فعلا؟ ربما، المهم أننا ننسب اليه هذه الأقوال الرصينة، والأفعال الرخيمة، لغرض من أغراض الشدّ، والصبغ).

فكيف اذا مزج أحدهم بين الاثنين - الهزل والجد؟ قال:

ويقصد الإشارة الى حشي الدالّات الجدّية بمدلولات هزلية لإتّفاق تداخلهما في بعضهما البعض. والبيض هنا - بالطبع - هو بمثابة البضان، بينما الذكور - وهي السيوف في القصائد الكلاسيكية المغبّشة - تميل الى السيجارة بشكل ملحوظ، وإن كان التبغ غير معروفاً أيامها، لسوء الحظ.

* * *

كثيراً ما يقال في نقاط التحوّل التاريخية: سبحان الله مغيّر الأحوال، ولن تعود الأمور كما كانت من قبل، فكأننا شهدنا لحظة مفصلية، ومفترق طرق، خرجنا من تلك الطريق القديمة الى هذه الطريق الجديدة: والله الموفّق والمستعان. ثم يشرعون في إقامة العزاء لروح السخرية، ويقولون: إنه موت الهزل، لكثرة ما عشناه من مخلّفات الجدّ.

يندلع صراع بين الطرق المختلفة، ومن أبرز أطرافه: قانون الطوارئ. وتحدّي الملل. وكفاية. والتجديد الكويس والتجديد الوحش. وقول بعض السفهاء: لقد عادت المياه الى مجاريها. ولقد بدأت الحياة العادية تعود الى الشوارع. ولقد ولقد ولقد..

فأي عذاب هذا، أن تعيش في حالة من الطوارئ العاجلة من جهة، وبين حالة من الملل المتأصل، الناتج عن الراجل اللي مش هيموت أبدا على ما يبدو، من جهة أخرى.. الحق أني لا أعرف، لكني مع ذلك أثرثر، وأفتي، وأدلي بدلوي لأن هي دي لعبة الموسم، فلم لأ؟

***

" الروتين " له رنّة معيّنة، له رائحة خاصة به وله حركات تُمنع وأخرى تباح، نحن نحسّ الطريق الشعري من خلال السمع، ونحسّه أيضا عن طريق الوزن وجبس النبض، وتكسر البلاط وإعادة تعبيده، ثم لا ننسَ جملة الكيميائيات المنصبّة فينا، حليب المعزة والزنجبيل والخشب المطحون، وأذكر بهذه المناسبة أني قد أقلعت عن شرب القهوة منذ شهر كامل، ولا أشرب الآن غير الشاي ومن أوهمك بغير ذلك فإنه واهم واهم واهم!


26 يوليو 2010

نَعُودُ فَالعَوْدُ أَنِيتا

نَعُودُ فَالعَوْدُ أَنِيتا


كلمة على سبيل التقديم


قال أحدهم
:

إنّ الأشياء تتلاقى، ثم تتباعد، وقد تتلاقى كرّة أخرى، أو لا تتلاقى، ولا يرى الغيب إلا الله آمين..

لكنه لم يحدّد، ما هذه الأشياء التي يتحدّث عنها، هل هي - يا ترى - ذرّاتٌ كيميائية، هل هي الحبيبان قد افترقا ولو الى حين، هل هي الدالّ والمدلول، الكلمة والفكرة؟ لا أحد يعرف، لا أحد يستطيع أن يجزم - وهذا يُستحسن، فالجَزْم ينافي الأمل، والعقل يناقض الحلّ، ولذا فنحن نفكّ ولا نربط، نفشخ ولا نقفل، ولا يرى الغيب إلا الله آمين.. *


أقوال بعضهم في معنى أنيتا

قال أحدهم: إنها تصغيرٌ للأنا.

لكننا نعرف أن هذا خطأ، حيث أننا لا نؤمن بوجود الأنا، وهو الرجل داخل الرجل، أو الإمرأة داخل الإمرأة، كائن صغير غير مرئي يقبع في مكان ما في الجي، اللي هي الجمجمة، اللي هي الدماغ، فيحيك الخيوط ويجذبها، وبذلك يسيطر على تحرّكاتنا وتصرّفاتنا بسرّية واستغلال.

حسناً، هذه وجهة نظر لا بأس بها، لكني أجد صعوبة في إيجاد هذا الرجل الصغير ذي الخيوط الطائلة الطويلة، حتى الآن لم أجد هذه الخيوط، ولم ألق هذا المدير، وبالتالي ننطّ الى القول الثاني من غير تأخير.

وقال أحدهم: إنها الأمّ.

لكننا نعرف أن هذا القول يفتقر الى الكثير من الحقّ، ويشوبه من الشوائبِ الكثيرُ، حيث أننا نوقن بأن الذات ليست راجعةً الى سبب واحد (الأسرة مثلاً)، بل أسباب لا حصر لها ولا عدد، فإنّ إشكالية هذا التنظير النفسي تكمن في أحادية الذاتية التي يفرضها، فيقدّم للإنسان الفقير قولباً متجمّداً يتمكّن منه الشلل، أو شخصية متخشّبة ينتابها الملل، في حين أننا كمحلّلين نريد الإكثار من القوالب لا الإقلال منها، ونبتغي توفير الفرص والمنافذ لا الحدّ منها، والأخطر والأنكى أن نقول إن الذات الواحدة مثواها النفس، بمعنى الصميم، بمعنى الداخل الثابت. فالذات ذاتُ القولب الواحد، القابع بالداخل الموحّد، هي ذاتٌ مشلولة تميل الى اليأس والقنوط، ومغبّته العنف وتعسّف الطبيب.

وبهذا الصدد قد قال أحدهم عن أحدهم الآخر: المشكلة مش فيه، المشكلة في اللي نافخين فيه. وهذا أقرب الى الحقيقة، إلا أننا هنا لسنا أمام مشلكة، بل فرصة، ولسنا أمام خيبة، بل أمل.

وقال أحدهم: إنها مثلها مثل باتي هيرست.

لكننا ندرك جيّداً أن هذا مجرّد صورة فوتوغرافية أعجبتْنا في بعض الأحيان، ولا نجد ما يربط بين تلك الأميرة الأرسطوقراطية باتي وهذه الأميرة المحبوبة أنيتا. كانت الأولى مثالاً يُضرب للبنت الثرية المدلّعة، كانت تربطع في جنّات الثروة العائلية التي مردّها امبراطورية هيرست الصحافية الشهيرة. وبينما هي غاطّة في سبات عميق ذات ليلة ليلاء، اذ انقضّ عليها بعض أعضاء جيش التحرير التكافلي فاختطفوها. مرّت الشهور وباتي تتعرّض لأفكار المنظّمة اليسارية المسلّحة، وتحوّلت مع الأيام الى مناضلة شديدة البأس، ومحاربة قوية الإيمان، شاركت معهم في بعض عملياتهم المسلّحة من أهمّها اقتحام بعض البنوك الكبيرة وسرقة أموالها.

اندهشت جماهير التفلزيون الأمريكية، التي اعتاد الكثير منهم تلك الحياة البورجوازية الهادئة التي عرفتها باتي في الماضي. وعند القبض على باتي بعدها بعدّة شهور، انشغلت تلك الجماهير بالسؤال السائد: باتي هيرست، أمذنبة هي، أم بريئة؟

باتت هذه الأميرة الصحافية / المحاربة المسلّحة قضية تعصف بالرموز القضائية الكبرى: المحاكم، العمل الاجمتاعي والسياسي لهيئة المحلّفين، مؤسسات العدل على أنواعها، الدستور والقانون، الاستثنائية البورجوازية ومحسوبية الأغنياء، الأبحاث الآكاديمية القائلة بعقدة استوكهولم، البرامج البوليسية الشيّقة التي ينتجها التلفزيون الأمريكي، ميراث التقلّبات الاجتماعية التي شهدتها السيتينيات الأمريكية الأسطورية، مستقبل النضال اليساري العالمي الذي انحسر نشاطه في أواخر السبعينيات، معاني العفو والمسامحة والغفران، انتشار العلوم النفسية واشتهارها بين الجماهير بعد فضائح المصحّات والمستشفيات في ذلك الوقت، رواية أزهار لألجرنون، رواية طيران فوق عش الكوكو، ثم أخيراً وليس آخراً السؤال الدائم والمستمرّ: ما هي الذات، وكيف تتكوّن؟

لا أجد الكثير من المشاهبات بين باتي وأنيتا، سوى أنهما إمرأتان ظريفتان، وكلتاهم قد باتتا مثاراً لمسألة الذات وتكوّنها. لكني هنا أحبّ أن أشير الى علاقة أخرى فرضتُها بين صورة باتي هيرست والصور الصادرة عن حركة 30 فبراير، وبالأخص الصورة المعروضة هنا. الحقيقة أن التشابه الذي وجدته لا يعدو أن يكون تشابهاً سطحياً بين صورتين شمسيتين، لكني استظرفت أن يكون هناك ما هو أكثر من ذلك، فحركة 30 فبراير هي أكثر من مجرّد حملة تدوينية عبثية، بل قد تكون عملاً فنياً بارعاً يفوق أعمال باتي هيرست ذات نفسها ** ، فتزيد عليها طبقات الضحك والحقيقة والمحاكاة الساخرة، تتجاوز كل ما سبق كي تكون رصاصة وريشة وأفعى وهندباءة، خاصة هندباءة..

لكن كفانا من ذلك ولننتقل الى قول آخر.

فقال بعضهم: شو هالأنيتا.

وليس هذا سؤالاً بقدر ما هو عبارة عن التعجّب والانبهار، فقد سمعتُ بعض الألسنة وهي تتناقل هذه الجملة التعجّبية في الفترة الأخيرة، مدحاً لبعض ما قامت بها من أعمال، وبعض ما خاضتها من معارك وأشغال، فهي تخرج منتصرة مظفّرة على الدوام، حتى أخذت هذه العبارة المذكورة تُصبغ بعوارض الغيرة، والحسد، والرغبة الجنسية الدفينة. ويتهيّأ للبعض أن هذه العبارة إن دلّت على شيء فهي تدلّ على الكبت، والتهرّب، فالبعض يرون في مغامراتها الناجحة ما يشكّل تهديداً، وتوعيداً، فيخافون اهتزاز الطبقات، ويتهيّبون انهيار المعابد والمؤسسات، فيلتجئون بالتالي الى التلمّظ، والتمطّق، والغمز واللمز.. والحقيقة أن الأخت أنيتا علاقتها بالاشتراكية الثورية غير ثابتة، ومن آي ذلك ما أفادت به في رسالتها الجوية الأخيرة التي بعثتها اليّ على ظهر صورة فنية فذّة تخلط بين الرفيق الديكتاتور ماو والمغني الشعبي الشهير إلفيس، قالت أنيتا ما نصّه:

" شوف الاشتراقيون عاملين ازاي هنا في لندن "

ولقد احترت في هذه الكلمة، الاشتراقيون، فهل تعني بذلك الاستشراقيون، أم الاشتراكيون؟ إلا أني فكّرتُ في إمكانية ثالثة، هي الاشتراكي المستشرق، فقد قال ماركس:

"Sie können sich nicht vertreten, sie müssen vertreten werden"

بمعنى أن الشرقيين لا يعرفون الحكومة الصالحة، وبالتالي يجب على الغرب أن يحكمهم بدءاً من الرأسمالية مروراً بمراحلها المختلفة الى ولادة الاشتراكية منها. والأخت أنيتا لداها حق، اذ ثمة بلا شكّ بعض الاشتراكيين المستشرقين في لندن، كما أنها مدينة لا تخلو من الرأسماليين المستغربين، فلنتّقِ الله شرّ العالمين.

وقال بعضهم: كأنها الزوجة، فلقاؤهما كلقاء بخيت وعديلة، أو آل غور وتيبر غور.

وهذا قول ليس له أساس من الصحّة، فالمعروف أن آل غور قد انفصل عن زوجته تيبر، أو هي التي انفصلت عنه لا أدري، وبذلك قد انهارت مملكة كاميلوت *** وتفتّت الى الأبد ذاك الحلم الأمريكي السخيف.


ثم قلتُ لها: ما اسمك؟

فقالت: ܠܓܝܘܢ ܫܡܢ ܡܛܠ ܕܤܓܝܐܐ ܚܢܢ .

والمقصود به أن عناصر ذاتياتنا مختلفة متعددة، مضخّاتها متنوعّة القوى متناقضة الاتجاهات، تنصبّ عبر قنوات مادية كبرت أم صغرت، أجهزة تكنولوجية وسكك حديدية، تحمل مما تحمل مكائد خطابية ومصائد لغوية، تقيّد وتفتح، تشحن وتنفخ..

فما الجذور سوى قيود فُرضت، وما الأشجار سوى أصفاد ضُربت، جئتُ أنا وجاءت هي، وبما أن الاثنين منا عبارة عن عدّة أشخاص، فقد كان اجتماعنا بمثابة ازدحام هائل، واكتظاظ مائل..


---


* قوله الله، وهو من باب السخرية والتهكم لا ريب، فما هو بصدد العبادة ولا الصلاة.

** من الجدير بالذكر هنا أن باتي هيرست وبعد أن نجت من حياة السجن قد أصبحت رمزاً من رموز الكامب، ومثالاً على ذلك الأدوار التمثيلية التي أدّاها في بعض أفلام جون واترز الشهيرة.

*** قوله كاميلوت، وهو من باب السخرية والتهكّم، فهذا اسم كان يُطلق على العلاقة الحميمة بين الرئيس جون كينيدي وزوجته، اللذين بنيا أسرة رومنطيقية قوية استحوذت على خيال الشعب الأمريكي في فترة الستينيات. فما أبعد هذين الزوجين عن آل وتيبر، اللذين عُرفا ببساطتهما المثيرة للشفقة والاستهزاء في معظم الأحيان.

17 أبريل 2010

بلاغات الأخت أنيطا من حواري بيروت وأزاريطة وبعض ما جمعت من أخبار الأراضي المحيطة

بلاغات الأخت أنيطا من حواري بيروت وأزاريطة وبعض ما جمعت من أخبار الأراضي المحيطة


مقهى مجهولة على مرمى حجر من فندق لو بريستول، لا المنظر معاد ولا النغمة مكرّرة.

"انتي بتقلي إن شاء الله كتير"

"يعني، ممكن علشان أنا واخدة على طريقة كلام المصريين"

"أنا كتير خايف من هالكلمة، أنا مصوّر الله، ماسك البندقية!"

واذا بالأديب الموقّر، الروائي الرزين،الرجل العفيف المعروف برشيد الضعيف: يقوم مبرزاً بندقية خيالية لا يراها سواه، ويروح يطلق النار على جميع الحاضرين. رجالاً ونساءً وأطفال.

فخرجت الأخت أنيتا، أخذت ذيلها في سنانها وطارت كما يقال، إلا أنها قد احتفظت برصاصة فضية خرجت بها من الموقف، علّها تحمي نفسها من براثن الوحوش الرابضة، ومخالب المسوخ القابضة، منها الغول والقطرب والرخّ والعدار.

24 أكتوبر 2009

يا دولة الريّس

يا دولة الريّس

قال الجاحظ نقلاً عن الزهري: إن سمعتَ أدباً فاكتبه ولو في حائط.
ولعلّه أضاف، لولا أنه توفّي الى خالقه من زمان مضى وانقضى: اذا ما تجوّلت في حواري أوستن العريضة، فقم بمطالعة حيطانها الناطقة.

سمعاً وطاعة يا معلّم.
أو قد نقول: من عيني دي قبل عيني دي. ثم بالعينين كلتاهما.






















" يا سيّدي الرئيس: ماذا عن الشواذّ ؟ "

اعرفوا أوّلا أن المدن الأمريكية ليس لها حواري، وبرغم مما شاع عن مدينة شيكاغو خاصة فإنها تتمتّع بشوارع عريضة منفتحة زي الفلّ، شوارع مفشوخة للتنزّه والتسوّق، لا تنسدّ ولو أقيم ألف حاجز. وهذا الواقع الهندسي كما أظن، يميّز المدن الأمريكية الكبرى عن أخواتها الحضارية في بقية أراضي المعمورة ككل. وهو الواقع الذي يصدّ للقلقلات والزعزعات على أنواعها، ويحافظ على استقرار البلد على المدى البعيد. هذا لما يكون للشوارع من فراغات يصعب سدّها، وفتحات يتعذّر عرقلتها. فإنك اذا أردت تحقيق هدف من أهدافك الثورية، وقصدت هزهزة ركن من أركان البورجوازية، اذن عليك القيام بما يلي:

ألفاً) الإمساك بكتابك الأحمر المفضّل (هنا يصعب الاختيار بين هذا وهذا)
باءً) النزول الى الشوارع
جيماً) تعطيل السير

والمرء اذا اتّبع هذه الخطوات بجدّية سيصل الى لحظة يدرك فيها استحالة تنفيذ (جيم). وهذا، بكل بساطة، يرجع الى الهندسة المدنية الأمريكية التي تميل أكثر ما تميل الى الطول والعرض، دون التقشّف والاقتصاد. فاذا كنت تقرأ هذه السطور وانت في شيكاغو، سيحدث ما يلي:

أولاً) ستمسك بكتابك الأحمر المفضّل (بسيطة وفهمناها)
ثانياً) ستنزل الى جادة ميشيغان المضيئة
ثالثاً) ستدخل محلّاً من محلّاتك المفضّلة، وتشتري بعضاً مما يحلو لك
رابعاً) ستركن عند أول ستاربكس تصادفك، ثم تفتح كتابك الأحمر وبذلك تلمّ بتفاصيل الثورة الاشتراكية، بالإضافة الى الشيء الكثير من دقائق اللغة العربية

وبذلك تكتسب شيئاً من الثقافة، بينما تشعر بتأنيب الضمير لانحرافك عن النشاط الثوري المباشر. ثم تلعن الهندسة التي أجهضت الإمكانيات اللانهائية.

لكنك لست في شيكاغو، فاحمد ربك على نعمته. وحتى لو كنت في شيكاغو، وربما تكون كذلك، فهذا ليس قضيتنا اليوم للأسف الشديد، إنما قلنا أوستن وحيطانها. ولهذا الكلام إفاضة.

فإن المرء اذا ما قام وتجوّل في شوارع أوستن العريضة - التي اتفقنا أنها ليست بحواري - فإنه قد يلفي نفسه منشغلاً ببعض ما ازدانت به حيطانها. ومنها ما تكلّس جبصه، فتبقّع وجهه وتسكّرت بعض ملامحه، إلا أنه ما زال حاضراً، متقدّماً في رونق الأصالة المجروحة، المهدّدة. ولأن مدينة أوستن هي مدينة الهيبستر فلن تجد مثل هذا الشعر الذي يبزّ عواطف وحنين، إنما ستجد ألوان العنف والحقد قد لُطّخت هنا وهناك، وقدراً كبيراً من مخربشات الدهان الرخيص، غير المرخّص. الكثير ينزعجون من الهيبستر، فيُروى على سبيل المثال أنهم كانوا في الأصل عبارة عن ثوريين حقيقيين، همّهم الأول والأخير الهجوم على الشللية والنخبوية أينما وجدوها. إلا أنهم مع مرور الوقت، وتكلّس الأحوال، صاروا جزءاً من المجتمع الأمريكي المعتاد، اعتزلوا وتعصّبوا فاستحالوا الى طائفة من الطوائف المعروفة.

إلا أن الهيبستر ليسوا موضوعنا اليوم، للأسف الشديد.

ولا أعرف، على كل حال، إن كان واحد منهم من رسم الصورة أعلاه، بل أشك في ذلك، اذ أنهم كثيراً ما يقال عنهم أنهم يهتمّون بالحقد من دون التغيير، والمزيكة الصارخة دون السياسة ومصالح الوطن العليا.

اذن، فبينما أنت مطّلع على اللوحة المخربشة إياها، تشعر بأن هناك من يقترب منك من وراء. بل إنك لتشمّ رائحته قبل أن يتبيّن شكله، وعندئذ ستدرك أن هذه الجثّة العملاقة، المتلصّصة الفوّاحة، ألا وهو داوود الوحش، أحد سكان هذا الشارع المعروفين. لكن يجب الانتباه. اذ داوود الوحش هذا، الذي يكون بلا شك من بين الوجوه الصباحية المعتادة - التي تصادفك عند ذهابك اليومي الى الجامعة - ليس وحشاً حقيقياً، إنما هذا مجرّد لقب اختاره داوود لنفسه. فإن داوود الوحش، في الواقع، إنسان لطيف، يسرّ أكثر مما يضرّ، كومة مرحة من اللحم والدم، دائماً ما يكتسي ذاك القميص الملوّن الفاقع، وفي يده لافتة كتب عليها، مثلاً:

" إن الله هو المحبّة، إلا إن كنت من غير المسيحيين "
أو
" دع عنك لومي فإن اللوم إغراء "
أو
" ابتسِمْ ، فإنه ينفع أكثر مما يضرّ "

ونحو ذلك. وأنا أذكر داوود هنا لما حدث بيني وبينه منذ أسابيع قليلة. فإني لأزعم أن داوود الوحش - وعلى الرغم من مروري أمامه ما يزيد عن مرّتين كل يوم منذ حوالي سنة - قد انتبه أخيراً الى وجودي أنا. فإنني بعد أن كنت منشغلا بتأمل الصورة أعلاه، التي تزدان بها احدى حيطان أوستن المتجبّسة، أخذت في مواصلة المشي على الرصيف ناحية الشمال. عندئذ، عندئذ فقط، لاحظت داوود ذات نفسه على مقربة مني، وهو جالس منجعص تحت شجرة بلوط. التفتّ اليه، وقد صدر منه الشيء القليل من الرطانة والهلضمة غير المفهومة. أجبتُ أنا بمثلها - وهذه لهجة أجيدها - وتبادلنا الابتسامات. ثم كمّلت مشواري.

يقال إن داوود يعاني من مرض نفسي ما، أظنّه الانفصام الذهني، وهو من شرّ ما قد يصيبك من داء. لكن المؤكد أن هذا مجرّد تصنيف ينقذ البورجوازيين من قلقهم والإحساس بالذنب. هذا البشر يذكّرني بصاحبي توماس، الذي قرّر ذات يوم أن يتعرّى تماماً من لبسه، فتجوّل متهرولاً في شوارع بلومينجتون - الواقعة في سهول ولاية انديانا. ولماذا يحتاج توماس الى اللبس، قيل، وهو النبي آدم عليه الصلاة والسلام، قد سكن الجنّة مع صديقته العارية هي الأخرى. لم يقبل ضباط المطافئ هذه الحكاية منه، فقبضوا عليه ورموه في السجن. الآن، توماس كثيراً ما يوصلني الى مكان ما وأنا في شيكاجو، يقودني في سيارته الى مطرح ما بدّه.

أدرك عند هذه النقطة أنني قد سهوت تماماً عن صورة أوباما وعلاقته بالشواذ جنسيا. كما أني قد سهوت أيضا عن المخربشات والفنون المتعلّقة بها في أراضي أوستن الوعرة، وغير الوعرة منها. فلهذه السيرة استئناف فيما بعد.

15 مارس 2009

أنا والجاكيت والفشخرة

أنا والجاكيت والفشخرة

الاقتصاد

هي الحقيقة للأسف الشديد، ورغم ذلك،
وهو رغم كبير! لقد عرفت حكاية طويلة، لا تزال خيوطها تجري وتعود، تتعلق بما حدث بيني وبين الجاكيت والفشخرة، وأي فشخرة!
اسمعوا!
أو لا تسمعوا، فلا يهمني على الإطلاق.
الغرض... فهمت، ان الاهتمام (بل والشغف) بالظاهر من دون الباطن، والتعلّق بالمزعوم على حساب المخفي، شأن من شؤون الاستعراضية الفارغة، والرأسمالية الكاذبة، يصبّ في مصلحة التشليح والإفقار.

لكن ما الذي دفعني اذن، للجري وراء الأكذوبة، والتلهّف على الدنيء من الأمور؟ ومنها ذاك الجاكيت!
هل هو البرد؟ كلا، اذ اني عمري ما فضّلت الصحّة على الجمال، ولا الدفء على الذوق، فكفانا كلام العقل، لأنه ليس بنا لائقاً!

على كل، لم يكن الجاكيت، في نهاية المطاف، من نصيبي. حتى الآن.

انفقأت الفقاعة وبانت من خرابها السوائل الفاسدة والمياه الآسنة،

أيتها الإخوة والأخوات، لقد بلغنا الهدى، وتصدّينا لمن بقلوبهم حقد ومرض ورياء وشكّ،

فلقد تغلّبنا على الخونة والخائبين والمرتزقة من القوم،

وعرّيناهم على الملأ، وعلّمنا الحق والدفء والأمنية والإخلاص،

وأثبتنا أنه لا غلبة ولا سلطان إلا لمن يرفض الإسفاف والعفن في بضاعة الإستهلاكية الرخيصة، السهلة، وسلعها المغشوشة بالحموض والطفيليات والعبودية والإشعاع،

والدنيا بعد البرد الخفيف قد عرفت أخيرا الحرارة،
فهل أجد سبيلي الى حذاء جديد؟