19 أبريل 2010

أصلي العربي وفصلي الوطني: وثيقة تبدّد الشكوك

أصلي العربي وفصلي الوطني: وثيقة تبدّد الشكوك

نعم. فلقد راود البعض منكم الشكّ، ولقد ساور العديد منكم الريب، فحام الغموض وحلّق حول حقيقة أصلي، وهوية فصلي، وعلى هذا كانت أصالتي فريسة الإشاعات، كما كانت عراقتي ضحية الأراجيف والهجومات: وأنا في ذلك شبيه بالرئيس الأمريكي الأصيل باراك حسين أوباما.

لكني لحسن الحظّ، وصدفة المعرفة، قد وقع بصري على وثيقة حسبي، وحقيقة نسبي، وذلك في مخطوط أثري عتيق بعنوان هزّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف للعلّامة الشيخ يوسف الشربيني:







ومن هنا تنقشع غيوم الارتباك، وتزول الشوائب والعوائب والالتباس، فليس ذلك بخطأ مطبعي، ولا غلط مكتبي، بل كلمة واضحة وضوح الضمّة على الباء، والسكون على النون.

وحسبي الله ونعم الوكيل.

17 أبريل 2010

بلاغات الأخت أنيطا من حواري بيروت وأزاريطة وبعض ما جمعت من أخبار الأراضي المحيطة

بلاغات الأخت أنيطا من حواري بيروت وأزاريطة وبعض ما جمعت من أخبار الأراضي المحيطة


مقهى مجهولة على مرمى حجر من فندق لو بريستول، لا المنظر معاد ولا النغمة مكرّرة.

"انتي بتقلي إن شاء الله كتير"

"يعني، ممكن علشان أنا واخدة على طريقة كلام المصريين"

"أنا كتير خايف من هالكلمة، أنا مصوّر الله، ماسك البندقية!"

واذا بالأديب الموقّر، الروائي الرزين،الرجل العفيف المعروف برشيد الضعيف: يقوم مبرزاً بندقية خيالية لا يراها سواه، ويروح يطلق النار على جميع الحاضرين. رجالاً ونساءً وأطفال.

فخرجت الأخت أنيتا، أخذت ذيلها في سنانها وطارت كما يقال، إلا أنها قد احتفظت برصاصة فضية خرجت بها من الموقف، علّها تحمي نفسها من براثن الوحوش الرابضة، ومخالب المسوخ القابضة، منها الغول والقطرب والرخّ والعدار.

30 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الخامسة

غرضه الهجاء: الخطوة الخامسة

تتلاقى الأشياء، ثم تتباعد. وقد تتلاقى مرة أخرى، أو لا تتلاقى. ولا يرى الغيب إلا الله آمين.

شيء لا يُصدّق

لا يثبت له شاهد

ولا كل الشهود

بسطتُ قصاصات الورق أمامي، وقرأت:

تلك الأحلام التي أرى نفسي فيها عابرا البحار، ثم أصل الى القارة المسماة بالوطن لكن دون أن أعرف كيف وصلت؟ وبأي مطار عبرت؟ ولا أتذكر أي شيء عن الرحلة، فقط أني كنت هناك، والآن أنا هنا. رددت هذه الجملة الأخيرة عدة مرات بصوت مبكٍ، بينما أمي تستمع الي وتكفكف دموعي بعطف وحنو.

وهناك أحلام أخرى تتكرر بنفس الرتابة والإصرار، أرى نفسي فيها في نفس الشقة لكن هناك غرف أخرى، والشارع فيه محلات أكثر. يمكنني أن أداري نفسي فيها درعاً لهجوم المتوحشين أمثال رود بلاجويفتش، ولورن برلنت، وشخص اسمه برعي.

هكذا إذن، بدأت السيدة نادية ترسل اليّ كل يوم سبت، ظرفاً أحمر يحتوي على أضغاث أحلامها، لماذا، لا أعرف، كيف، ليس مهماً، متى: كل يوم سبت، في آخر الليل، وأنا نائم أو شبه نائم. أطارد الذبان بيد، وباليد الأخرى أصفّق في الهواء أسوة بأهل السرك والطرق الغجرية. إمرأة ثلاثينية، أو ربما ستينية - لا فرق - هي شيخة منصر على ما يبدو، تتحكّم في عصابة من عصابات شيكاجو الشرسة. يعني هي فاضية علشان تلعب بيّ؟

لكن هكذا صارت الأمور، فاختارتني أنا دون غيري، إنساناً تروي له أحلامها الملتوية السوداء. انتقتني، أو قلْ اصطفتني، دون عشرات البشر المسالمين، الخائفين على أحذيتهم. يعني مستقصداني ليه الستّ دي؟

هذه لعبة غريبة جداً. أن تقوم بتشليح شخص ما من حذائه، فتدمّي له وجهه، وتهدّده بالقتل اذا ما حاول استرجاع ملكه وحقّه. ثم تراهن، بناءاً على ذلك، أنه سيستقبل برحابة الصدر تلك الظروف الحمراء التي تنطوي على أحلامك - بل كوابيسك - التي تخشى البوح بها الى أحد غيره. هذه لعبة غريبة جداً، تفتقر الى أي أساس من المنطق. ومع ذلك فهي لعبة ناجحة. بدأت حقّاً انتظر بلهفة وشغف تلك الظروف الحمراء، التي تتجلّى كأن من لا شيء عند حافة السرير، كلّما أصحو من النوم، في يوم السبت.

يأخذني الكرى، يتملّكني النوم، أغط في سبات عميق. أغفل للحظة، أغفو لبضعة دقائق. يرتجف لي جفن. في كل الأحوال، حين أفتح عينيّ، أجد ظرفاً أحمر يستلقي هناك، مصمتاً. شرط أن يكون يوم السبت.

27 مارس 2010

قراءات في الغرابة المقلقة (2)

قراءات في الغرابة المقلقة (2)

أيام حرف ال(i) محدودة، فلقد أوشكت حياته على الفناء، كما أطلّت نجمته على الانفجار والبلاء.

فلقد عشنا كلنا تحت مظلة ال(e) لفترة من الزمن، إذ رأينا وجرّبنا ال(e)ميل وال(e)كتب وما الى ذلك. ثم دخلنا زمن ال(i)، عرفنا خلاله أمثال ال(i)بود وال(i)فون وأخيراً وليس آخراً، ال(i)باد. وهذه الأخيرة - شئنا أم أبينا - كانت بمثابة آخر مسمار يدقّ في النعش، أو قل القشة التي قضمت ظهر البعير. وذلك للتشابه المبين بينها وبين الفوطة الصحية الأنثوية ، فغدا هذا الاختراع المأسوف عليه مدعاة للسخرية، مضغة في أفواه الناس، الذي هب منهم والذي دب.

وهو الأمر الذي يقودني بالتالي، حسب تداعي الأفكار، الى ما جرى بيني وبين "العين" في الآونة الأخيرة. فاعلموا أني كنت مارّاً ذات يوم في دهاليز المؤسسة الموقرة، واذا بي أصادف في الطريق: المفكّك الخطير، الوجه المنير، خادم الحرمين الشريفين، الأستاذ العظيم طارق العريس. تعثرت خجلاً أمام الأشعّة التفكيكية المنبثقة منه، إلا أنني سرعان ما تماسكت ولملمت أغراضي وقلت على سبيل التحية: أهلا يا أستاذ.

اكتفى الأستاذ بالاقتراح التالي: عليك يا أنت بقراءة ما قاله الحكيم فرويد عن العين، ثم ما قاله عبد الفتاح كيليطو بشأن الغرابة المقلقة.

[وبما أننا نعيش في زمن الروابط، يجب أن أربطكم بالرابط الأهم وهو الكتاب الذي أتشوق لقراءته: ...]

والحقيقة يا ناس (تعبتُ من مخاطبة الناس): الحقيقة يا أنت، الحقيقة المخيفة، أنني في نفس الأسبوع الذي تناولت مقالة فرويد، وكتاب كيليطو، إذ سقطت من عينيّ تلك العدسات الطبية التي أتحلى بها على الدوام، ورحت نتيجة لذلك أتخبط في طرق الجامعة لا أرى شيئاً، أختبط بالمارّين والأشجار، أنتظر بلهف وتوق ذاك الطرد البريدي الذي سيحمل اليّ العدسات المطلوبة.

ثم اعرفوا عن فاء، ما قال لي بعد ذلك بأقل من أسبوعين، بأنه شافني في المنام، إنما ايه، كانت عينيّ محمرّة خااالص.

- نعم. لقد رأيتك هنا، جالساً كما أنت، لكن: احمرار فظيع في عينيك.

غرضه الهجاء: الخطوة الرابعة

غرضة الهجاء: الخطوة الرابعة

أرى نفسي غاطاً في سبات عميق، من فوق. أطارد الذبان بيد، وباليد الأخرى أصفّق في الهواء. كل هذا ممكن، بل مشروع، بعد سنين طويلة من التدرّب على الفنون البهلوانية، والشؤون الشقلباوية، قضيتها مرحاً في رعاية السرك الوطني. وغير الوطني.

أنسحب الى داخل طوايا السرير، أتململ متهتهاً، بصوت يكاد لا يُسمع: " قازوزة.. قازوزة.."

تتلمظ شفتيّ، وتلتوي. تصدر صوتاً أقرب ما يكون الى الفقاعة البكرة قبل ذوبانها، أو هبوط الفراشة على القدم إثر اقتلاع محتوم.

"قازوزة.. قازوزة.."

.. أو ربما كانت " فزّورة ".. أو حتى.. " قاذورة ". إنه شيء غامض، لا سبيل للتأكد منه، أو التفهّم بشأنه، سوى بالمزيد من التنصّت، وتدقيق السمع بعد إرهافه..

تشوشت أفكاري فجأة، اختلج جسمي وانتفض، إلا أن ذراع ما دفعتني بقوّة، وصفعتني، ووجدت يداً جافة تكتم فمي، وأخرى تهدّد عنقي بمدية حادة:

- ولا حركة! صاحت.

عندئذ، ورغم ارتباك الأحوال، والتباس المقام والمقال، إلا أني عرفت هذا الصوت، وهذه اليد، وهوية المتلصص المتجسس الذي اقتحم منزلي في الساعات المتأخرة من الليل. اذ معرفة مثل هذه الأمور، وإدراك مثل هذه الرموز، نوع من أنواع الفطنة التلقائية، أو الحكمة الكهربائية، تحيط بالمرء إحاطة عظيمة، فتهزّه يمنة ويسرة على غرار آلام المخاض، فيستقرّ فيه شيء من اليقين: سدّ ثلمة، وملؤ فراغ.

يبدو أن السيّدة نادية من ذلك الطراز من الفتوات الذين لا يراهنون على إخفاقات مرؤوسيهم، فلا يكلّفون الآخرين بالمهمات التنظيمية مهما صغر شأنها، بل يقومون بما يجب أن يتمّ بأنفسهم. فكان من المقبول جداً أن تبعث - بدلاً منها - أحد المرتزقة والمأجورين من أعضاء العصابة، لكنها لم تفعل. كان من المحتمل - حسب قوانين المافيا المعهودة، والمتفق عليها - أن تتملص من المسؤولية، متحججة بخطورة العملية، والأفخاخ المنصوبة في الطريق. ثم أن ترسل شخصاً آخر، عوضاً عنها. لكنها لم تفعل.

- أنا موجودة في كل مكان. أسكن في غياهب الطرقات، وظلمات البحور. أطفو على سطوح المجتمع، وأرقص على رؤوس الصفوة وعلية القوم. أنا بين فخذيك، وأنا أقرب اليك من قضيبك. أنا جرثومة فتاكة لن تتخلص مني، ولحسن حظك، لقد قررت ألا أتخلّص منك. ما زالت فيك بعض الفائدة.

أغمى علي في الحال: هل من الفزع، أو من ضربة قوية من يدها، لا أعرف، ولا أحسّ، فقط صداع رهيب يسيطر عليّ، يشلّ مفاصلي، لا شق ولا فصل بين النور والظلام، بل هما سديم واحد، يربض وراءه ذئب مقنّع. مداركي قد سرى فيها عكرٌ لذيذ، تفشّى وانتشر فتخثّر عند الفتحات: عقبات مجدّدة في الشرايين والعروق. يجب أن أتناول الترياق، وإلا ضعت..

حين أفقت الى صوابي، وجدت الشقة كما هي، باستثناء ظرف أحمر يرقد عند حافة السرير.

فتحته، وقرأت بصوت عال:

قرّبت الفنجان من شفتيّ المنفرجتين عن ابتسامة مكر وتواطؤ - تواطؤ مع ماذا؟ مع قوى الشرّ والفسق! - فضحكت. وضحكتي تلك جعلت في المشروب عاصفة صغيرة، تراقصت فيها الأضواء، تمازجت فتقلّبت، وفاضت بسخونتها الذكورية الطافحة عليّ وعلى بنطالي المحترق!

14 مارس 2010

قراءات في الغرابة المقلقة (1 ب)

قراءات في الغرابة المقلقة (1 ب)


أنا أحب أوستن.

أجلس الآن في مقهى ستاربوكس، يؤنّبني الضمير صحيح لكن الجو صحو، والحرارة معتدلة، ثم عطر الربيع وطيبه بدأ يشمس علينا. هذه قد تكون أول مرة في حياتي أحترم فيها الجنوب الأمريكاني.

أحنّ الى مصر، لكن، هنا، على مرمى حجر من شقّتي، أجد نفسي محاطاً بأفواج من أهل الخليج. عند تلك الطاولة جماعة من إخواننا العراقيين، وعند تلك الطاولة بعض السعوديين. لا أرى شخصاً واحداً يتكلّم غير اللغة العربية. وهذا ما لم أكن أتوقّعه أبداً في تكساس: الغرابة المقلقة بدأت تنتقم مني. تش تش تش. بيتتش. أختتش. حياتتش. الخ.


ملحوظة: هذا النوع من البوستات لم أره أبداً يناسبني لكن ربنا هو الرزاق.


(واللوحة من أعمال الرفيق جيبارا)


12 مارس 2010

قراءات في الغرابة المقلقة (1)

قراءات في الغرابة المقلقة (1)

أعددتُ فنجاناً ثقيلاً من القهوة، ثم جلست عند مكتبي. بينما ارتمى هو على حجري.*

- كده ماينفعش، قلت، هذا الوضع يوجع ظهري.

جعلته يرقد فوق المكتب ، عسى أن أتناوله بكلتا يديّ.

- خلّينا نتفاهم، قلت.

أخرجت قلمي الأزرق الطويل، ورسمت دائرة كبيرة حول عنوانه: " الغرابة المقلقة " للعالم الكبير سيجموند فرويد. صفحاته من ورق رقيق جدا الى درجة أني خشيت تمزيقه أو تفتيته. لكنه نشوة الكافيين، الى جانب الهالة المروّعة المحيطة بالنصّ، ما دفعني الى مواصلة القراءة. أخذني بيدي وجرى يمرّرني على نقاطه وفراغاته، فسايرته وسايرني ونحن منسجمان متفقان، وجاريته وجاراني ونحن متداخلان متعانقان: هذا أنت على غير عادتك، قلت، لست أنت المتفذلك المتحذلق في "القلق والحضارة"، ولا أنت المخرّف المخبول في "الحداد والكآبة"، بل انك هين لين لا تؤذي أحداً.

وظللنا على هذه الحال لمسافة عدّة صفحات، الى أن مدّ يده للقاموس.

- " انت بتعمل ايه؟ " صرخت بامتعاض ممزوج باستياء وقرف.

نعم، هذا هو السؤال: ماذا أنت فاعل يا رجل؟ ماذا أنت فاعل؟ وما تراه يفعل، هذا الرجل، بفتحه هذا القاموس الوفير، اللسان الخطير، والتنقيب بالتالي في الاشتقاقات والمرادفات، الترجمات والخزعبلات، وذلك من أجل الوصول الى معنى كلمة واحدة ألا وهي: الغرابة المقلقة. ما تراه يفعل.

تبدّى لي فيما بعد، أن الدكتور فرويد إنما كان بصدد رصد بعض الأفكار، وحصد بعض الأشجار، ثم جمعها وإيداعها في خانة كبيرة من الأشياء المتعلّقة ببعضها البعض، تتداخل وتترابط وفقاً للتداعي الطبيعي للأحاسيس والمعاني. وما القاموس إلا أداة لإنجاز هذا الرصد وذاك الجمع، وهو الجامع المرجع لسياقات كثيرة وتوظيفات عديدة، يتبيّن للقارئ الشيء الكثير من الروابط الكامنة، والعرى الوثقى، ولو في محدودية الكتاب المطبوع. لكن جهاز جوجل للبحث لم يكن موجوداً أيامها، للأسف الشديد.

...

نهضتُ فجأة، فاهتزّت القهوة وانكبّت عليه بكل سخونتها، فصرخ صرخة ملتاعة.

...


* هذه المقالة مستقاة بترخيص من مشروع كتابي عرضته في صفّ الأستاذة الكبيرة كيتي ستيوارت. ولقد ترجمتها من اللغة الانجليزية لكن بإصرار جدي على مراعاة نقاط الاختلاف بين اللغتين العربية والانجليزية. أي انها ليست ترجمة بمعنى الكلمة إنما أقرب ما تكون الى تفسير معاني النصّ الأصلي. كما أن بعض الطلاب في الصفّ هنّأوني على الصفة الإبداعية الطاغية عليه، بينما حسدني البعض الآخر، أما البعض الآخر الآخر فقد أغمى عليهم فور تناولهم هذا النص فأخذهم الصرع وجعلوا يتقيّأون يصرخون لا يردعهم رادع.**

** ولقد أعجبني جدا هذا الأسلوب الخطابي المتبجّح الذي يتّخذه الشرح المرافق للنجيمة، اذ يسبغ على صوتي الشيء الكثير من السلطة الزائفة والقوة الملفّقة. ثم إنه شيء عجيب أن يطول الشرح الى هذه الدرجة، بصرف النظر عن مشاعر السأم والبضان الملازمة للقارئ كما للمؤلّف، فيكون الدرس المستفاد: لا تثق بالنجيمة! اذ كيدها عظيم.

03 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثالثة

غرضه الهجاء: الخطوة الثالثة

الآن، بعد مرور نحو أسبوعين على بداية هذه النزهة، لقد أخذ التنمّل يستشري في القدمين، وكشف الدهر عن ظلم وضيم، ونحن لا نعرف غير البلل والملل وذوق الأمرّين
.

الجزمة موجودة، وهي غير موجودة. حاضرة في غيابها، حاضرة في جزميّتها: هذه الجملة تفرز سائلاً بنفسجياً نتناً، بتضرب السبعة ونصّ.

فترة التأمل والتدبّر قبل الكتابة: وهمٌ أشاعه الكتاب المطبوع!

غادرتُ قسم الشرطة، مشيت قفايَ يقمّر عيش.

نزلت الى جادة ميشيجان المضيئة، أبحث في الشوارع عن السيّدة نادية. أتفحّص في الوجوه المتجهّمة، أسترق النظر الى الشنط الحريمي، علّني يصادفني الحظ، فيطلّ من احداها رأس الكلب الصغير الذي يتمتّع بحذائي المسلوب.

بدأتُ أشكّ في هذه القصة.. حين رأيتها!

السيّدة نادية تخرج من سيّارة مرسيدس وبرفقتها شاب اسمه غسان، يتهيّأ لي أنني رأيته من قبل. بل المؤكّد أنني رأيته من قبل، اذ كيف عرفت اذن أن اسمه غسان؟

كل هذه التفاصيل الصغيرة لا تهمّ: الأسماء، المكان، السيّارة. المهمّ هو حذائي.

نعم، هذا الشاب اسمه غسان، وهو مقيم مع السيّدة نادية في عمارة رقم 2 المواجهة لبرج هانكوك في شيكاجو. وهو الذي دلّ البوليس على المصوّر المدعو وائل لاظوغلي (اسم غريب لإنسان غريب) الذي له أستوديو الى جانب مدخل هذه العمارة. عميل مأجور من قبل أطراف عدّة، أهمّها مديرية الشرطة العليا.

كيف عرفت هذا، كيف ألممتُ بكل هذه التفاصيل؟

لقد وصلني عبر البريد ظرف يحتوي على شيئين: الأول رسالة مكتوبة بخط اليد، والثاني قصاصة رباط اُقتلعت بلا شكّ من الحذاء الضائع المسلوب!.. وهي منقوعة في لون أحمر داكن، أظنّه الدم المراق منذ وقت قصير جداً.

لمستها بإصبعي، فنبضَتْ مفرزةً القليل من الدم.

ما شغفك بالدم هذا؟ يا أخي أنا لم أخترع هذه الأشياء، إنما أتت هكذا كما خلقها ربّها! اهدا بقى ربنا يخليك. المهم، يا أنت، أن هذا الظرف لما فتحته كان فيه الى جانب الرباط رسالة موجّهة اليّ مفادها:

سترى غسان وهو يخرج من عربية مرسيدس بصحبة إمرأة ظريفة اسمها نادية. السيّدة نادية. ولك أن تتخيّل كيف تآمروا عليك، فلم يكتفوا بتحريمك من الحذاء وتركك للموت على شاطئ الإسكندرية الخرسان، بل ذهبوا الى أن يقلبوا على رأسك تفاصيل هذه القصة، مكانها وزمانها، فتحوّل البحر الأبيض الى بحيرة ميشيجان، وحيّ لوران الى برج هانكوك، ثم تركوا بعض التفاصيل كما هي، علشان تتلخبط وتقوم تشكتي همّك لأمّك يا ابن المفترية..

وهنا توقفتُ عن قراءة الرسالة، وكرمشتها بين يديّ وطلّعت الولّاعة وولّعت فيها النار. ثم أخذت أدهسه بقدمي الحافي، الحاكي الحكيم.

[نواصل فيما بعد!]

24 فبراير 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثانية

غرضه الهجاء: الخطوة الثانية

هناك بركة حمراء صغيرة تتجلّى في المساحة الضيّقة ما بين وجهي والصخرة، هذه البركة الحمراء تأخذ في التوسّع، تميل الى الصهباء، أظلّ أستنشق رائحتها اللزجة، أتنفس، أتنفّس مرّة أخرى: تنفيسة قوية تجعل فقاعات سرعان ما تنفقئ، مفرزةً مادّة متخثّرة داخل منخاريّ.

عنقي يتقطّر دماً.

أتقيأ المزيد من الدم، قبل أن أفيق الى صوابي وأحاول استرجاع ما حدث لي. بينما موجات العروس تنهال بلطف على بنطالي، وهو الأمر الذي ينبّهني الى وضعي الحالي:

نصفي الأعلى مضطجع على صخرة خرسانة ضخمة، في حين أن رجليّ تتدلّى في الفراغ، متعرّضتين الى البحر والبلل. أمّا قدميّ فبهما ألم شديد.

عندها، عندها فقط، صحوتُ الى الطامة الكبرى: أين حذائي؟

اصطكّت أصابع قدميّ من البرد، أشفقتُ في الحال على عريها التامّ. وعرفتُ السبب. أتخيّل الآن كلباً صغيراً يتبختر بزهوّ وكبرياء، مرفوع الرأس، وعلى حافريه الأماميين فردة حذاء ماركة بيركنشتوك. أمّا جيده فعليه تلك السلسلة الذهبية الساطعة!

يا له من مهزلة. لقد لحقتني البهدلة على يد هذا الحيوان الشقي، الذي يتألّف اسمه من تركيبة رباعية مملة:

لام واو لام واو

ألا إنه حادث مستفزّ! لكن... يجب التصرّف بالعقل، وبالهدوء، عسى أن نجترّ تفاصيل الانتقام بوضوح، وصفاء بال. السيّدة نادية وكلبها الصغير يضحكان الآن لا شكّ، يعربدان بصخب وعنف في احدى الملاهي المخبّأة عند أعالي عمارات لوران، يستعرضان غنائمهما بكل تفاهة وازدراء. لكن لا يهمّ: مجرّد قشرة موز، أو بركة ماء عند أعلى السلّم، لتقضي عليهما.

هناك طائر بنفسجي اللون يرفرف في الأفق، يقترب بسرعة هائلة. كتلة بنفسجية من الريش المنفوش، المبتلّ. يقترب أكثر فأكثر. لأ. بل إنه الدم بدأ يتسرّب الى مقلتيّ، متشعّباً بشيء من البطء. يجب أن أنهض.

أما من شاهد عيان؟

- "بلى."

قاله ضابط الشرطة، مشيراً بسبّابته الطويلة الى دفتر مفعم بالأوراق، وهو لا بدّ يحتوي على محضر أو شيء من هذا القبيل.

- "لحسن حظك، لقد تم ارتكاب جريمة السرقة في عزّ النهار، وبما أنك كنت واقفاً عند تلك النقطة من الكورنيش، في ذلك الوقت من النهار، فبالطبع كان هناك مئة نفر على الأقل شاهدوا ما حدث لك. ماتخافش يابني. كل شيء على ما يرام. السيّدة نادية أمرها معروف، خبرها مفضوح، والتحقيقات جارية الآن مع المواطن المدعوّ وائل لاظوغلي..."

- "وائل..."

-" لاظوغلي. نعم. اسم غريب لإنسان غريب، لا أظنّك سمعت عنه قبل كده."

عندئذ أطلق الضابط كحّة واهنة، أعقبها بضحكة مريبة اهتزّت لها أطراف شفتيه. تحرّك شيء ما بداخلي، كأنما غدّة لزجة انزلقت الى ما بين ضلعتين، أو مادّة هلاميّة تكلّست ما بين درفتيْ شبّاك. تك، قب. هبطت فراشة زاهية الألوان على قدمي الحافية، دغدغت أعصابي كأنما تقول: انفد بجلدك!

وأقول بكل صراحة، أنني لست من ذلك النوع من الرجال الذين ينصاعون في العادة الى أوامر فراشة قد كده، مهما تنوّعت ألوانها وتألّقت. لكن هذه الحشرة معها حقّ.

يا عاقد حاجبيه، يا من اشتدّ به اللبس والارتباك:

[نواصل فيما بعد!]

21 فبراير 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الأولى

غرضه الهجاء: الخطوة الأولى

نُقل عن العرّافين والعرّافات من الأسلاف، أن الزمن ما هو إلا ركلات متلاحقة من الجزمة، الى جانب كونه رقصات متتالية من الثمل والانتشاء. لذا كانت هذه الخطوات.

---

الشمس في أوجها، تهدئها قليلاً أنفاس البحر، المحمّلة بعطر اليود.

نزلت السيدة نادية من شقتها الواقعة في الدور الرابع عشر من عمارة رقم 2، وهي تحمل في حضنها كلباً صغيراً يسمّونه "لولو". لا تستخفّوا بهذا الكلب وبشأنه، اذ عضّته مؤلمة، وقبضته مبرحة مجرحة، ولقد احترف منذ عدّة سنوات ما يُعرف بالسرقة، والنهب، والتشليح. أي باختصار: شغل الحرامية. والسيّدة نادية معه في ذلك متورطة على الدوام. فهذا شأنهما.

كنت مارّاً في شارع الكورنيش، بحيّ لوران، في نفس الوقت الذي تنزل فيه السيدة نادية من شقتها... وإن لم أكن على علم بذلك، لسوء الحظ . وهذه هي عادتي، في مثل هذا الوقت في مثل هذا اليوم من الشهر، أن أركب فيسبة الى البحر، ثم أترجّل منها وأكمل مشواري مشياً على الأقدام. كل هذا، قلت في نفسي، حفاظاً على سلامة القدمين، مواظباً على صحّتهما، خشية أن يدركهما شيء من الملل والركود. أو هكذا أدّعي.

على كل حال، يجب بنا أن نعود ونتذكّر السيدة نادية، لأنها في هذا الوقت، حالياً، تنزل من شقتها الواقعة في الدور الرابع من عمارة رقم 2. وبين يديها: ذاك الكلب العظيم. ويجب أن ننتبه الى شيء آخر، وهو سلسلة تتدلّى من عنق الكلب الذي يسمّونه "لولو". عند إمعان النظر أكثر، سنرى أن هذه السلسلة إنما هي سلك نُظمت فيه أربعة حروف، أربعة حروف فقط لا أكثر ولا أقل:

لام واو لام واو.

ويجدر بنا أن نسجّل هذه السلسلة في الذاكرة بعناية، إذ ذكرها سيكون مهماً لنا فيما بعد.

خرجت السيدة نادية وكلبها الصغير من الأسانسير، وهي جاهزة لأن تكون سيدة الموقف بمعنى الكلمة. تتبّعها العيون الجاحظة (هل هي عيون البوّاب؟ عيون الجيران؟ لا أحد يعرف، لا أحد يستطيع أن يجزم).. المهم، أحدث قبقابها صوتاً واضحاً على البلاط لا يشك فيه أحد، بل جفل له أكثر من فرد. تك، قب، تك، قب.

تك.

هذه مشية أنثوية بارعة لا تجيدها سواها، مشية كلها خطوات واثقة من نفسها، مستعدّة لأن تدهس جيشاً من النمل في أي لحظة. بل لقد دهست فعلاً العديد من النمل البريء في مرورها هذا على مرّ السنين، قبائل بأكملها أبيدت بهذه الطريقة، كبار وصغار لقوا حتفهم في ظروف اعتباطية هكذا، أكنّهم مالهمش دية..

قب.

مشية أقرب ما تكون الى اتفاقية عُقدت ما بين القبقاب والأرض، حالة تطبيع فُرضت على كلتا الطرفين وأنفهما صاغرة. ظلّت الصداقة متوترة بين هذه وتلك لردحٍ من الزمن، الى أن نال منها شيء من التحجّر واللاعودة. هكذا تسير الأمور، هكذا تسير السيّدة نادية..

قب..

تتوقف بغتة عند مدخل العمارة، تنظر شذراً نحو استوديو المصوّر الى الجانب. المصوّر اسمه وائل لاظوغلي. اسم غريب لإنسان غريب، تمّ التحقيق معه حديثاً ضمن سلسلة من الاعتقالات جرت مؤخراً في قضية اغتصاب بنت سكندرانية جميلة "زي القمر" عمرها تمنتاشر سنة. وهي بنت الباشا صاحب هذه العمارة. وهذه ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها التحقيق معه في أمر من هذه الأمور.

يطلق الكلب الصغير نباحاً مقتضباً، وهذا إشارة أن يهمّا بالانطلاق.

فينطلقان لا يلويان على شيء، يتجاوزان الشارعين الفاصلين بينهما وبين البحر في أقل من دقيقتين، تمرّ أهوية البحر بين طوايا فستانها الأحمر المسترسل، تقفز السيدة نادية خطوتين، تحقّق شقلباظاً كاملاً الى الأمام، لكن بلباقة، وانسيابية، لا تلفت الانتباه ولا تسترعي الالتفات: طرقعة موسيقار محترف على أوتار قيثارة، تصعّد حركات التانجو: وتراً، وتراً.

رأيتهما يأتيان من بعيد. التمعت تلك السلسلة الذهبية في عزّ النهار الساطع، طغت على ملامح الحيوان المدردح، هالة من النور الخالص تحيط برأسه، تحبس الأنفاس..

[نواصل فيما بعد!]

29 يناير 2010

محطّات النموّ الإنساني الشريف

محطّات النموّ الإنساني الشريف

لقد صدف وعاش الإنسان على الأرض من السنين ما يقارب العشرة آلاف، حقّق خلالها عدّة إنجازات، كما أنه أتمّ بضعة معجزات، من أهمّها:

1) اكتشاف النار
2) اختراع العجلة وأخواتها
3) إقامة الولائم وإنشاء الأخلاقيات
4) ركوب الفيسبة
5) انتخاب الرئيس خوسيه لويس رودريجيث ثباتيرو
6) مقاومة الحرب على العراق
7) ثم أخيراً و ليس آخراً، ممارسة الانحطاط وكل ما يرادفه من ألوان الهبوط والفسق والعري والانحراف.

قد يشكّ ال
بعض في أهمية هذه الأحداث السبع، التي ميّزتُها أنا دون غيرها من محطات النمو الإنساني الشريف، إلا أني أعتقد أنني لم أخطئ كثير إخطاء في الحسبان. وكما ترون، فإن من أهم المحطات الشريفة هذه ارتكاب الكبائر، واقتراف الموبقات، وتجاوز الحدود، والتخلّي بالتالي عن النقطة الثالثة، إذ هذا ينافي ذاك. وأعتقد أني لا أخطئ أيضاً في اعتباري الرواية السعودية المعاصرة من العناصر الجوهرية في ترسيخ النقطة السابعة، بل إنها يا إخوانها في مقدمة المروّجين للتهتّك والفجور والدنيء من الشؤون والأمور، ولها في ذلك دور ريادي.

واختياري هذا ليس تحيّزاً مني تجاه السعودية بشكل عام والرواية السعودية الحديثة بشكل خاص، إلا أن هذا النوع الأدبي المذكور لقد أثبت وحقق لنفسه هذا الشرف.

غازي القصيبي، تركي الحمد، رجاء الصانع، حنان الشيخ (والأخيرة ليست سعودية بالطبع، إلا أنها من ضمن الذين شاركوا في تصعيد الخطاب الاستسعادي - من سعودي - في الآونة الأخيرة، الأمر الذي يتبيّنه بوضوح المطّلع على روايتها الخاطئة "مسك الغزال"): هؤلاء الذين بقلوبهم مرض اذا خلوا الى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون.. الله يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون! (حلوة يعمهون دي!)

وإننا لنشكرهم هذه الخطوة الحميدة، اذ بها يخطو الإنسان عدّة خطوات الى الأمام، هذا في الوقت الذي بدأ يراودنا الشكّ في أمريْ التقدّم والارتقاء، وتوجّه التاريخ نحو ما هو أفضل، وأنور، وأرسخ إثارةً وأشدّ فتنةً. وهي خطوة تساعدنا على إرهاف حساسيتنا التي قد نال منها شيء من الخفوت والجفاف، فنرجعها الى سابق عهدها ببريقها ولمعانها المشرقيْن.

لكن يجب ألا يغرّنا حماسنا وانتصارنا، فيشرد بالنا ونسرح عن لبّ القضية.. بل يجب أن نتوقّف ونجيب على السؤال الوجودي الكبير، الملحّ. وهذا السؤال بالطبع ليس "كيف" أو "متى" أو "الى أين"، إنما هو، بالطبع أيضاً: لماذا؟ أيْ لماذا السعودية بالذات؟

كي أجيب على هذا السؤال، يجب أن أعود بالذاكرة الى حفلة صاخبة جمعت بيني وبين الليدي جعجع، والليدي مادونا، بالإضافة الى صبا الحرز، التي رقدت صامتة، متدثّرة بغلافيها، على الرفّ. بدأت الليدي جعجع تخاطبنا عن وجه البوكر الذي كثيراً ما تتنكّر به أمام الرجال وغير الرجال، بغية أن تخدعهم فيخضعوا لها ساجدين. وهذه حيلة تجيدها: لا تضع مساحيق، لا تستخدم الروج، لا تتورط في عمليات الشدّ والصبغ، إنما تتحكم في تقاسيم وجهها بعقل وبهدوء، وبذلك تكتسب الغنائم. كل هذا في الوقت الذي فلّست فيه شمس الشموس، الشحرورة الفرفورة صباح. بالطبع.

الحقيقة أنني حسدتها - أي الليدي جعجع - قليلاً، اذ أنها تبلغ من الجمال ما يغنيها عن تطبيق الكحل حول الجفنين، في حين أني أضطر أحياناً الى استعماله أوقات الخلاعة والتغنّج. لكنه ليس اضطراراً كبيراً.

وقتها ذكرت الأستاذ الراحل إرفينغ جوفمان، وهو صاحب رؤية مختلفة للوجه وما هو. فإنّ الأستاذ جوفمان لا يركّز على الأبعاد الجمالية، والبوكرية، للوجه بقدر ما ينظر الى أبعاده اللغوية والاجتماعية. الوجه شيء مقدّس، يسعى الجميع وراء الحفاظ عليه: ليس وجوههم هم، بل وجه الفرد المتكلّم. فإذا قال ما يوحي بأنه عبيط، أو تافه، أو اذا قعد ساكتاً لا يصدر عنه صوت، فبذلك يسقط عنه الوجه كأنما أكلتْ فيه مجموعة من الجراثيم: عدوى يخشاها جميع الحاضرين، يتملّكهم الرعب والارتباك، فيسرعون الى ممارسة طقوسهم المعتادة على سبيل الشعوذة والعلاج. وايش جاب لجاب؟


الشيء بالشيء يُذكر، ولا يحكم بالضرورة أن يكون لهذا علاقة بذاك، فإنْ تركت المسألة السعودية فلا ضؤولة في ذلك.

تحديث: إنّ الراغب في معرفة المزيد عن رجاء الصانع خاصةً، وعن تيّارها الفكري المنفرد والمتدفّق عامةً، عليه بعدّة مقالات بقلم العلّامة العظيمة، ذات الآفاق الواسعة والمعرفة الشاسعة، المترسّخة الثابتة في علمها كما في حلمها، الأستاذة العزيزة منيرة الغدير. وأخصّ بالذكر مقالة صدرت لها من عدة سنوات بعنوان: " كتب الوراور والمزز: وهي غير كتب الجواري والمحظيات " فإنّ المقبل على هذه المقالة ليجد فيها قضاء وطره وبلاغ رشده بإذن الله.

10 ديسمبر 2009

عن الشاي الذي لا أشربه، إذ أنني أفضل القازوزة

عن الشاي الذي لا أشربه، إذ أنني أفضل القازوزة

هذه كذبة. وما يلي ليس سوى تيّار متدفّق من الأكاذيب أطلقها من أجل المتعة، وحدها المتعة.

حسناً. ثبّتّ البرنيطة على رأسي بإحكام، حتى لا تطير به الرياح الخفيفة، ثم واصلت السير مشياً على الأقدام: ركوب الأوتوبيس غير محبّذ في هذا الوقت، ولم أكن أحفظ جدول تحرّكاته على كل حال. أما الفيسبة فليست سوى حلم من الأحلام.

بغتة التمعت في ذهني فكرة هابطة:

زجاجة بورت تتوسّط الغرفة، تدور وتندلع بعطايا ربانية لا تربط الى النهار بصلة.

وهذا ما لن يتوقّعه ليندزي أبداً، فالمؤكّد أن باله مشغول بأفكار أخرى، أقل طموحاً، وأقل .. هبوطاً. يقبع ليندزي الآن في شقّته التي تبدو وكأنها كانت تعيش حياتها السابقة غرفة من غرف فندق رخيص على منحنى الطريق. شقة لا يمكن تمييزها بين عشرات الشقق المتشابهة، مصطفّة بانتظام بارد على عمارة ذات طابقين. الغرض، مشهد لا يبعث على الأفكار الطموحة، ولا الهابطة.

لهذا يجهل ليندزي أن البورت – ورغم أنها ليست سوى لعبة ممتعة – إلا أنها لها قوانينها الخاصة التي يجب مراعاتها، وأخذها بعين الحكمة والاعتبار، قوانين توارثتها الأجيال أباً عن جدّ منذ أن قدمت الشركات البريطانية الى البرتغال لأوّل مرة، فعاثوا في الأرض فساداً واغتصبوا السيدات ولاطوا في الرجال إلا أنهم ارتاحوا في الآخر الى كنز فريد ذي لون أحمر داكن.

فإنك اذا حالفك الحظ ووجدت نفسك في سهرة تتوسطها البورت، يجب أن تعلم ما يلي.

أولا، اوعى يا شاطر تصبّ لنفسك كأساً من البورت. من اللازم أن تتم هذه العملية – طبقاً للأصول – بالغمز واللمز وأنت تقول:

" تخيّلوا أيها الأحبّاء أني كنت في يوم من الأيام مدعوّ الى حفلة حضرها أهل الذوق والأخلاق، إلا أنه سرعان ما سقط عنهم الحجاب، وأميط عنهم اللثام، اذ ما من أحد تفضّل وصبّ لي كأساً من تلك البورت العصماء"

ثم اعلم أن البورت لا تُشرب إلا والليل معتكر أو به رذاذ خفيف، وفي نهاية السهرة يعلن من بمقامة المضيف: " نخب الملكة عاشت وتحيا !" فتأخذه نوبة من الحماس ويندفع قافزاً من الشبّاك.

إنا لله وإنا اليه راجعون.

بالطبع، يجهل ليندزي كل هذا، إلا أنه يجب أن يتعلّم وإلا ضاع. لذلك اشتريت الزجاجة المنشودة، وقدّمتها اليه عند وصولي الى مسكنه.

"امسك" قلت.

"يا سلام" قال، "لكن اتفضّل انت الأول"

رددت بصرامة: "لأ. مشربش البورت. إني أشرب القازوزة فقط"

تعرفت على المدعوّة دينا، بتشتغل في صحيفة الحوادث. قالتلي انها عايشة لوحدها، بس ايه، عندها كلب قد كده (وجعلت ترقص يمنة ويسرة مما يدل على حجم هذا الكلب، في ما أظن).

حدث ذات يوم أني اجتاحتني وعكة صحية، فالتزمت الفراش. قالت دينا: اشرب زنجبيل، هيخليك زي الفل. حاضر يا ستي، يا ست الكل، جعلتُ أنا فداك.

إلا أنني شربت القازوزة.

قال لي فتحي أن أباه مكلّف بمهمّة فريدة: النزول الى القاهرة الكبرى والإتيان بكلية مثلّجة، ثم سيعود بها الى الاسكندرية. وما أدراك ما الكلية. إنها تركيبة بشعة من الخلايا والغدد، تفرز ما تفرز من منكور ومكروه وسوائل مطهّرة.

لكنني لا أشرب سوائل الكلية.

قام السيّد خايمي نولارت وتفرّس في وجهي:

" إني لا أفهمك. لقد دنت الساعة منتصف الليل، وها أنت لا تطلب سوى كباية ساخنة من الشاي. بصّ يابني. لا يأتي هنا إلا نوعان: النوع الذي يشرب الكونياك، والنوع الذي يشرب الموز باللبن. فقل لي من فضلك: أيهما أنت."

قمت أنا الآخر، فقلت ملوّحاً بيدي بطريقة بهلوانية:

"قطيعة! مشربش غير الشاي ومن أوهمك بغير ذلك فإنه واهم واهم واهم.."

29 نوفمبر 2009

كوكتيل المنفلوطي

كوكتيل المنفلوطي

أنزل مترو الأنفاق وكل طموحي أن أتجه شرقاً.

أركب الخط الأخضر قاصداً الخط البرتقالي.

" أيها السادة الركّاب، لقد تأخرت القاطرة نظراً لأعمال فرق المطافئ المدنية"

أركب الخط الأزرق قاصداً الخط الأحمر، وذلك من أجل الوصول الى البرتقالي من ناحية أخرى.

" أيها السادة الركاب، لقد تأخرت القاطرة نظراً لأعمال فرق المطافئ المدنية"

أقف محملقاً في النفق الفارغ، وقد بدأتْ تتبلور في ذهني الخطوط الواضحة لأزمة وجودية كبرى. كل الطرق أمامي مسدودة، أمّا فكرة التراجع فمن رابع المستحيلات.

طب والعمل ياخوانا!

في هذه الظروف، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، حين تمتزج حمى الغضب بفوران الثورة، وتزخر أنهار الدم من عروقها الزرقاء، ما من حلّ سوى كوكتيل المنفلوطي.

ما هو كوكتيل المنفلوطي، يا ترى؟ - إنه سلاح ولا كوكتيل مولوتوف ذات نفسه! وله قصة شرحها يطول.

يُحكى أيها الناس أن السيد مصطفى لطفي المنفلوطي كان أيام العزّ " يترجم " الى اللغة العربية روايات وقصصاً لبعض كبار مؤلّفي أوروبا. وكان السيّد المنفلوطي نفسه يقول عن هذه الترجمات:

" إن عملية الترجمة، في المعتاد، أقرب ما يكون الى الرجم، أي رجم الشيطان. ومن هذا المنطلق، تكون ترجمة نصّ ما عبارة عن الحدّ من القوى الشيطانية، وحصرها بل وتقييدها في صوت واحد هو صوت الواحد الأحد. لكن ما أقوم به أنا مختلف كل الاختلاف عن ذلك. اذ أننا باعتقادي لن نوفَّق في قراءة الآخر إلا اذا أدركنا أنه ليس آخر واحد بل آخرون متعدّدون ..."

وهنا ينقطع النصّ، فيبدو أن السيد المنفلوطي عندئذ قد اقتحمت منزله قوات الأمن، ظنّاً منهم أنه كافر حقير يعبد إبليس دون الإله العلي العظيم – الذي تجسّد آنذاك في الملك فؤاد – فأحرقوا ما بحوزته من مؤلّفات ولم تتبقَّ سوى هذه الورقة بكلماتها الواعدة المتشظية..

لكن المنفلوطي بشطارته قد احتال على الدهر الغادر وتمكّن من توصيل بدعته الأهم الينا، فإن الواحد منا اذا قلب الورقة المذكورة على ظهرها سيجد مخربشات ملتوية تحتوي على " التوصيفات الصحيحة والتعليمات المريحة في ركوب مركب النوتي وإعداد كوكتيل المنفلوطي ".

وقد ابتكر هذا الكوكتيل، في نظري، كي يصدّ لما كان يتولّد وقتها من أسياخ غليظة وقوالب حديدية، تلوّت ثم تجمّدت فتجلّى من خلالها بناء هائل ألا وهو الرواية العربية الحديثة. فكان هيكل، وكان محفوظ. ثم ما تلاهما من روائيين جدد. لكن بقي القلب واحداً: الرواية المتّحدة، المتكاملة، ملكة الخطاب الحداثي المتوّج. نظام معرفي اونتولوجي قائم بنفسه. بل إنها الاونتولوجية ذاتها: لا تُلفظ كلمة، لا يبدر صوت، لا يحدث حادث ولا تقع واقعة، إلا وننسبها في الآخر الى صفحات الرواية المعدودة، المنشورة، التي يكسوها غلاف ذو اسم وعنوان وحقوق فكرية.

وقد أبصر المنفلوطي بفطنته الفريدة الى أن هذا البناء المتين، ورغم هجومات المفككين والقرّاء الأحرار، إلا أنه قائم لا محال، غير آيل للسقوط، ولن ينهار ولو انقضّ عليه ألف جرّافة. فإن الرواية قد وجدت من يحميها، ويسبّح لها، في دهاليز جامعات العالم المتطوّر، وغير المتطوّر.

في هذه الظروف، في هذا الساعة المتأخّرة من الليل، حين تمتزج حمى الغضب بفوران الثورة، وتزخر أنهار الدم من عروقها الزرقاء، ما من حلّ سوى كوكتيل المنفلوطي.

دسست يدي في جيب المعطف الثقيل، فأخرجت زجاجة ذات إشعاع أحمر مبين.

رميتها بكامل قواي على السقف.

انفجرت بغتة عدّة ثقوب صغيرة، توسّعت فتمازجت، انبثق منها النور. ومن كل ثقب طوق نجاة: هذا حصان، وهذه دابّة البرّاق، أما هذا فأسانسير ألماني أصيل. وغيرهم. باختصار: أمامي الآن أكثر من وسيلة نقل.

وبينما أنا أقف متردّداً، متريّثاً فيما عساني أركب والى أين أتجه، إذ انقضّت عليّ مفرزة من الشرطة فطرحوني على الأرض وأخذوا يبولون عليّ وعلى بقايا نيران الكوكتيل.