31 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة التاسعة

غرضه الهجاء: الخطوة التاسعة

قام عم سحتوت مطرقعاً إصبعيه وهو يستهلّ حديثه المطوّل:

وحّد الله. ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام. كان فيه واحد ملوش تاني، قال يضرب العشرة عشان يجيب حتّة عيّل، أصل الراجل دا ما كانش متجوّز حاكم أيامها الستات لسه ما اتخلقوش.. المهم، جاب ولد سمّاه جو بالجيم غير المعطّش،وبعدين جاب بنت فسمّاها شيكة. وتعاقبت الأيام ومرّت السنين، فنتأ للبنت نهدان ممتلئان وطال شعرها، أمّا الولد فأطلق قضيبه واكتمل جسده. فما كان من الرجل إلا وجوّزهما على سنّة الله ورسوله، علشان مايبقوش عايشين في الحرام والبتاع. وذات ليل معتكر وهم يتسامرون يعربدون، إذْ تسلّل الى مجلسهم بورص قال لهم: أيها المؤمنين. أيها الأصدقاء. أنا عندي في الشنطة كمترى أحبّ أتخلّص منه. أرجوكم خذوا هذا الكمترى وكلوا منه وأكون أنا من الشاكرين. فما كان من الرجل الوالد إلا أن ضحك ضحكة رنّانة استخفافاً بالبورص وبشأنه، ففعصه بجزمته ثم شواه عالنار وشارك الجميع في أكل البورص المنحوس. خلاصة القول إن الولد والبنت لمّا مات الوالد بعد ذلك بعدّة سنين قالوا: فلننشئ أمّة عظيمة، وتكون أساسها هذه المدينة. وهكذا تأسست مدينتا الفاضلة، شيكة - جو أيْ شيكاجو كما نعرفها اليوم. وهي بمثابة الجنة لكن مش هتلاقوا فيها ولا بورص ولا كمترى، ودا العيب الوحيد فيها. أمّا حكاية البصل والمستنقع والهنود الحمر فلا تصدّقها فما هي سوى ضرب من التزوير والبهتان..

[وهنا قام عم سحتوت مرّة أخرى رافعاً البرنيطة عن رأسه، وكأنه سيستخرج منها أرنباً أو عصفوراً أو نحو ذلك، إلا أنه لم يكن ثمّة شيئاً ، فابتسم بمكر واستطرد قائلاً:]

لكن كلّ هذا على سبيل التقديم، ثمّ أنت سألتني عن السيّدة نادية تلك فاعرف أيها الأخ أن هذه الولية لها قصّة شرحها يطول..

[وقفت مشدوهاً وأنا أرى عم سحتوت متنطّطاً حول عربته بلباقة بهلوان محترف، وهو يحكي لي ما يلي:]

بلغني أيها المواطن السعيد، أن مدينتنا الفاضلة قد اُبتليت ثلاث مرّات بغضب الغاضب سبحانه وتعالى، ففي المرّة الأولى أنزل علينا تلك البقرة الرعناء التي سبّبت في الحريق الأعظم، الذي راح ضحيته ناس ياما، ثم طفحت المجاري من تلقاء نفسها فأطفأت النيران لكنها غرقت شوارع مدينتنا بالسوائل النتنة والروائح الكريهة، فأصيب عدد لا بأس به من الأهالي بأمراض لا تُعالج سوى برشّ الملح وهزّ المباخر.. أمّا المرّة الثانية فقد أنزل الله عزّ وجلّ تلك المعزة التي قضت على فريق البيسبول الشجاع، فكان الذي يئس وكان الذي تأفّف وتذمّر. ولم تنجو المدينة من هذه البلوة الثانية إلا بجدعنة الأهالي وقوّة عزيمتهم وثقة خطواتهم.. ولمّا كانت هاتان البلوتان قد أتتا على يد حيوانين اثنين الأول بقرة والثاني معزة، فكان من الطبيعي أن تأتي البلوة الثالثة على يد حيوان أقوى بأساً وأشدّ فتنة ، ألا وهو...

[وهنا قمت ضارباً كفاً على كفّ فعرفتُ الجواب وهتفتُ تقزّزاً]: لام واو لام واو..

نِعم الرأي يابني، نِعم الرأي. هذا هو الحيوان الثالث، ذلك الكلب العظيم، الذي يتكّون اسمه من اربعة حروف، اربعة حروف فقط لا أكثر ولا أقل. فلقد أنزله علينا ربّ السموات غضباً علينا لسبب لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأيّ شرّ يعدّه لنا هذا الكلب، وأي ويلات يضمرها لنا.. أعوذ بالله وبه نستعين..

[صمت عم سحتوت برهة، لكنه ما عتّم أن عاد الى تنطّطه وتمثيله البارع]:

خلاصة القول يا بنيّ، أن هذا الكلب العظيم، الحيوان المدردح، لم يأتِ سوى ليعيث في الأرض فساداً، أمّا تفاصيل البلوة الآتية التي سيأتي بها علينا، فهي تفاصيل أجهلها جهلاً تامّاً.. المؤكّد، على كل حال، أنه منذ ظهوره في أرضنا الطيّبة فلقد نجحت السيّدة نادية، وهي من أقوى زعماء المافيا في مدينتنا، في ترويض هذا الكلب لأغراضها الخاصة..

[وهنا قاطعت عم سحتوت، فلقد سايرته بما فيه الكفاية إلا أنني وددت أن أفنّد بعض ما قاله فقلت:]

حسناً يا عم سحتوت. حسناً. لكني سمعت رواية غير روايتك للأمور، جاء فيها تفاصيل تخالف ما قلت عن ذلك الكلب وتلك السيّدة التي تدعى نادية. اذ أنّ هناك من يقول أن هذا الكلب لا علاقة له بربّ السموات ولا للبلاوى الثلاثة التي سبق وذكرتها، إنما هو كلب عادي نشأ وترعرع مع السيّدة نادية ذات نفسها في معهد سويسري لفنون السرقة والتشليح، عمره يناهز عمرها، والإثنان هاجرا الى مدينتنا الفاضلة منذ عشرة سنوات على وجه التقريب، وذلك من أجل سدّ الفراغ الذي ظهر آنذاك في قيادات المافيا العليا.. فسدّاه سدّاً عنيفاً..

[كفّ عم سحتوت عن تنطّطه واكتفى بهزّ رأسي موافقاً ثم قال]:

نعم. لقد سمعتُ هذه الرواية أيضاً، وقد لا تقلّ تشويقاً عن الرواية التي سبق وذكرتها لك. لكنّه يجب عليك الآن أن تكتشف أيهما الأصحّ، فتميّز الصدق عن الكذب، والصواب عن الخطأ، والحقّ عن الباطل..

أظنّك ستجد ما يساعدك في هذه المهمّة في الطوابق السفلى للمكتبة الهائلة التي نتظلّل تحتها حالياً. ... [ران الصمت برهة وجيزة، ثم استطرد قائلاً] نعم. مرادك ستلقاه في تلك المكتبة بمتاهاتها الخرافية، هذا أؤكّده لك بكلّ ثقة. لكن.. نصيحتي وحدها لن تضمن لك النجاح. بل إنك ستحتاج الى هذا أيضاً..

التفت عم سحتوت، مال بجسده على عربته المذكورة، مدّ يده بحركة ميكانيكية، سمعت إثرها اصطكاكاً معدنياً، عاد والتفت اليّ مبرزاً عكّازاً خشبياً قد حُفر فيه أربع حروف، أربع حروف فقط لا أكثر ولا أقل..

[نواصل فيما بعد!]

27 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثامنة

غرضه الهجاء: الخطوة الثامنة

قرص الشمس يتبجّح في كبد السماء، غمامة بيضاء تلتفّ حول بجعة بيضاء هي الأخرى، تأكلها وتمرّ، وأنا أمشي الهويدى على الرصيف في ظلّ مكتبة هارولد وشنطن. الشوارع شبه مقفرة، إلا أن ثمّة طنيناً مرحاً يتصاعد من حفلة جاز بعيدة، يتناهى الى أذنيّ.

أطلق صفيراً خفيفاً، يكاد لا يُلحظ، بينما أتذوّق وأستعذب بقايا القهوة على لساني.

وإذا بشيء لزج، رذاذ خفيف يتساقط على قبّعتي. يستبدّ بي الفضول، فآخذ أتحسّسه بيدي وأعرف أنّه مادّة رغوية حامضة، كأنها صابون قويّ..

أخلع القبّعة في الحال فأرميها بعيداً وهي تشتعل ناراً. تصطدم بعامود نور فتنفجر مرّة واحدة مخلّفة وراءها قطع قماش محروقة تتطاير في الهواء. أضع قبّعة ثانية، أحتفظ بها على الدوام لمثل هذه الظروف المباغتة، وأتطلّع الى أعلى:

غرغول أخضر صدئ، يتفصّد الزبد من فمه، يجلس فوق سطوح المكتبة الشاهقة.

هذا المبنى المهيب يصعب تجاهله. يمتدّ عشرين طابقاً الى أعلى، بالإضافة الى ثلاثة وخمسين طابقاً تحت الأرض. قليلٌ مَن سوّلت له نفسه بسبر أغواره وكشف أعماقه، التي يروى عنها أنها عبارة عن متاهات لولبية ومغارات حلزونية، حجرات سرّية قد لا تتّصل بعضها ببعض، سلالم من حديد ومصاعد من خشب قديم، يتآكل عند الأطراف..

لكنّ هناك من يتساءل: لماذا احترقت القبّعة، بينما يدك اليمنى التي تحسّستْها لم تحترق؟

فاطمئنّوا أن سرّ ذلك قد يكمن في مكوّنات تلك المادّة الرغوية اللزجة، التي بخّها عليّ ذلك الغرغول الأخضر. وهو الأمر الذي يقتضي بالطبع إجراء بعض التحليلات الكيميائية، إلا أننا مضطرون لتأجيل ذلك الى حين العثور على معمل علميّ معتمد. فلنضع الفضول جانباً، ولنكتفي بالنصرة الصغيرة التي حقّقناها ههنا. فالحقيقة أن هذه القصّة كادت أن تتكسّر وتزول، كادت أن تذوب نهائياً تحت وطأة السريالية المفرطة، والأوزان المثقلة.. أقول (كادت)، لأنّك عندما ترى قبّعتك تتأجّج، عندما ترى قبّعتك تولّع وتحترق لهباً، عندها، عندها فقط، ستدرك خطورة الأمر، وجدّيّة الموقف لا محال..

لذا عزوت الأمر كلّه الى مهابة المبنى وألغازه، وكمّلت مشواري.

لمحتُ رجلاً عجوزاً يجرّ عربة متواضعة، عليها أصناف متنوعة من البوية والزيوت. وعرفته في الحال: هذا عم سحتوت، ماسح الأحذية، ومع ذلك فهو يقضي معظم الوقت في تلميع الأكر، وبيع الأسرار. أنت تمدّه بدرهم محترم، وهو يمدّك بمعلومتين مفيدتين. تعطيه مليماً أحمر، يعطيك قصة حمراء من اللي هي، وهكذا.. عم سحتوت ورغم اسمه طلق المحيّا، مدمج الخلق وإن كان هذا لا يمنع أنه أحياناً كثيرة يستقبلك بوجه كشر. أنا أعرف عم سحتوت منذ نعومة أظافري، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق هذه الناصية جنب مكتبة هارولد وشنطن، يتكلّم ويرغي ويفتي، ويجمع خلالها ثروة معتبرة. لماذا لم يتقاعد، لماذا لم يترك العمل، فهذا سرّه الأبدي، لا يبيعه لأحد.

أتذكّر مرّة كنت أجلس فيها مع عم سحتوت، وأنا ابن الأربع سنين أو أكثر قليلاً. كان عنده طقم من الكراسي اعتاد أن يرصّها على شكل دائرة حول عربته عند الناصية. رغبتُ فجأة في العودة الى البيت، فأخذت معي الكرسي الذي كنت أجلس فيه. عندها، عاتبني عم سحتوت وهو يصيح:

- دي بتاعتك علشان تشيلها؟ دي بتاعت ربّ السما..

احترت فيما أقول، فتركت الكرسي بما عليه - ولم يكن عليه شيء - ولذتُ بالفرار. في هذا العمر المبكّر، لا يكون للطفل - ولداً كان أو بنت - معرفة عميقة بالألاعيب اللغوية. ما يفهمه هو الحركة، والوجه، الى جانب الصوت الخالي من أي تجريد أو التواء. لذا لم أفقه مراده، ولم أستوعب مقصوده، وكانت ردة فعلي الطبيعية أن أجري بعيداً، بينما أسمع عم سحتوت وقد صدرت عنه ضحكة رنّانة، اهتزّت لها العربة بما عليها.

المهمّ، ناديت على عم سحتوت وأنا ألوّح بيديّ الاثنتين، فقد ارتسمت على وجهه علامات الرحابة والاستقبال، وبدا كأنّه يتوقّع قدومي في مثل هذا الوقت. يجب أن أصارحكم أنني لم أزره منذ زمن طويل، وذلك لأكثر من سبب. أوّلاً وكما هو معروف، لقد قضيت الشهور الماضية القليلة في غرفة مغلقة الشبابيك مقفلة الأبواب، تفصلني عن العالم حيطان من خشب أو قرميد أو خرسان ونحو ذلك. ثانياً فلقد بلغني في الأونة الأخيرة بعض ما تناقلته الألسنة وتبادلته الأفواه، ومفاد ذلك أن هذا الرجل قد ضُبط مؤخّراً وهو يتاجر بالعقاقير غير المشروعة. ومع أنني لم أكن أصدّق هذه الإشاعات طبعاً، إلا أنني لم يكن ينقصني كلام الناس اذا ما أكثرت من التردّد عليه.

- عامل ايه يا عم سحتوت [ضمّني الى صدره وربت على كتفي]

- مليح والله، مليح ..

صمتّ لحظة، تردّدت مليّاً قبل أن أفاتحه في الموضوع الخطير:

- بقولك يا عم سحتوت.. ماذا تعرف عن السيّدة نادية تلك؟

- [اكفهرّ وجهه بغتة، إلا أنه سرعان ما استرجع هندامه فافترّ ثغره عن ابتسامة واسعة وهو يقول:] استريّح يابني، استريّح.

فجلست، ثم مدّني بسيجارة وبدأ يتحدّث..


[نواصل فيما بعد!]

13 مايو 2010

وقفة ضرورية على الجمل الأزرق وبعض ما نتف من وبره

وقفة ضرورية على الجمل الأزرق وبعض ما نُتِفَ من وبره

يحلو لي بين الحين والآخر أن أتعرّض لبعض مخلوقات الله المنسية، بعض الكائنات الخرافية وغير الخرافية التي قد تمّ إهمالها وإغفالها لأسباب غير واضحة، وغير مقنعة بالمرّة. فمن هذه الحجج التي صادفتُها، والتي اعتلّ بها بعض أهل الخجل والإنكار:

أ) هذه المخلوقات خرافية، ولذا لا جدوى يُنشد من ذكرها

ب) لقد انقرضت طائفة منها، أما الطائفة الأخرى فلقد تطوّرت وتحوّلت الى أنواع أبهر وأنفع

ج) لا يكون ذكرها سوى ضرب من السحر الأسود، أو النفث في العقد، وذلك مما لا يحمد عقباه

د) بسّ يا عم ما عدتش فاهم اي حاجة تقولها

إلا أنه يسرّني أيما إسرار أن أتجوّل برفقتكم في هذه الحديقة الغنّاءة * المكتظّة ببعض ما زمجر ودمدم * وبعض ما يندّ عنه الثغاء * وبعض ما يندّ عنه الرغاء والمواء والهراء * فلنصيخ السمع، ونرهف الحواسّ * علّنا ندرك بعض ما تولّد من الجِنّة والرِنّة والناس

فلنذكر أمر العدار ونقول (أمّا العدار) فهو كما ذكر المسعودي في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر):


يعني ايه (يتدوّد دبره) يعني يجيله الدود في طيزه يا معفّن يا مسعودي الله يقرفك. لكن ما سقط عن هذا النصّ هو أن العدار لا تقتصر مظانّه على صعيد مصر واليمن السعيد فحسب بل تمتدّ الى حواري وأزقّة مدن الخليج حيث يتقمّص شخصيات بارزة أمثال ... (سقط هذا الجزء من النص وضاع..)

(وقال بعض الناس) هذا من الثقل والدناءة (ثم عارضهم البعض الآخر وقالوا) بل من الخفّة والعبث.

ثم لنذكر أمر الجمل الأزرق فنقول (أمّا الجمل الأزرق) فهو نوع من أنواع المركوب اشتهر أيام القحط والجدب والجفاف في البادية والبيداء والفيافي والصحراء ونحو ذلك. ولقد اختلف الفقهاء في سبب لقبه بالأزرق فيقول طائفة منهم ذلك لجلالة عهده ووساعة حنكته ثم يقول طائفة أخرى بل لشدّة عطشه وكثرة شربه في الواحة أما الطائفة الأخيرة فيقول الأزرق وهو لون وبره والله أعلم وبه نستعين..

وبينما يؤكّد علماء البيولوجيا وبالإجماع أن هذا النوع من الجمل قد مات وفات، انقرض واندثر، إلا أن بعض الجهلاء في الصحافة الصفراء وأقلام السفهاء لا يفتأون يروّجون للإشاعات القائلة بأن السيدة المحترمة م.غ. إنما هي محتفظة بعيّنات من الجمل الأزرق في حديقتها السرّية وأقبيتها العلمية حيث تناديهم بين الحين والآخر كي تحوّلهم الى الجمال العادية، غير اللافتة للأنظار.

واتفقّ في الآونة الأخيرة أنني العبد الفقير قد عاينت هذا الحيوان الغريب، الكائن المشيب، وعرفتُ هيئته الجميلة وقامته الأنيقة، الى جانب ملمسه الوثير وملبسه المنير. ذلك أن الأخت الشقيقة، السيّدة العفيفة زرادشت قد راق لها السفر الى مدينة نيو أورلينز، فتفقّدت أحوالها وتوقّفت على أشغالها، ومنها أشغال الفسق والدعارة والعهر والانفلات!


أَجَلْ فإنها مدينة نيو أورلينز - أو قُلْ (نالينز) وهو الأصح في لهجة سكّانها ولغوهم - الشهيرة بالفيضانات كما بالكبائر والموبقات. وذلك رغم وقوعها في الجنوب الأمريكي، المعروف بشدّة تخلّفه وحدّة تحفّظه، فتكون (نالينز) هذه بمثابة الواحة، المغوية لأصناف الحيوانات أجمعين، الخرافية منها وغير الخرافية: منهل دعةٍ يشرب منه الكثير، مورد جعةٍ يكرع منه الجمل والحمل والبعير.

يبقى فيها اللي طلع مالبيضة، واللي طلع من الرحم، واللي مسخلط وشّه بالزمرّد والزبرجد والفحم.

ولِمَ نستغرب اذن، أن الآنسة زرادشت وبينما هي طائفة بشوارع (نالينز) وأزقّتها، اذ وقع بصرها على شيء غريب، هو كنز فريد، ينبلج لمعانه من إحدى الفترينات الموجودة هناك. نمّت عن آنستنا شهقة مكتومة، توجّهت على فور الى ذلك الشيء الغريب، خطوات مسرعة تحملها الى المراد، يزيد لونه ازرقاقاً، يميل الى الكحل: ألا وهو كوفيّة مصنوعة من وبر الجمل الأزرق.

---

هذا الوبر بحوزتي الآن، ملك يديّ. الآن، تدور كل الأفلاك حولي، إذ أني الملك لويس الرابع عشر، الملك الشمس، الذي ظهر ذات يوم على خشبة المسرح، كي يقوم بدوره أمام الجمهور، ممثّلاً تلك الكتلة النارية الهائلة بظرف وامتياز، وذلك لمدّة اربعة وعشر ساعة بالتمام والكمال.

---

ولم أرد هذه التفاصيل من باب الفضح، اذ الفضح كما نعلم إنما هو تقنية خطابية تعتمد رؤية محدودة للأمور، مفادها أن الحقيقة شيء ثابت وإنْ غمض قليلاً وما خفي كان أعظم، وبالتالي ما علينا إلّا أن نكشف عنها القناع ونسقط عنها اللثام ويكون بذلك الباطن ظاهراً والظاهر باطناً. وهو الأمر الذي يقودنا الى إصلاح أنفسنا بل وإصلاح المجتمع والارتكان الى ركائز العالم الطوباوي الآتي الآتي الآتي... وأي نوع من الإصلاح هذا، الذي يتّخذ الحيوانات الفاضحة سلاحاً وأي سلاح، في حملة استعمارية ماجنة، هدفها إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار؟

وآدي البيضة وآدي اللي شواها وآدي اللي قال حلوة أجيب حتة لماما!

05 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة السابعة، وهي الانطلاق

غرضه الهجاء: الخطوة السابعة، وهي الانطلاق

لكن حان الوقت، بعد مرور ما يقارب الشهرين ، أن أخرج من ذاك الكهف المعفّن، فأجرّب حظّي في مراتع البشر المعتادة، المحفوفة بالأخطار والألغام..

نهضت بصعوبة بالغة كأنما قاطرة بكامل عرباتها قد مرّت على صدري، فتهشمّتْ عظامي و تفعّصتْ بضعة أعضاء من الجهاز الهضمي، المثخن بالجراح والآلام. نهضت وأنا أرى تلك القاطرة ضاربة في الابتعاد، تتلألأ أضواؤها الغازية بوهن وخفوت، في الأفق. أما السبنسة فتتباطأ قليلاً، وكأنّها غير مربوطة بسائر العربات المتسلسلة. هي عربة عنيدة تحرن وتثور.. أكاد أجزم أنها تحمل ذلك الكلب العظيم، الحيوان المدردح، سارق حذائي ودمي.

جُلت ببصري في أطراف الغرفة: أكوام متناثرة من الظروف الحمراء المفتوحة، تتراكم حولها قصاصات رفيعة من الورق الأسود. شبشب مهترئ يتصارع عليه الإهمال والنسيان، يرقد هناك. زجاجات نبيذ مرصوصة بعناية مريبة تحت الشبابيك، بعضها فارغة وبعضها نصف فارغة. ثعبان أزرق يبتسم بمكر، يلتفّ جسده حول فناجين القهوة الخمس، المبتسمة هي الأخرى.

هناك شيئاً ما، يبدو غريباً، لا يليق بالمشهد . إلا أنني لم أعد أهتم.

المهم هو حذائي.

لملمتُ في الحال أعضائي المبعثرة على الأرض: هذه الكمثرى الخضراء هي مرارتي، وهذه المعكرونة اللزقة هي حفنة من مخّي. أمّا ذلك السمك المنتفخ، فلا شكّ أنه طرف يسير من كبدي. مثل هذه الفواكه ضرورية لحياة الإنسان، يعتمد عليها المرؤ اذا ما رغب في مسيرة طبيعية في الأزقّة الطرقات.

بلعتها بسرعة كي تعود كل واحدة الى محلّها، عسى أن تكتمل طاقتي الجسدية في أسرع وقت ممكن: فإنّه أمامي الآن

ملحمة أسطورية،

ورحلة فسفورية،

أجازف فيها بحياتي كلها.

أيها القوم: إنّي سأتكبّد تصاريف الدهر، وأتحمّل الشقاء والقهر. كلّ هذا - أيها القوم - في سبيل المعرفة والحق والنور والغذاء، وإذا كسبتُ - الى جانب تلك الأغراض - شيئاً من المجد فلا ضير في ذلك. هذه هي مهمّتي المحتومة لا شك فيها، هي قسمتي ونصيبي لا فرار منها،

اللهمّ فاشهدوا :

أفخاخ منصوبة في الطريق، تتجمع الغيوم حول كهوف الجنّ والعفاريت، رعد وبرق وشتاء في الجبال، حفيف خطير يتصاعد من أوكار تمليت وجبليت: الأوّل على صورة الأسد والنسر، والثاني على صورة الذئب والخرتيت.

فلأشهر سيفي البتّار، ولأجهّز الفيسبة بالحجارة والشرارة والنار.

أقوم وأصيح: فداك أيها الحذاء المفقود! حلفت إني لأنتشلنّك من براهن الغدر والإجرام، ولأرجعنّك الى أيام الرجولة والفحولة والإكرام. حذار أيها الخونة والخائبين: إني الى قوم سواكم لأميل!


[نواصل فيما بعد!]

01 مايو 2010

أصلي وفصلي (2)

أصلي وفصلي (2)

مشاهدينا الكرام: تحيات طيبة وأشواق ثيّبة (من ثيّب وهي الإمرأة غير العذراء) وبعد،

لقد أكل آدم من تلك الشجرة هو وزوجته، فوقعا بذلك في الخطيئة وجعلهما الله سبحان وتعالى عبرة لمن يعتبر وهكذا.. فما أصل الإنسان إلا خطأ مملّ، عرفناه وسمعناه كتير قوي حتى زهقنا، نعدّيه خلاص ونرجع نعيش..

فاعرفوا أيها المشاهدون أنه حتى الملك عبد الله يتلخبط في قراءة النقط والإعراب (كما ذكرت يا محمود)، فما بالك بمدوّن غلبان، طفل بريء، اذا ما ارتكب خطأ صغيراً في فنون المطالعة والتفسير.

فلقد نشرتُ على هذه المدوّنة المتواضعة وثيقة تثبت أصلي، مخطوطة توضح فصلي، هي بمثابة شهادة ميلادي التي تبدّد الشكوك الرائجة حول نسبي وحسبي، اللي هو عربي طبعاً. فقد جاء في تلك الرسالة المسمّاة هزّ القحوف في شرح قصيد أبي شادوف بعض الأسماء القبيحة نعم لكنها أصيلة عريقة، منها زعيط ومعيط وكسبر وقفندر، وأخيراً وليس آخراً المسمّى بنبن.

أو هكذا كان يبدو.

الحقيقة التي اكتشفتها مؤخّراً هي خلاف ذلك، فما من بنبن ولا حتى جنبن، أتاري ده كله خطأ مطبعي ناتج عن سوء نسخة البي دي إف اللي كانت عندنا. فإنّي وبفضل حب الاستطلاع قد طلبتُ من المكتبة النسخة المنقّحة للمخطوطة والتي تمّ إعدادها منذ حوالي خمسة سنوات على وجه التقريب. واليكم بهذه النسخة الواضحة الجلّيّة كما هي:







(وفي الهامش)





وهذا الأمر كلّه يذكّرنا بالفضيحة الكونية الكبرى التي أطاحت برأس المذيع المحترم دان راذر، فرَمَتْ به الى البوتقة ثم الى المقصلة، في قضية تتعلّق بوثائق عسكرية تخصّ الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الثاني. لم تكن هذه الوثائق تخصّ أصله وفصله - فهذا أمر مقطوع به حيث أن الكل يعرف أن الرئيس هو ابن كلب وأمّه ضبعة من الضباع الشرسة - إنما تدور قصّته حول الخدمة العسكرية التي كان يزعم أداءها في القوات الجوية منذ حوالي عشرين سنة. وقد ظهر الأخ دان ذات ليلٍ مشؤوم على الشاشة، وبيده هذه الأوراق القائلة بأن هذه الخدمة وذلك الأداء لم يحدثا إطلاقاً - إلا أنه اتضحّ فيما بعد أنها أوراق ملفّقة أو مزوّرة أو شيء من هذا القبيل. ونتيجة لذلك قدّم المذيع المحترم استقالته لمجلس إدارة شركة سي بي إس الإعلامية.

لكني أيها المشاهدون لستُ دان راذر، ولستُ عجلاً رضيعاً خانعاً مثله، لا أخضع ولا أستسلم لضغوط يمينية كانت أم وسطية (ربما أخضع لضغوط يسارية لكن هذا ليس قضيتنا اليوم)، ولذا سأبقى في منصبي هذا الذي رفعني اليه الشعب وكرّسه سيّدنا البطريرك مارّ نصر الله بطرس صفير.

ولكن المفاجأة الكبرى - أيها المشاهدون - هي أن محرّر هذه النسخة ليس سوى المترجم الحكيم، المستعرب الرزين همفري ديفيز ذات نفسه، الذي التقيت به منذ وقت قصير جداً في نادي المثقّفين (قال مثقفين قال) بوسط البلد. وكان تبدّى لي آنذاك رجلاً متواضعاً ، لا يكنّ لي سوى المودّة والإكرام، فلا يتكلّم عن نفسه كثيراً إنما يستمع ويستفسر، ومن حين لآخر يطلق بعض القفشات الظريفة، ليس مباشرة إنما عن طريق الغمز واللمز..

فربما يكون الأمر مؤامرة عالمية عظمى يديرها هذا المترجم، غيرة منه أن اسمه هو ليس عربياً لا من الناحية القحطانية ولا من الناحية العدنانية، يعني انت مين يا استاذ "همفري" دا لقب انجليزي بامتياز ملوش أصول أعرابية بأي حال من الأحوال..

23 أبريل 2010

غرضه الهجاء: الخطوة السادسة

غرضه الهجاء: الخطوة السادسة

لقد ابتكر علماء الهندسة أشكال كثيرة وجميلة، منها الدائرة والمربّع والمستطيل والمثلّث. لكني اكتشفت شكلاً جديداً في الآونة الأخيرة، يسمّونها "الحلقة المفرغة". وهي شكل من إبداع السيدة نادية ذاتها.

هذا ما لم يخطر على أحد ببال. أن أحبس نفسي في الغرفة الصغيرة، أن أغلق عليّ كل الأبواب والشبابيك: صدّاً لوصول تلك الظروف الحمراء، المحتوية على كوابيس السيدة نادية.

لكنها لم تتوقف. بل تمادت في التسرّب اليّ، وتفانت في التجلّي أمام عينيّ، من خلال طرق أبسط ما نقول عنها إنها سحرية.

رنّ الهاتف، فصرخت:

-مين؟

-... [صمت]

- أنا عارفك يا كسمّك يا بنت الوسخة!

-... [تَكْ قُبْ تَكْ قُبْ تَكْ قُبْ]

سال رضاب قليل من فمي.. لم أكن قد استحممت منذ أربعة أسابيع. طال شعري، واخشوشنت أناملي. أمّا ذلك الحكاك فلا أعرف له سبباً.

بصيص جريء من النور يتسلّل الى مخدعي، يمرق فينسكب على الأرض، نافثاً في طريقه ذرّات الغبار والنشارة، يهدّد باقتلاع الخشب والبلاط. هذا البصيص من النور - لكثرة ظهوره وقيمة بذوره - سمّيته "لؤلؤ" بضمّ اللامين. مع مرور الأيام، توطّدت العلاقات بيني وبين "لؤلؤ"، هذا الزائر المقتحم الذي اعتاد أن يلج الى داري من غير احم ولا دستور. هالة من النور الخالص، تحبس الأنفاس.

- استريّح يا لؤلؤ. بيتي بيتك.

- خلّي عنك الشنطة يا لؤلؤ.

- يا لؤلؤ انت فين يا راجل، مش باين ليه؟

كل هذا كان يدور بيني وبينه من كلام، إفاضات طويلة وإطالات فويضة، استرسلتْ واستمدّتْ فأغدقتْ على أيام المعزل شيئاً من الونس والألفة والاعتراف. الاعتراف بالآخر. هاي هيا!

قلت إنه بصيص جريء. فهو جرؤ على أن يقول لي: يا أخي، أنت تحتاج الى ذلك الصابون الحكومي الأسود، اللي بنصّ جنيه. ثم استدرك قائلاً: بل الصابون البنفسجي، اللي نازل الأسواق بخصوص رمضان.

هل يجرؤ أحد على أن ينبّهك الى تلك الرائحة الصاعدة من جثّتك الهامدة؟ أنت جثة حيوان نافق، قد سرى فيها العفن والفساد. أنت طريح السرير منذ ما يناهز الشهرين، وما من زائر سوى بصيص خاطف من النور، يُلفت نظرك الى سوء حالك، وتدهور أشغالك، فما من كائن حيّ يهتمّ بشكلك ولا ببالك! سوى هذا الملقّب "لؤلؤ".

لام واو لام واو.

الحقيقة أنني آويت الى هذا المعزل فراراً من كثرة الرموز والإشارات، التي يبزّها العالم الخارجي. فررت من الشيء الذي يذكر بالشيء، كما أني هربت من البتاع للي هو البتاع. النجوم والشهب والعمارات والأسماء: هربت منها كلّها. الرسائل والأحلام وتحليل معانيها: هربت منها أيضاً. ما هي إلا خزعبلات، طراطيش كلام، لُطّخت بها حيطاني وغرف دماغي. واستمسكتُ بالسطح، لا أكثر ولا أقل.


[نواصل فيما بعد!]

19 أبريل 2010

أصلي العربي وفصلي الوطني: وثيقة تبدّد الشكوك

أصلي العربي وفصلي الوطني: وثيقة تبدّد الشكوك

نعم. فلقد راود البعض منكم الشكّ، ولقد ساور العديد منكم الريب، فحام الغموض وحلّق حول حقيقة أصلي، وهوية فصلي، وعلى هذا كانت أصالتي فريسة الإشاعات، كما كانت عراقتي ضحية الأراجيف والهجومات: وأنا في ذلك شبيه بالرئيس الأمريكي الأصيل باراك حسين أوباما.

لكني لحسن الحظّ، وصدفة المعرفة، قد وقع بصري على وثيقة حسبي، وحقيقة نسبي، وذلك في مخطوط أثري عتيق بعنوان هزّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف للعلّامة الشيخ يوسف الشربيني:







ومن هنا تنقشع غيوم الارتباك، وتزول الشوائب والعوائب والالتباس، فليس ذلك بخطأ مطبعي، ولا غلط مكتبي، بل كلمة واضحة وضوح الضمّة على الباء، والسكون على النون.

وحسبي الله ونعم الوكيل.

17 أبريل 2010

بلاغات الأخت أنيطا من حواري بيروت وأزاريطة وبعض ما جمعت من أخبار الأراضي المحيطة

بلاغات الأخت أنيطا من حواري بيروت وأزاريطة وبعض ما جمعت من أخبار الأراضي المحيطة


مقهى مجهولة على مرمى حجر من فندق لو بريستول، لا المنظر معاد ولا النغمة مكرّرة.

"انتي بتقلي إن شاء الله كتير"

"يعني، ممكن علشان أنا واخدة على طريقة كلام المصريين"

"أنا كتير خايف من هالكلمة، أنا مصوّر الله، ماسك البندقية!"

واذا بالأديب الموقّر، الروائي الرزين،الرجل العفيف المعروف برشيد الضعيف: يقوم مبرزاً بندقية خيالية لا يراها سواه، ويروح يطلق النار على جميع الحاضرين. رجالاً ونساءً وأطفال.

فخرجت الأخت أنيتا، أخذت ذيلها في سنانها وطارت كما يقال، إلا أنها قد احتفظت برصاصة فضية خرجت بها من الموقف، علّها تحمي نفسها من براثن الوحوش الرابضة، ومخالب المسوخ القابضة، منها الغول والقطرب والرخّ والعدار.

30 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الخامسة

غرضه الهجاء: الخطوة الخامسة

تتلاقى الأشياء، ثم تتباعد. وقد تتلاقى مرة أخرى، أو لا تتلاقى. ولا يرى الغيب إلا الله آمين.

شيء لا يُصدّق

لا يثبت له شاهد

ولا كل الشهود

بسطتُ قصاصات الورق أمامي، وقرأت:

تلك الأحلام التي أرى نفسي فيها عابرا البحار، ثم أصل الى القارة المسماة بالوطن لكن دون أن أعرف كيف وصلت؟ وبأي مطار عبرت؟ ولا أتذكر أي شيء عن الرحلة، فقط أني كنت هناك، والآن أنا هنا. رددت هذه الجملة الأخيرة عدة مرات بصوت مبكٍ، بينما أمي تستمع الي وتكفكف دموعي بعطف وحنو.

وهناك أحلام أخرى تتكرر بنفس الرتابة والإصرار، أرى نفسي فيها في نفس الشقة لكن هناك غرف أخرى، والشارع فيه محلات أكثر. يمكنني أن أداري نفسي فيها درعاً لهجوم المتوحشين أمثال رود بلاجويفتش، ولورن برلنت، وشخص اسمه برعي.

هكذا إذن، بدأت السيدة نادية ترسل اليّ كل يوم سبت، ظرفاً أحمر يحتوي على أضغاث أحلامها، لماذا، لا أعرف، كيف، ليس مهماً، متى: كل يوم سبت، في آخر الليل، وأنا نائم أو شبه نائم. أطارد الذبان بيد، وباليد الأخرى أصفّق في الهواء أسوة بأهل السرك والطرق الغجرية. إمرأة ثلاثينية، أو ربما ستينية - لا فرق - هي شيخة منصر على ما يبدو، تتحكّم في عصابة من عصابات شيكاجو الشرسة. يعني هي فاضية علشان تلعب بيّ؟

لكن هكذا صارت الأمور، فاختارتني أنا دون غيري، إنساناً تروي له أحلامها الملتوية السوداء. انتقتني، أو قلْ اصطفتني، دون عشرات البشر المسالمين، الخائفين على أحذيتهم. يعني مستقصداني ليه الستّ دي؟

هذه لعبة غريبة جداً. أن تقوم بتشليح شخص ما من حذائه، فتدمّي له وجهه، وتهدّده بالقتل اذا ما حاول استرجاع ملكه وحقّه. ثم تراهن، بناءاً على ذلك، أنه سيستقبل برحابة الصدر تلك الظروف الحمراء التي تنطوي على أحلامك - بل كوابيسك - التي تخشى البوح بها الى أحد غيره. هذه لعبة غريبة جداً، تفتقر الى أي أساس من المنطق. ومع ذلك فهي لعبة ناجحة. بدأت حقّاً انتظر بلهفة وشغف تلك الظروف الحمراء، التي تتجلّى كأن من لا شيء عند حافة السرير، كلّما أصحو من النوم، في يوم السبت.

يأخذني الكرى، يتملّكني النوم، أغط في سبات عميق. أغفل للحظة، أغفو لبضعة دقائق. يرتجف لي جفن. في كل الأحوال، حين أفتح عينيّ، أجد ظرفاً أحمر يستلقي هناك، مصمتاً. شرط أن يكون يوم السبت.

27 مارس 2010

قراءات في الغرابة المقلقة (2)

قراءات في الغرابة المقلقة (2)

أيام حرف ال(i) محدودة، فلقد أوشكت حياته على الفناء، كما أطلّت نجمته على الانفجار والبلاء.

فلقد عشنا كلنا تحت مظلة ال(e) لفترة من الزمن، إذ رأينا وجرّبنا ال(e)ميل وال(e)كتب وما الى ذلك. ثم دخلنا زمن ال(i)، عرفنا خلاله أمثال ال(i)بود وال(i)فون وأخيراً وليس آخراً، ال(i)باد. وهذه الأخيرة - شئنا أم أبينا - كانت بمثابة آخر مسمار يدقّ في النعش، أو قل القشة التي قضمت ظهر البعير. وذلك للتشابه المبين بينها وبين الفوطة الصحية الأنثوية ، فغدا هذا الاختراع المأسوف عليه مدعاة للسخرية، مضغة في أفواه الناس، الذي هب منهم والذي دب.

وهو الأمر الذي يقودني بالتالي، حسب تداعي الأفكار، الى ما جرى بيني وبين "العين" في الآونة الأخيرة. فاعلموا أني كنت مارّاً ذات يوم في دهاليز المؤسسة الموقرة، واذا بي أصادف في الطريق: المفكّك الخطير، الوجه المنير، خادم الحرمين الشريفين، الأستاذ العظيم طارق العريس. تعثرت خجلاً أمام الأشعّة التفكيكية المنبثقة منه، إلا أنني سرعان ما تماسكت ولملمت أغراضي وقلت على سبيل التحية: أهلا يا أستاذ.

اكتفى الأستاذ بالاقتراح التالي: عليك يا أنت بقراءة ما قاله الحكيم فرويد عن العين، ثم ما قاله عبد الفتاح كيليطو بشأن الغرابة المقلقة.

[وبما أننا نعيش في زمن الروابط، يجب أن أربطكم بالرابط الأهم وهو الكتاب الذي أتشوق لقراءته: ...]

والحقيقة يا ناس (تعبتُ من مخاطبة الناس): الحقيقة يا أنت، الحقيقة المخيفة، أنني في نفس الأسبوع الذي تناولت مقالة فرويد، وكتاب كيليطو، إذ سقطت من عينيّ تلك العدسات الطبية التي أتحلى بها على الدوام، ورحت نتيجة لذلك أتخبط في طرق الجامعة لا أرى شيئاً، أختبط بالمارّين والأشجار، أنتظر بلهف وتوق ذاك الطرد البريدي الذي سيحمل اليّ العدسات المطلوبة.

ثم اعرفوا عن فاء، ما قال لي بعد ذلك بأقل من أسبوعين، بأنه شافني في المنام، إنما ايه، كانت عينيّ محمرّة خااالص.

- نعم. لقد رأيتك هنا، جالساً كما أنت، لكن: احمرار فظيع في عينيك.

غرضه الهجاء: الخطوة الرابعة

غرضة الهجاء: الخطوة الرابعة

أرى نفسي غاطاً في سبات عميق، من فوق. أطارد الذبان بيد، وباليد الأخرى أصفّق في الهواء. كل هذا ممكن، بل مشروع، بعد سنين طويلة من التدرّب على الفنون البهلوانية، والشؤون الشقلباوية، قضيتها مرحاً في رعاية السرك الوطني. وغير الوطني.

أنسحب الى داخل طوايا السرير، أتململ متهتهاً، بصوت يكاد لا يُسمع: " قازوزة.. قازوزة.."

تتلمظ شفتيّ، وتلتوي. تصدر صوتاً أقرب ما يكون الى الفقاعة البكرة قبل ذوبانها، أو هبوط الفراشة على القدم إثر اقتلاع محتوم.

"قازوزة.. قازوزة.."

.. أو ربما كانت " فزّورة ".. أو حتى.. " قاذورة ". إنه شيء غامض، لا سبيل للتأكد منه، أو التفهّم بشأنه، سوى بالمزيد من التنصّت، وتدقيق السمع بعد إرهافه..

تشوشت أفكاري فجأة، اختلج جسمي وانتفض، إلا أن ذراع ما دفعتني بقوّة، وصفعتني، ووجدت يداً جافة تكتم فمي، وأخرى تهدّد عنقي بمدية حادة:

- ولا حركة! صاحت.

عندئذ، ورغم ارتباك الأحوال، والتباس المقام والمقال، إلا أني عرفت هذا الصوت، وهذه اليد، وهوية المتلصص المتجسس الذي اقتحم منزلي في الساعات المتأخرة من الليل. اذ معرفة مثل هذه الأمور، وإدراك مثل هذه الرموز، نوع من أنواع الفطنة التلقائية، أو الحكمة الكهربائية، تحيط بالمرء إحاطة عظيمة، فتهزّه يمنة ويسرة على غرار آلام المخاض، فيستقرّ فيه شيء من اليقين: سدّ ثلمة، وملؤ فراغ.

يبدو أن السيّدة نادية من ذلك الطراز من الفتوات الذين لا يراهنون على إخفاقات مرؤوسيهم، فلا يكلّفون الآخرين بالمهمات التنظيمية مهما صغر شأنها، بل يقومون بما يجب أن يتمّ بأنفسهم. فكان من المقبول جداً أن تبعث - بدلاً منها - أحد المرتزقة والمأجورين من أعضاء العصابة، لكنها لم تفعل. كان من المحتمل - حسب قوانين المافيا المعهودة، والمتفق عليها - أن تتملص من المسؤولية، متحججة بخطورة العملية، والأفخاخ المنصوبة في الطريق. ثم أن ترسل شخصاً آخر، عوضاً عنها. لكنها لم تفعل.

- أنا موجودة في كل مكان. أسكن في غياهب الطرقات، وظلمات البحور. أطفو على سطوح المجتمع، وأرقص على رؤوس الصفوة وعلية القوم. أنا بين فخذيك، وأنا أقرب اليك من قضيبك. أنا جرثومة فتاكة لن تتخلص مني، ولحسن حظك، لقد قررت ألا أتخلّص منك. ما زالت فيك بعض الفائدة.

أغمى علي في الحال: هل من الفزع، أو من ضربة قوية من يدها، لا أعرف، ولا أحسّ، فقط صداع رهيب يسيطر عليّ، يشلّ مفاصلي، لا شق ولا فصل بين النور والظلام، بل هما سديم واحد، يربض وراءه ذئب مقنّع. مداركي قد سرى فيها عكرٌ لذيذ، تفشّى وانتشر فتخثّر عند الفتحات: عقبات مجدّدة في الشرايين والعروق. يجب أن أتناول الترياق، وإلا ضعت..

حين أفقت الى صوابي، وجدت الشقة كما هي، باستثناء ظرف أحمر يرقد عند حافة السرير.

فتحته، وقرأت بصوت عال:

قرّبت الفنجان من شفتيّ المنفرجتين عن ابتسامة مكر وتواطؤ - تواطؤ مع ماذا؟ مع قوى الشرّ والفسق! - فضحكت. وضحكتي تلك جعلت في المشروب عاصفة صغيرة، تراقصت فيها الأضواء، تمازجت فتقلّبت، وفاضت بسخونتها الذكورية الطافحة عليّ وعلى بنطالي المحترق!

14 مارس 2010

قراءات في الغرابة المقلقة (1 ب)

قراءات في الغرابة المقلقة (1 ب)


أنا أحب أوستن.

أجلس الآن في مقهى ستاربوكس، يؤنّبني الضمير صحيح لكن الجو صحو، والحرارة معتدلة، ثم عطر الربيع وطيبه بدأ يشمس علينا. هذه قد تكون أول مرة في حياتي أحترم فيها الجنوب الأمريكاني.

أحنّ الى مصر، لكن، هنا، على مرمى حجر من شقّتي، أجد نفسي محاطاً بأفواج من أهل الخليج. عند تلك الطاولة جماعة من إخواننا العراقيين، وعند تلك الطاولة بعض السعوديين. لا أرى شخصاً واحداً يتكلّم غير اللغة العربية. وهذا ما لم أكن أتوقّعه أبداً في تكساس: الغرابة المقلقة بدأت تنتقم مني. تش تش تش. بيتتش. أختتش. حياتتش. الخ.


ملحوظة: هذا النوع من البوستات لم أره أبداً يناسبني لكن ربنا هو الرزاق.


(واللوحة من أعمال الرفيق جيبارا)


12 مارس 2010

قراءات في الغرابة المقلقة (1)

قراءات في الغرابة المقلقة (1)

أعددتُ فنجاناً ثقيلاً من القهوة، ثم جلست عند مكتبي. بينما ارتمى هو على حجري.*

- كده ماينفعش، قلت، هذا الوضع يوجع ظهري.

جعلته يرقد فوق المكتب ، عسى أن أتناوله بكلتا يديّ.

- خلّينا نتفاهم، قلت.

أخرجت قلمي الأزرق الطويل، ورسمت دائرة كبيرة حول عنوانه: " الغرابة المقلقة " للعالم الكبير سيجموند فرويد. صفحاته من ورق رقيق جدا الى درجة أني خشيت تمزيقه أو تفتيته. لكنه نشوة الكافيين، الى جانب الهالة المروّعة المحيطة بالنصّ، ما دفعني الى مواصلة القراءة. أخذني بيدي وجرى يمرّرني على نقاطه وفراغاته، فسايرته وسايرني ونحن منسجمان متفقان، وجاريته وجاراني ونحن متداخلان متعانقان: هذا أنت على غير عادتك، قلت، لست أنت المتفذلك المتحذلق في "القلق والحضارة"، ولا أنت المخرّف المخبول في "الحداد والكآبة"، بل انك هين لين لا تؤذي أحداً.

وظللنا على هذه الحال لمسافة عدّة صفحات، الى أن مدّ يده للقاموس.

- " انت بتعمل ايه؟ " صرخت بامتعاض ممزوج باستياء وقرف.

نعم، هذا هو السؤال: ماذا أنت فاعل يا رجل؟ ماذا أنت فاعل؟ وما تراه يفعل، هذا الرجل، بفتحه هذا القاموس الوفير، اللسان الخطير، والتنقيب بالتالي في الاشتقاقات والمرادفات، الترجمات والخزعبلات، وذلك من أجل الوصول الى معنى كلمة واحدة ألا وهي: الغرابة المقلقة. ما تراه يفعل.

تبدّى لي فيما بعد، أن الدكتور فرويد إنما كان بصدد رصد بعض الأفكار، وحصد بعض الأشجار، ثم جمعها وإيداعها في خانة كبيرة من الأشياء المتعلّقة ببعضها البعض، تتداخل وتترابط وفقاً للتداعي الطبيعي للأحاسيس والمعاني. وما القاموس إلا أداة لإنجاز هذا الرصد وذاك الجمع، وهو الجامع المرجع لسياقات كثيرة وتوظيفات عديدة، يتبيّن للقارئ الشيء الكثير من الروابط الكامنة، والعرى الوثقى، ولو في محدودية الكتاب المطبوع. لكن جهاز جوجل للبحث لم يكن موجوداً أيامها، للأسف الشديد.

...

نهضتُ فجأة، فاهتزّت القهوة وانكبّت عليه بكل سخونتها، فصرخ صرخة ملتاعة.

...


* هذه المقالة مستقاة بترخيص من مشروع كتابي عرضته في صفّ الأستاذة الكبيرة كيتي ستيوارت. ولقد ترجمتها من اللغة الانجليزية لكن بإصرار جدي على مراعاة نقاط الاختلاف بين اللغتين العربية والانجليزية. أي انها ليست ترجمة بمعنى الكلمة إنما أقرب ما تكون الى تفسير معاني النصّ الأصلي. كما أن بعض الطلاب في الصفّ هنّأوني على الصفة الإبداعية الطاغية عليه، بينما حسدني البعض الآخر، أما البعض الآخر الآخر فقد أغمى عليهم فور تناولهم هذا النص فأخذهم الصرع وجعلوا يتقيّأون يصرخون لا يردعهم رادع.**

** ولقد أعجبني جدا هذا الأسلوب الخطابي المتبجّح الذي يتّخذه الشرح المرافق للنجيمة، اذ يسبغ على صوتي الشيء الكثير من السلطة الزائفة والقوة الملفّقة. ثم إنه شيء عجيب أن يطول الشرح الى هذه الدرجة، بصرف النظر عن مشاعر السأم والبضان الملازمة للقارئ كما للمؤلّف، فيكون الدرس المستفاد: لا تثق بالنجيمة! اذ كيدها عظيم.

03 مارس 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثالثة

غرضه الهجاء: الخطوة الثالثة

الآن، بعد مرور نحو أسبوعين على بداية هذه النزهة، لقد أخذ التنمّل يستشري في القدمين، وكشف الدهر عن ظلم وضيم، ونحن لا نعرف غير البلل والملل وذوق الأمرّين
.

الجزمة موجودة، وهي غير موجودة. حاضرة في غيابها، حاضرة في جزميّتها: هذه الجملة تفرز سائلاً بنفسجياً نتناً، بتضرب السبعة ونصّ.

فترة التأمل والتدبّر قبل الكتابة: وهمٌ أشاعه الكتاب المطبوع!

غادرتُ قسم الشرطة، مشيت قفايَ يقمّر عيش.

نزلت الى جادة ميشيجان المضيئة، أبحث في الشوارع عن السيّدة نادية. أتفحّص في الوجوه المتجهّمة، أسترق النظر الى الشنط الحريمي، علّني يصادفني الحظ، فيطلّ من احداها رأس الكلب الصغير الذي يتمتّع بحذائي المسلوب.

بدأتُ أشكّ في هذه القصة.. حين رأيتها!

السيّدة نادية تخرج من سيّارة مرسيدس وبرفقتها شاب اسمه غسان، يتهيّأ لي أنني رأيته من قبل. بل المؤكّد أنني رأيته من قبل، اذ كيف عرفت اذن أن اسمه غسان؟

كل هذه التفاصيل الصغيرة لا تهمّ: الأسماء، المكان، السيّارة. المهمّ هو حذائي.

نعم، هذا الشاب اسمه غسان، وهو مقيم مع السيّدة نادية في عمارة رقم 2 المواجهة لبرج هانكوك في شيكاجو. وهو الذي دلّ البوليس على المصوّر المدعو وائل لاظوغلي (اسم غريب لإنسان غريب) الذي له أستوديو الى جانب مدخل هذه العمارة. عميل مأجور من قبل أطراف عدّة، أهمّها مديرية الشرطة العليا.

كيف عرفت هذا، كيف ألممتُ بكل هذه التفاصيل؟

لقد وصلني عبر البريد ظرف يحتوي على شيئين: الأول رسالة مكتوبة بخط اليد، والثاني قصاصة رباط اُقتلعت بلا شكّ من الحذاء الضائع المسلوب!.. وهي منقوعة في لون أحمر داكن، أظنّه الدم المراق منذ وقت قصير جداً.

لمستها بإصبعي، فنبضَتْ مفرزةً القليل من الدم.

ما شغفك بالدم هذا؟ يا أخي أنا لم أخترع هذه الأشياء، إنما أتت هكذا كما خلقها ربّها! اهدا بقى ربنا يخليك. المهم، يا أنت، أن هذا الظرف لما فتحته كان فيه الى جانب الرباط رسالة موجّهة اليّ مفادها:

سترى غسان وهو يخرج من عربية مرسيدس بصحبة إمرأة ظريفة اسمها نادية. السيّدة نادية. ولك أن تتخيّل كيف تآمروا عليك، فلم يكتفوا بتحريمك من الحذاء وتركك للموت على شاطئ الإسكندرية الخرسان، بل ذهبوا الى أن يقلبوا على رأسك تفاصيل هذه القصة، مكانها وزمانها، فتحوّل البحر الأبيض الى بحيرة ميشيجان، وحيّ لوران الى برج هانكوك، ثم تركوا بعض التفاصيل كما هي، علشان تتلخبط وتقوم تشكتي همّك لأمّك يا ابن المفترية..

وهنا توقفتُ عن قراءة الرسالة، وكرمشتها بين يديّ وطلّعت الولّاعة وولّعت فيها النار. ثم أخذت أدهسه بقدمي الحافي، الحاكي الحكيم.

[نواصل فيما بعد!]