كأنما يهدّدني الآن: أتظنّ أنك ستتخلّص من هذه القراءات، دون أن يزعجك شيء؟
فكان أن قاطعت تفكيري خبطة على الباب، فتحته، وولج الى شقتي.
ثم دخلنا المطبخ وجعلنا نتضاجع مضاجعة الحيوانات السعرانة. وأقول لك، بل أشهد لك، أن هذه المضاجعة قد تمت على أكمل وجه، حيث أننا أفرزنا كافة الوسائل المطلوبة منا، وأفرغنا في بعضنا البعض الشيء الكثير من المنى، والبول، والكلام العسل. آمين.
رفعني من تحت مؤخرتي فوضعني فوق الحوض وقال: حان وقت المص والماء.
وما هو وقت المص والماء، لا أعرف. لكني اخترعته في الحين. قرف وفساد وحق ونور: كله محصل بعضه.
وضع على رسغه حزازة خضراء، قال: هذا بسبب ثورتنا الخضراء.
ولجنا كلّنا الى البار-المقهى، الذي قد تحوّل الى مسرح، وجلست الى جانب صديقي العزيز باء. ثم فتح بلغمه وقال: هذا ليس ببلغم، لأن البلغم لا ينفتح، إنما يُطرد، وهو الأصح.
أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم.
يتذكر سبارتك وهو يقول ذلك، فتعلق بها - أي بالعبارة - التلاميذ التانيين.هذا شيء للذكرى لا، بل للخلود. فتح الحقيبة واذ فيها شيء من فرق البن. أي حبات البن متناثرة هنا وهناك، كيفما اتفق.
هذا الإغراءُ، هذا الشهدُ الخاص، هذا الداءُ والدواء.. كُنْتُ قَدْ وَدَّعْتُ الحُبُولَ وأَخَواتِها مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيد، فأودعتُها في مخازنَ خشبيّةٍ محكمةِ الإغلاق، تنأى عن شقّتي بأميال وأميال، حتى نُسي أمرُها.. هذه المدوّنة لا تتخصّص في الحبول، لكن هنا بعض الحبول لا ريب.
اعتليتُ هذه الصخرةَ المَلْساء، وفَلَقْتُها نِصْفَيْنِ فانْبثق منها سائلٌ ذهبيُّ الرائحة، قرطبيّ اللون، تبقّعَ بِهِ قميصي وتبلّل، قيل إِنَّهُ دم الزنزلخت، أو عصارة القرنين المطحونين، ثم وقب بعض الغاسقين، تلألأوا رافعين أجنحتهم المبرقشة الشمطاء، طاروا وحلّقوا وتدحرجوا، وسرعان ما خمد ضوؤهم وانطفأ..
من أسعد طوايا عقد حبولنا بحبول أبي نينار
قال في أمر القرآن: ليس للنساء مكانٌ في الجنّة، وَحْدَهُنَّ الحوريّات هنّ المذكورات في الكتاب.
فأضفتُ ببلاهةٍ: والولدان المخلّدون أيضاً!
فصمت.
قال في أمر نهاية السهرة: يلا نمشي.
فقلت: سمّعنا قصيدة قبل ما تمشوا. وقلت: دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإِنَّ اللَوْمَ إِغْراءُ
قال: وَداوِني بالَّتي كانَتْ هِيَ الدّاءُ..
قال في أمر حيدر: أنت جاهل يا حيدر.
قال في أهل باريس: إنّهم أجهل بكثير من أهل بيروت.
قال في أمر الأسماء:بلبل؟ بنبل؟ آه.. بنبن.
قال في أمر أنيتا:بالتقدير والإعجاب.
***
الدفء والسكّر والحضن والاقتراب، ولا أدري، كيف ستكون الأمور بعد ثلاثين سنة، لكني واثق أني في هذا الشهد الخاص قد تذوّقت تجربة تولّد التجارب.. يا سيّداتي وسادتي، إنّ لي موعداً مع الكاهنات، إن لي قلباً ينبض في بعض الأحيان..
تناهي الى مسامعي بعض مما يتمخّض عن مصانع الثرثرة وأوكار الضغائن والحزازات.. ومنازل الأقزام والهوامّ الصغيرة، الضئيلة الحجم، بحيث لا تراها.. جُلت بأزقّة المدينة وشوارعها، فتردّدت على تلك الزوايا البعيدة عن الأنظار، والمراكز النائية عن الأبصار، لم أبصر، ولم أحسّ، لكن.. ترامت الى آذاني زوبعة من الكلام البذيء، والألفاظ الشنعاء، والمضاربات الغالية في سوق اللغات والإشارات.. كلّها، أو قل معظمها، تتركّز حول سؤال دائم وملح:
ما علاقتي بخوسيه لويس رودريجيث ثباتيرو؟
وقد توسّعت دائرة التخمينات والتساؤلات لتشمل أسئلة أكبر من النوع: وما علاقتك بالاشتراكية؟ وماذا تقصد بقولك المراكز النائية؟ وما صوت الفراشة في موسم الجماع؟ .. لن نجيب على مثل هذه الأسئلة اليوم، للأسف الشديد.
قد يظنّه البعض مزحة مني، هذه العلاقة الوطيدة التي كثيراً ما ألمح اليها عن طريق الغمز واللمز، لكن دون أن أبوح بكامل تفاصيلها المخبوءة، وأسرارها الكامنة التي لا حصر لها ولا عدد.. لكني اليوم ولحسن الحظ قد راق بالي، ومال عطفي، فدفعتُ الكفّة نحو الصراحة بمقدار ملحوظ، محسوس به. ولذا فقد رسى يقيني على ضرورة الكشف، كما انعقد عزمي على أهمية الفضح والفشخ، وإن كان فضحاً صغيراً، وفشخاً ضيّقاً قصيراً، هو عبارة عن شقّ رفيع في الظلمة، أو شرخ رقيق في العتمة، لا يسمح إلا ببصيص خافت من الحقّ، ينير عقولنا الدعجاء..
فأقول إن السبب وراء ذلك ليرجع بلا شكّ الى الفرحة العارمة التي اجتاحتنا عام ألفين وأربعة الميلادي، اذ شاهدنا السيّد ثباتيرو وهو يكيل للسيّد بوش عدّة علقات سخنة، هذا في الوقت الذي كنّا استسلمنا فيه، وساورنا نحن التقدّميين الكثير من اليأس والقنوط والانهزام، لكن ها هو السنيور ثباتيرو يبعث في قلوبنا البهجة، فيسحب جنوده من العراق، ثم يبيح الزواج بين أبناء الجنس الواحد، ثم يعيّن إمرأة حامل وزيرةً للدفاع، ثم وثم وثم... ولعلّ أروع ما حقّقه في تلك الفترة: تصرّفه بهدوء، وتحلّيه بالذوق والتلقائية، وفوق هذه كلّه: ارتداؤه أشيك الملابس وأظرفها، بحيث قال بعضهم:
- إنها وزارة شانيل وبرادا.
وقالوا أيضاً: ها هو قد أعاد اختراع الاشتراكية، والكفاح الطيّب، للقرن الحادي والعشرين.
ومن آي ذلك ما انتشر آنذاك من دالّات عائمة، ورموز متدحرجة، تطايرت ثم احتكّت ببعضها البعض على سطوح العرض العامّة، المنفتحة على الملأ:
المربّعان الحمراوان، نُقشا بدرجة عالية من الدقّة والتصميم، يبثّان حالة جديدة من الأمل الممزوج بالانضباط، والعمل المخلوط ببوادر التهلّل والتقدّم والاندفاع.. زهرة القرنفل، في قبضة الثائر المنتمي، المنضمّ.
اللهمّ فاشهدوا. لكن.. لسنا هنا بصدد نقد لاذع - أو غير لاذع - لما يسمّى بالدعاية السياسية المشبوهة، كما أننا لسنا بغرض المدح ونحوه، فهذه مهمّة نتركها للمتحذلقين، والملتزمين، ومعودمي الدم من العالَمين.. اللهمّ فاشهدوا!
ذلك أن الأرض ليست متساوية الأطراف، ومثلها السماء يعتكرها الكثير من اللخبطة والشوشرة والضجّة والضوضاء.. والتوتّر.. ونتيجة لذلك، فما ان تدخل صورة من الصور الى هذا الجو حتى تعدل عن مسيرها المقصود، وتنحرف عن هدفها المعووج، فتلتطم بما سبقها من المنتوجات، وتختبط بما لحقها من الشواهد والمسبوكات.. ليس معنى هذا أن الصورة تفشل، بل هي تتحوّل، ويصار تلقّيها الى خلاف ما رُمي..
فقلت في نفسي: هل أني أحبّ الرئيس، أم أني أحبّ الطيران السويسري؟ والحق أنني لم أركب قط الطيران السويسري، سواء قبل انتخاب ثباتيرو أو بعده، لكني وبمحض الصدفة حدث أن شاهدت برنامجاً وثائقياً عن الفنّان الكندي المبدع تايلر بروليه، هذا المغامر الصعلوك الذي تكبّد شظية حادّة في جانب من مصرانه إثر انفجار سيّارته في أفغانستان. قُتل السائق على ما أذكر، لكن السيّد بروليه نفد بجلده فنجا بحياته ليتولّى بعد ذلك عدّة مشاريع فنية كبيرة، منها إعادة تصميم شركة سويسرا للطيران، قال:
- هذه الطائرة الجديدة، ستخلو تماماً من علامات الزينة وآثار الريشة، ليبرز بذلك هيكل المكوك بكامل تفاصيله الميكانيكية، زجاج ومعدن وحبول ومسامير، فالزبون يرتاح الى هذه الصفة الميكانيكية العارية، البحتة..
فجاء هذان المربّعان الحمراوان الأثر الوحيد لتدخّل الفنّان، وكأنهما طابع بريدي جاء ليختم المظروف الجوي. والحق أن السيّد بروليه رجل ظريف، لطيف المعشر، أتمنّى أن أقابله في يوم من الأيام اذا ما سمحت الظروف.
ولا يخفى عن القرّاء أن الرفيق ثباتيرو ليس الوحيد الذي اُستقرئ شعاره على هذا النحو، فالسيّد باراك حسين أوباما - وهو بمثابة ثباتيرو الأمريكاني - تعرّض أيضاً لمثل هذا الاستقراء. (طبعاً السيد أوباما لم يسحب جنوده من العراق، ولم يحلل الزواج بين أبناء الجنس الواحد، ولم يعيّن إمرأة حامل وزيرةً للدفاع: لكنه أقنعنا بأنه فعل كل هذه الأشياء وأكثر، لذا وصفناه بثباتيرو الأمريكاني). وهذه معلومة قديمة جدا في الحقيقة، أيْ أن شعار أوباما يشبه شعار بيبسي:
فيقال اذن أن أوباما مثل بيبسي، لأنه رأسمالي استهلاكي نعم، إلا أنه بخلاف الكوكاكولا لم يقتل بعد عدداً كبيراً من العمال والفلاحين في جواتيملا. معلومة قديمة بسيطة وفهمناها. الحقيقة أن مثل هذه الاستقراءات لها تاريخ طويل في المجتمع الأمريكي، حيث درجت بعض المجموعات الدينية المتطرّفة على تفسير شعارات الشركات الكبرى على أنها رموز للشيطان، وقيل: لأن هذه المجموعات لا سلطة لها، فتروّج للإشاعات الشيطانية كي يكتسبوا بعض السلطة التحليلية، الخ.
من اسبانيا وحزب بسوي، مروراً بأمريكا وبيبسي، الى مصر والأخ محمد البرادعي، الذي لم ينجُ هو الآخر من سوق الصور والأصوات، حيث يمكن لكلّ شيء أن يحدث، وأن لا يحدث أيضاً..
لم تسنح لي فرصة لقاء الفنان الكبير عدلي رزق الله، كما أني أشك في أنه سنحت له هو فرصة لقائي أنا – سواء من خلال هذه المدوّنة المتواضعة أو غيرها من ساحات اللقاء الإنساني الملفوفة بالغموض والهرطقة والانحراف، إلا أنه – أي الأستاذ عدلي – من تلك الأخلاط المتماوجة بداخلي، المؤثّرة بطريقة أو بأخرى في مسيرتي الدنيوية وغير الدنيوية على مرّ السنين، فبينها الصفراء والسوداء والحمراء ونحوها، أما الأستاذ عدلي فمن الأخلاط الزرقاء لا ريب .. عشت يا عدلي، وعاش الفنّ.
لا يزال عندي الكثير مما أودّ قوله عن هذا المخلوق الإسكندراني الفريد، والذي شاءت الظروف أن تحطّني محطّة الشاهد المتأمل أمام بعض من لوحاته، فساهمت في تشكّلي الذاتي المتحوّل المتخمول على الدوام، نظراً لبعض المواقف التي ركّبتني فيها، والإطارات التي أطّرتني بداخلها، إضافة الى الألوان المائية التي مرمغتني أنا وجسدي في انصبابها وانبثاقها..
لعلّنا لا نخطئ اذن في تأمّل بعض اللوحات ذات الطابع السحاقي:
لا غريب طبعاً في رسم لوحات فواحشية من هذا النوع، فالمعروف أن مضاجعة النساء لبعضهنّ البعض لهي جزء لا يتجزّأ من الفانتازيا الذكورية العالمية، هذا ما تعلّمناه من الشيخ النفزاوي في كتابه الروض العاطر في نزهة الخاطر اذ قال:
فبينما هو كذلك إذ دَخَلْنَ وأَغلقن الباب وهنّ مُمْتَلِئَاتٌ خمراً، ثم نزعن ما كان عليهنّ من الثياب وجعلن ينكحن بعضهنّ بعضاً، فقال المالك: صدق عمر في قوله: دار الخنا معدن الزنا
(ص 54)
ثم ذكر في مكان آخر رجلاً يحدّث رجلاً آخر عن إمرأة ذات عدد من الصفات المحمودة في جنسها:
قال: يا أخي لا شكّ أن هذا قصر الخلاعة عندهنّ، يدخلن له من الليل الى الليل. وهو مراح خلوة وأكل وشرب وخلاعة. فإن
حدّثتك نفسك أنك تصل اليها من غير هذا المكان فأنت لا تقدر على ذلك. وإن أرسلت لها لا تقدر على شيء.
قال: ولم؟
قال: لأنها مولّعة بحب البنات، فلذلك لم تلتفت الى ذكر ولا لصحبته.
(ص 180)
ولِمَ لا، فلا شك أن الأستاذ عدلي رزق الله كان رجلاً مهتاجاً – أي مُثاراً جنسياً – ومن حقّه أن يمارس هذا الهيجان مهما كلّفه من سوائل مائية وغير مائية..
ونعود بالذاكرة الى زيارة جمعت بيني وبين احدى لوحات عدلي، عنوانها إمرأة عارية أو شيء من هذا القبيل، أشبه ما تكون الى تلك الرموز المربّعة المدوّرة المعروفة عند المايا، تحتوي على سيقان وأبدان وكوارع ملتوية في بعضها البعض.. هذه
اللوحة شاهدتها في متحف الفن المصري الحديث، كنت حضرتُ برفقة فاء الذي دعاه عشيقه السفير خاء لمشاهدة فلم مكسيكي مستقل في دار الأوبرا. خرجنا من المتحف وجلسنا برهة وجيزة في تلك الكافتيريا هناك حيث طلبتُ أم علي اذ كنت أتكبّد آلام الجوع الشديد، الداعية الى جرعة أو جرعتين من اليمك. ما إن جلست الى جانب فاء وأم علي حتى وصل خاء بصحبة إمرأة إيطالية متأنّقة فسلّما علينا، مما جعلني في حيرة من أمري، فوضعني بين نارين، أو بين المطرقة والسندان كما يقال: فهل ألتهم الأم علي كي أسترجع ما ضاع من تركيزي وصفاء بالي، وأتحوّل بذلك الى ولد جائع نهم في نظرهما .. أم أترك الأم علي، وأضيع التركيز وصفاء البال، لكن أحافظ على شيء من الأدب والذوق ولو الى حين؟
اعتذرت لهم وأنا أغمس الملعقة في الأم علي ثم في فمي، تركتُ الأدب جانباً وانخرطت في شغل البلع والبلبع والهضم والاستيعاب.
دخلنا السينما بعد ذلك بعدّة دقائق، وسرعان ما فهمت اللعبة، فهذه الإمرأة الإيطالية عليّ أن أمثّل دور ابنها، وعليها هي ان تمثّل دور الأمّ.. أما السفير خاء فعليه دور الأب، بينما فاء وهو الأسمراني الوحيد في الحكاية يجب أن يمثّل دور الصديق المصري الودود، المرافق للإبن، اللي هو أنا. هكذا نتحوّل الى أسرة متكاملة، غير لافتة للنظر.
دخل العشيقان الى الحمّام فور انتهاء الفيلم، فوقفت أنا والإمرأة الإيطالية المتأنزحة نحملق في بعضنا الآخر. قالت بلكنة بريطانية لا تشوبها شائبة:
- حلو الفلم، إخراج مستقلّ وممثلين شطار، مش زي إفلام هوليوود.. [ثم كالمستركة] .. أنا آسفة، انت أمريكاني صحيح..
لم أفهم الشتيمة، هذا إن كانت شتيمة أصلاً، لعلّها تنتقم من انغماسي في الأم علي، أو أنّها فطنت الى ما لم يخطر على أحد ببال، فعرفتْ بشيء من الحدس أنني كنت قبل ذلك بعدة ساعات أبحلق مشدوهاً في دوّامة متوفّزة من الألوان المائية، المنسالة برفق وإبداع من ريشة الفنّان العظيم، المفقود، عدلي رزق الله..
يسرّني أن أبلغ الجماهير الهادئة بأن هذه المدوّنة المتواضعة / المنصّة المتعاظمة سوف تبثّ في غضون الشهر الحالي سبتمبر/أيلول عدداً من البوستات أتطرّق فيها الى ظاهرة من ظواهر الإنسان الراسخة والتي داعبت على مرّ السنين ما يتدلّى من أجساد البشر المهتاجة كثيراً: ألا وهيالحبّ. ذلك أننا وكما هو معروف قد شهدنا وتجاوزنا مؤخّراً حقبة تاريخية مباركة تلخَّص في كلمتين اثنتين لا ثالثة لهما: صيف الحبّ، ألفين وعشرة.
وبما أن الحدث الشخصي ما هو إلا انعكاس مصغّر للحدث الكوني العالمي الأعظم، فاعرفوا أن هذا الصيف المليء بالحب قد دخلته عن طريق رسالة تافهة وصلتي من وكالة الضرائب الفيدرالية، يخبرونني فيها بأنني تحوّلته من موظّف أمريكي عازب الى موظّف أمريكي متزوّج. وما أن وصلني الخبر حتى أسقط في يدي وأغمى عليّ أو بالكاد.. ثم سرعان ما عدت الى هندامي المعتاد ورفعت الهاتف - وهو الموبيل/الخليوي/الجوّال/البعكوكة - فاتّصلت بالأهل وبشّرتهم بالفرح الذي عمرهم ما كانوا يتوقّعونه. ولا يفوتكم طبعاً أن الحكاية دي كلّها أونطة، أيْ خطأ أحمق ارتكبه أحدهم في دهاليز البيروقراطية المدغمسة، خطر له أن يلاعب بالملفّات ويخلط الأوراق كما أحسب، إلا أنني قلت في نفسي: لماذا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؟ هكذا استيقظ شيطان الشعر، الوسواس الخناس، فاستدرجني الى مهمّة أعظم وأفشخ، وكانت الإشاعة. لم يتطلّب مني الكثير: توزيع بعض الهمسات البريئة والإيحاءات المليئة بين عدد محدود من الأصدقاء، ارتياد أماكن الثرثرة وجلسات النميمة بانتظام، ثم أخيراً وليس آخراً تزوير بعض الرسائل الغرامية المتبادلة بيني وبين المعشوقة هند رستم. التهمتُ التفاحة بحذافيرها، والنتيجة معروفة جيداً للجماهير الهادئة المشار اليهم أعلاه.
المهم أنه صيف الحبّ، وذلك لأكثر من سبب. فلقد تم تعيين الليدي كاجاقاضية من قضاة المحكمة العليا، ثم قبلها بقليل دخلت ولاية كاليفورنيا ومثلها جمهورية الأرجنتين الى مجموعة البلدان المعترفة بأنها لا تمانع كثيراً على اللواط والسحاق. لكن قوى الحبّ الكاسحة لم تقتصر على الأمريكتين فحسب، بل امتدّت الى ألمانيا حيث لقي أكثر من عشرين شخص حتفهم في تدافع أثناء مهرجان الحب في برلين.
ولا ننسى ما كان من اندلاع بئر النفط ثم سدّه سدّاً قوياً بعد ذلك، مما لا يخلو من بعض الرموز الجنسية لا شك.
وفوق ذلك كله، نطمئنّ الى أن السيّد باراك حسين أوباما ما زال رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، اذن كل شيء على ما يرام والحمد لله. أو كما قال سلطان الطرب جورج وسوف في وقت من الأوقات: لسه الدنيا بخير يا حبيبي، لسه الدنيا بْخييييير.
والآن، اليكم بالتدوينة الأولى من سلسلة الحبّ والهوى.
* * *
الطواف
أتذكر بوضوح أيام المدرسة الثانوية في تونس الخضراء، حيث كنا نتلقّى بعض الدروس النحوية من كتاب بعنوان "النحو العربي من خلال النصوص" بتأليف الأستاذ عبد الوهاب بكير، صدر عن الشركة التونسية للتوزيع سنة 1973. كما أتذكّر بوضوح تامّ ذلك الدرس المخصّص لـ"الجملة الواقعة موقع المستثنى"، والذي حفظتُ منه المقتطف التالي:
ثم إنّه حجّ فبينما هو يطوف بالبيت اذ نظر الى فتى من نمير يلاحق جارية في الطواف ويتبعها بالنظر. فلما رأى ذلك منه أتاه وقال له: أما رأيت ما تصنع أيها الفتى؟ فقال له الفتى:إني لم أرتكب ذنباً سوى أنني نظرت الى هذه الجارية، وإن لم تشأ إلا أن تعرف الحقيقة فلا تعجّل عليّ!
قد نُقل هذا الجزء عن أحمد بن عبد ربّه في كتابه العقد الفريد. لكننا لا نعيده هنا لما يتضمّنه من فائدة لغوية، أيْ الجملة الواقعة موقع المستثنى، بل نحبّ فقط أن نشير الى فحواه العاطفي البسيط، وما يشمله من براءة الشوق، وبلاغة العشق، وقوّة اللفّ والدوران.
فإن الرغبة من شأنها أن تولّد التعلّق، والتعلّق من شأنه أن يولّد الوجد والهيام، وما هذا الهيام إلا تعبير عن الاسترسال، والإطناب، والتبسّط في الكلام المنظوم: أي باختصار، الطواف بالبيت، الشعر. ليس من المستثنى اذن أن تجد شخصاً - وقد خالجه من الوله الشيء الكثير - متخبطاً في الطرقات الممهّدة جيداً، والتي هي ذات البنية المعمارية المنظّمة المنظومة، ثم وهو يهذي هذياناً معووجاً يعكس بشكل مباشر ما يقوم به من تفسّح وسير..
اذن فالطواف يمكن اعتباره على أنه عاطفة/حالة ذاتية تتّصف بتركيبة معيّنة، يترابط فيها كل من البنية المعمارية والحركة الجسدية والمياعة اللغوية، ثم تلاقي بعض الأشياء وتباعدها عن بعضها البعض مما يرجع أصلاً الى دوافع اللفّ، والتيه، والتحسّس والتكرار.
من هنا يجوز أن نتطرّق الى تركيبة ذاتية مماثلة، والتي تتلاقى مع الطواف في نقاط معيّنة وتتباعد عنه في نقاط أخرى، اذ أن هذه التركيبة الثانية هي وليدة هندسة معمارية مشابهة نعم لكنها مختلفة، كما أنها تتوافق مع تكتّلات مادية مغايرة، ويتعامل مع أدوات لغوية جديدة. هذه التركيبة الثانية اسمها الصرمحة. وهي ممارسة ترفيهية غرضها التعرّف على شخص لأهداف غرامية قد تؤدّي الى الوصال والجماع والمضاجعة والباه.
ويتوفّر هذا النشاط عادةً في الأماكن والمساحات ذات التصميم الهندسي المعماري اللائق، أيْ التي تتيح درجة عالية من الازدحام والدوران: المجمّعات التجارية الحديثة، الكورنيش، الميادين، الخ. أما البعد الخطابي، فإنه يجري على منوال الاقتضاب، والإيجاز، والغمز واللمز..
*(رسائل كلاسيكة) هي مجموعة من الخطابات المتبادلة بين الحرّ الفقير وبين العلامة العظيمة، شمس اللغات وكوكب اللهجات، صاحبة الثلاثية المثلّثة الأستاذة كريستن بروستاد. ورغم مرور شهور كثيرة على تأليف هذه الخطابات، إلا أني لم أجد غضاضة في نشرها هنا، وإلصاقها ببعض التطورات العلمية والمستجدات المعرفية التي طرأت على النصّ الأصلي.
أيتها الأستاذة الكريمة، تحيات طيبة و بعد،
هنا بضعة حقائق وقفتُ عليها، وعدّة مشاهد تفرّستُ فيها:
فلقد اعتاد البشر المسالمون في عصور الجاهلية البائدة: (1) ارتياد أماكن البهجة، (2) والتنزّه في الحدائق الغنّاءة، (3) إضافة الى ما عُرف أيامها بدلج الليل(!). إلا أن الواحد منّا يجب ألا يتغاضى، ولا يشيح بالوجه ويتناسى، عن تلك الطقوس التي كانت تقامْ، وتلك الشعائر التي امتلأت فسقاً ولوثاً وحرامْ، في البيت الذي شيّده النبي ابراهيم عليه الصلاة والسلام. ولا تتبقى لنا دلائل ثابتة، ولا قرائن نابتة، تصوّر لنا ما كان يجري بجلاء ووضوح، كما أنه لا ينفعنا النقد والفقد والجرح المنكوء، المفتوح. فليكن هذا شغل الصحافيين والقناوات الفضائية. المؤكّد على كلّ حال ما كان تحظى به الكعبة في العهود المنصرمة من متعة ولذة وهيبة واحترام. ومن دعائم هذه الحال، وركائز هذا الرونق والجمال، ما كان يجري من تعليق القصائد السبع المختارة، وكانت المعلّقات. فهنا مجال غني للبحث، ومساحة ثرية للتحرّي والفحص: العلاقة بين سطوح التدوين، وعمليات التقييم، ممّا يلقي بعض الضوء على عناصر الذوق والتأمّل والفيس-بوك اللعين.
إن ما يلفت النظر في قضية المعلّقات هو ارتباط الاسم بالسطح الذي عُرضت عليه. اذ كانت قد عُلّقت، فجاءت التسمية تعكس هذا الوضع. ولم تكن هذه العادة غربية على عواصم الشرق، فقد عرف الفراعنة وحضارات ما بين النهرين قصوراً ومعابد وبرابي ازدانت حيطانها بأشكال الأدب والكتابة الظريفة. كل هذا مألوف، معترف به، مشهود له بالقداسة والأناقة والفنون الجميلة. فتوافد الناس أفواجاً من أطراف المعمورة المتباعدة، فسكنوا فيها أياماً، مندمجين في أعمال التهتّك، منخرطين في الدعة والتسيّب. وأشْعِلتْ المباخر وتشوّشت المشاعر، بينما ترفرف المعلّقات متدلدلة فوق الرؤوس. واستمرّت الأحوال على هذه الأشغال لأمد طويل، وجاء الإسلام فاستبدل القصائد بآيات القرآن الكريم: لكن بقي الوضع واحداً: كلمات تُكتب على الحائط، تُعبد وتقام حولها طقوس الدين والدنيا.
هبّت الرياح واكتسحت العالم قوات الحداثة الشهيرة، توسّعت أنظمة الملك الخاص والبورجوازية القلقة، القابعة في بيوتها المنعزلة: خلايا ميّتة لا ترتبط ببعضها البعض، تستشري عائثة في الأرض فساداً. واذ تمّ فصل القشرة عن القاع (مرّة أخرى، لكن بطرق جديدة)، كما تمّ فصل البراز (لا مؤاخذة) عن الشوارع والزواريب (وماعادش فيه زواريب كمان!). ونزلت الخرسانة في الأراضي، فتمّ بناء الحيطان العامة. هنا غدت المخربشات، وأنواع الكتابة الأخرى، ممنوعة على هذه السطوح. الى درجة أننا رأينا قيام بعض الحملات الحكومية، والمشاريع المدنية، ضدّ ما يسمّى بالجرافيتي والتخريب. فنظام النظافة قد حكم، ومساحات التدوين قد ضيقت أكثر فأكثر.
لكن عبثاً. فقد انتصرت المخربشات وحقّقت لنفسها قيمة فنية رسمية، الى جانب إدراجها في ترسانة أسلحة المقاومة. وبينما استمرّ التوتّر ما بين الجهتين - مع وضد المخربشات - إذ هبطت على رؤوسنا مساحة جديدة للتدوين ألا وهي الانترنت. وبعث أذرعه الأخطبوطية الى كل بيت، الى مقابع البورجوازية كما الى مصانع المهلبية. وأقيمت الحيطان مرّة أخرى، فيما يسمّى بالفيس-بوك، وأجيز نوعاً من الكتابة هناك.
وهكذا كان، لولا أننا نشكّ في صلاحية الرواية التاريخية المعتادة، التي تمحو التفاصيل وترجّح كفّة التعميم والمواويل. فالوقوف عند المعلّقات دون أجناس المخربشة الأخرى سيلقي بعض الضوء أيضاً على حوائط من عالمها، ومساكن أحداثها، إضافة الى جوانب لا بأس بها من الحياة اليومية التي كانت تعجّ بها وتحيط. وأول ملاحظة في هذا السجل موضع القارئ الحاجّ، القادم الى بيت الحرام من مكان قصي. كيف يتعاطى مع هذه الأبيات المعلّقة، وهل يسمح له بالدخول اليها أصلاً؟ وهل تكون تجربة تلقّيه لها شفوية أكثر، أم بصرية؟ ونشكّ في كونه حاجّاً، اذ أكثر من كان يصادف هذه الكعبة بمعلّقاتها كان ولا بدّ من أهلها المختارين لرعايتها والحفاظ عليها. كاهن، مثلاً، حضر الى البيت كل يوم سبت، كي يسقي الأصنام ويرشّ العطر والورد. ولعلّه توقف لحظة، واستنشق الرائحة الصخرية الفذّة، فتفكّر:
- أكان عنترة أشعر، أم إمرؤ القيس؟
ودسّ يده في جيبه، وأخرج قلماً، فدوّنه اسمه وتاريخ ميلاده على جزء مظلم من الحائط .
المخلص،
---
ثم وبعد المزيد والتفكّر والتأمّل ، قرّرت أن أتراجع عن بعض الأفكار التي قدمتُها هنا، فلقد رسى يقيني على أنه لا يجوز تناول الحائط على أنه شيء له تاريخ في حد ذاته، إنما الأصح أن نبحث في العمل وراء الحائط، وتحته وأمامه في بعض الأحيان. هذا نظراً للفرق الهائل بين البيت الحرام ومعلّقاته من جهة، وبين الفيس-بوك وحائطه من جهة أخرى، من حيث الجهود والنوايا والممارسات الجارية وراءه، وتحته وأمامه في بعض الأحيان. وهذا خطاب آخر سأكتبه في اللاحق بمشيئة الربّ عز وجلّ