18 نوفمبر 2012

مدّعي الفلسفة برخصة

مدّعي الفلسفة برخصة

وشكراً لجميع الأطراف

01 نوفمبر 2012

الأسماء القبحى



 
الأسماء القبحى

أفكّر في عملية تسمية جديدة، الهدف منها التمويه، والتشويه، والتلوّن أسوةً بالحرباء .. وهذا ليس لشيء سوى أن الحقب توالت، والعصور تعاقبت، والإسم الذي لا يلحق بركب السمسمة والأسماء قد تجذب إلى مسمّاها ما لا يُحمد عقباه..

17 أكتوبر 2012

ذمّ السخام والتحذير من السخمة



ذَمُّ السُّخَامِ وَالتَّحْذِيرُ مِن السَّخَمَة

سبحان من خلق ومن صوّر، المدوّنة دي أخيراً جالها اول سخام فضائي، ويسمّونه بلغة الفرنجة "سبام" بسكون السين وتفجير الباء، إنه لشرف كبير أن نمرمغ صفحاتنا المشرقة بهذه المادّة اللزجة المنافرة للمناخير والأخلاق الحميدة، ومن أوستورايخ كمان، أنا عن نفسي مش ناوي أزور موقعهم بس شكلهم شوية زبّالين من الطراز الديني، ربنا ينصرهم ويفطروا على ريحة الزلط المجلفن إن شاءت الآلهة.

ونعلم ان الخالق قد رفع بعض المدوّنات فوق بعضها درجاتٍ لعلّها ترزق بما لم ترزق به غيرها وإن كانوا مجلفنين.. والمعلوم كذلك أن أعلى درجات المدوّنات هي التي تجذب السخام وتغريه إغراء السبانخ لقطعان القراميط في يوم بخّاخ ومهبّب.

ولما انتشر السخام في أرجاء البسيطة وأعماق البحار رأى أرباب القوم أن يواجهوه مواجهة شرسة بغية استئصال هذه الأورام الخبيثة واجتثاث الجراثيم الظريفة، ولم يكفِ أن يقولوا لها بطّلي ظرف، لأ، كانت الإشكالية أعوص من ذلك بأرطال، في مثل هذه الحالات لا تنفع المواجهة المباشرة لا، الأمر خطير ويقتضي أفعالاً خطيرة، لذا تفنّنوا في الميثولوجيا، وسلكوا دروباً في المروت الموحشة والأراضي المقفرة، فأقاموا الأصنام وأنطقوها إنطاقاً ليعلموا القوم أن الخطر الجسيم والعقاب أليم نعم أليم، ثم ما كان منهم إلا أن أشعلوا في أصنامهم النار وعلى طقطقة الخشب المتآكل لهباً ولمعاً جعلوا يسمّونها هذا شنقناق، وهذا شيبصان، وهذه سملقة وهذه زوبعة، وهذا شقلون، وهذا مرمطون، وهذا كان وكان وهذا خونرت بام، أما هذه الأخيرة، الشقية المنتشرة، اللبؤة الشرسة فلنسمِّها سخموط بفتح السين وسكون الخاء وإطلاق الميم بعد سدّه، أمّا الطاء فيُنطق إذا عرفتَ إلى ذلك سبيلاً، ويُترك إذا كان المطر هاطلاً هطيلاً، ففي ذلك هلاك مبين إن خالفت.

وتسألون عن سخموط، وما أدراك ما السخموط، قل أنتِ اللبؤة المجرجصة، الصائدة المعرّصة، أنت الحرباء الفوّاحة والواطية الردّاحة، تتقصّع وتتلوّى، تستشري وتتهوّى، أنت الواغلة الواغشة العاكشة المتعوكشة (من عكاشة)، تتقاطر زبداً وزغروطاً ،تسيل دماً عبوطاً، أنت النفاثة في العُقَد والبثاثة للحُقَد، جاءت أيامك بيضاء لما كانت سوداء، وكأسك صهباء لما كانت صفراء، جك قرف يا شرشوح يا للي ستين منك بلحلوح! هيهي.

وهذا دعاء الذمّ، وإذا أردتُه مدحاً فغيّر من لهجتك يا قاسي يا بارد.

والثابت عندنا أنهم سمّوا السخام بالسخموط لكثرة السخمطة فيه، وهي كلمة يشرحها لنا الأستاذ الدكتور يوسف زيدان في كتابه كلمات: التقاط الألماس من كلام الناس إذ يقول:

رحتُ أتساءل ما بين نفسي ونفسي عن معنى هذا الفعل سخمطة ... وبلطف شديد، سألت أمي عن معنى الكلمة فقالت: بس يا ولد! ولم أفهم شيئاً . بعدها بأيام، وبلطف أشدّ، اقتربت من أحد أخوالي، وسألته عن معنى سخمطها فقال زاعقاً: بس يا ولد. (65)

ولأني أرى للاستطراد والاستفاضة فوائدة عظيمة، فلا بأس أن نتفكّر قليلاً في هذه الأزمة الدلالية التي مرّ بها الأستاذ يوسف زيدان وهو في العاشرة من عمره، إذ تناهت إلى مسامعه كلمة بذيئة لم يتبيّن معناها ولا مغزاها، فذهب مستفسراً مستجدياً إلى الأمّ.  ولماذا يا ترى ذهب إلى الأمّ؟ أولّاً لأن الأمّ هي مصدر اللغة والقادرة على فك شيفراتها المستغلقة على العيل الصغير المتلعثم. وبالإضافة إلى ذلك من الجدير بالذكر أنه لم يسأل عن المعنى فحسب بل أراد فهم الفعل، قال "معنى هذا الفعل سخمطة" ولم يقل "هذه الكلمة سخمطة" وفي ذلك دلالة مؤشّرة وحثالة مقشّرة.  علشان يوصل لجوهر المعنى كان لازم يعرف السخمطة تتعمل ازاي، لذا كان الردّ مناسباً مفيداً: بس يا ولد، والبسّ معناه بوسة.  ثمّ ذهب مهرولاً إلى الخال وليس العم، لأن الخال يقرب للأمّ وإن طرح السؤال بلطف شديد هذه المرة فهذا لم يمنع أن يجيء الردّ واعظاً رادعاً، مما أحدث عنده بلبلة في التفكير وتساؤلاً دائماً عن المعنى المقرونة عنده بالعنف والأهمية فظلّت متهرّبة منه في غياب الأب\الأصل، الذي دفعه إلى الانشغال بعلم الاشتقاق فيما بعد. ويقول:

ومضت سنون طوال، ثم سمعتُ الكلمة مرة أخرى، في سياق آخر، ورحت أفكر في الأصل الذي جاءت منه سخمطة، فبدا لي أولا أنها استخدام عامي للكلمة الفصيحة (السخائم) وأنها مشتقة منها على نحو خاص. غير أن السخائم التي هي الكراهية المكبوتة والغل الأسود ترتبط بالشعور الجواني الكظيم، لا بالفعل البدني المروّع، ومن ثم فهي بعيدة عن السخمطة، وإن اشترك في الكلمتين حرفان من أقوى الحروف العربية نطقاً: السين والخاء. وظلّت الكلمة تخايلني، وظللت أتأمل معناها ومبناها، حتى طفر في ذهني فجأة أصلها القديم: سِخْمِتْ. (66)

المهم بالنسبة لنا أن نفهم أن الآلهة سخمت دي كانت أروبة، بتنزل في الناس سخمطة وبهدلة وويلاتٍ عظيمة، اقترن اسمها بالحروب والدبح، لذا يقول الأستاذ يوسف زيدان أن سخمت ولدت سخمطة وهي كلمة مرتبطة بالهلاك ومفادها النكاح غصباً.  ولهذا كله لم تكن تسمية السخام بسخموط ببعيدة بل كانت بمناسبة ملائمة تفيد بالغرض.

لكني أرى للاستفاضة والإسهاب والرغي والإطناب فوائد ضخمة، فأقول: إننا في هذه الفقرة الطافحة بالمعاني المتخابطة نرى الأستاذ يوسف زيدان وهو يروي لنا رواية ظريفة عن هوسه بالتأصيل، الذي أراه منبعثا من حاجته إلى الأب المفقود/غير الظاهر، وإثبات نسبه ونسله وأصله وفصله.  لكنّه لن يصل إلى هذا الثبات، فيقول "طفر في ذهني" والطفرة فرع وليست بأصلٍ، ثم يُرجع الكلمة إلى الآلهة الفرعونية سخمت، بعد إبعاده للأصل العربي الفصيح.  ذلك أنه في غياب الأب لا يجد معنى ولا ثبات في لغة الإله العربي الواحد، بل يذهب أبعد من ذلك إلى بلبلة الآلهة القديمة فيثبت عنده أن السخمطة من أصل هذه البلبلة، بل إنها من أصل إلهي وثني متعدد الأشكال، سخمت نفسها تتلون وتتغير حسب الموسم والعبد ومحصول الحصاد، رأسها لبؤة وجسدها بشر. إذن لقد وصل إلى تعدّد ولا توحيد، واكتشف تنوعاً متبدّلاً لا ثباتاً متكوّناً.

إشفاقي كله على يوسف ليس لأنه لم يصل إلى الأب، إنما لأنه نظر في الاشتقاق والتأصيل سبيلاً إلى المعنى، وبهذا نبذ الحياة الدنيا وهرب إلى الحروف والتاريخ، فغفل عن الحياة والتجربة والاستعمالات اليومية التي تولّد المعاني أصلاً، السخمطة وغيرها من الكلمات تولد وتتوالد وتفرّخ وتتفارخ في سياق الشد والجذب، والعبث واللعب، والنقاش والوفاق على هذه الأرض المسخمطة بترابها وسخائمها المتلبلبة الدسمة المتنفسة. ومعنى هذا كلّه، إن صح كلامي، أن الفعل سخمطة ما زال مستغلقاً على الأستاذ يوسف زيدان، وأن السخمطة بعيدة عنه كل البعد، والحمد للآلهة توحّدت أم تكاثرت. إنه الأستاذ يوسف زيدان بكر لم يمس، ولم يمارس هذا الفعل النكر ولم يُمارَس عليه.

لكن ذهبنا بعيداً عن الغرض، فكان القصد أن نفهم العلاقة بين السخام الذي أصاب هذه المدونّة وبين الصنم سخموط الذي اُختلق بغية القضاء على السخام رمزياً وروحياً.. نفسيات الأستاذ يوسف مثيرة لكن ما أريد إبلاغه هو أهمية تحويل السخام إلى صنم، وهو سخموط، وقد تلوتُ عليكم أيها المصابين بالسخام الدعاء اللازم لمواجهته، فذممت السخموط وحذّرتكم من السخمطة.

26 سبتمبر 2012



طالع السيدة اعتماد خورشيد مجددا

يتهيأ لي العبد الفقير البهي، أن أجدد هذه المدوّنة السابحة من حين لآخر، لكني للظروف الراهنة، الأشغال الفاتنة، لم أجد سوى التكرار سبيلاً لبعث الروح في هذه المساحة الالكترونية.
لكنها ليست تكراراً مراراً فحسب، إنما يسرّني أن أبلغ القراء الأحرار أن هذا الطلسم يمثّل بالنسبة لي طفرة ظواهرية عظيمة، وسحقاً لأولئك الذين لا خيال لهم وتباً لأعداء الفنّ في ربوع بروكلين، هنا علامة من علامات المعاني الحسنى ومن تأخر فله هدى الصراط وموفّق الاستقامة آمين.


19 أغسطس 2012

فكّ الله سجنك يا أوري

فكّ الله سجنك يا أوري

في الرابع والثلاثين من شهر تلاتاشر المِتْعَوْكَش ، والوقت ما قبل العصارى أو بعدها بمقدار غير ملحوظ، كان جالساً القرفصاء في مكتبه المكتظّ بعدد متزايد من النمليات أي الخزائن الطولية التي بها درفة أو درفتان وتحفظ بها الأشياء ، يتنفّس من الأعماق ويمارس ألوان شاذّة غير مباحة من الفنون اليوجاوية، هذه انحناءة تكشف له ما تحت التربيزة، وهذه طأطأة من رأسه تزيد الرؤية إعوجاجاً وانبعاجاً، أمّا هذه فوقفة صامتة تعلّقه في الفضاء بحيث لا يلامس طرف من جسده لا الأرض ولا السقف، يحلّق، هذا وضع دقيق جداً ويتطلّب منه التركيز الكامل والصفاء التامّ وإلا كان من المحتمل جداً أن ينهار كل شيء، النمليات، الملفّات المرصوصة فوق التربيزة، الشجيرة اليابانية المجلفنة حديثاً، حوض السمك، ماكنة القهوة والطماطم المجفّفة، حتى هو قد ينهار لو فقد هذا التركيز الذي لا يضاهيه شيء..

غاب عنه الوعي أو بالكاد، هذا إنجاز، فقط الأصوات تصله الآن عبر حاسّته الوحيدة التي لم ينجح بعد في ترويضها ولا في تلقينها درساً، ظلّت عنيدة تقاومه، فرّت من أصفاد الزهد والتركيز، لذا كان في تعلّقه هذا في الفضاء عرضة لخطر واحد، السمع، الممر الذي قد يتسرّب إليه طرف من الموجودات، أو ثقلٌ ظواهري كما يسميه، حينها، سرى في مفاصله وهنٌ، وانتابته رعشة من الفزع الممزوج بعكارة الاسنتفار، هذا كله ناجم عن إدراكه بأن حاسّة السمع قد تقضي عليه، لذا شدد الحزام وعزّز التركيز وأمعن في البصر إلى بقعة ثابتة لعله يتفادى أمراً محتوماً..

حينها، حينها فقط، جاءه هاتف.

اللعنة! قال.

ليس من الضروري أن أصف لكم كيف كان سقوطه إلى أرض الواقع – لا ليس سقوطه، بل زلّه، المؤكد على كل حال أنكم تعرفون زلّه أو سقوطه والصوت الذي أحدثه ارتطامه بالبلاط _ أو الخشب إن شئتم _ ها هو قد زلّ فسقط فهبط ، ثلاث مرّات، هذا لأن تركيزه وتعلّقه في الفضاء كان مثلثاً، فالزلّ أيضاً مثلّث، هذا كلّه مردّه ذاك الضعف في حاسّة السمع التي لم يتمكن بعد من ترويضها ولا تلقينها درساً.  فقد جاءه هاتف.

لكن أي هاتف هذا الذي يرنّ؟

بحث عنه في جميع النمليات، هناك هاتف أي تليفون بداخل كل نملية، لا يدري أي هاتف يرنّ،
والنمليات بعدد نوابت الفطر في يوم رطب ومهبب، أمّا الهواتف المشحونة بجوفها فحدّث ولا حرج..
ثمّة ، على أقلّ تقدير ، ثلاثمئة وخمسة وستّون نملية، إذا ما استثنينا الدولاب القائم بنفسه – والدولاب على أية حال ينشقّ عن فصيلة أثاثية غير التي تنتمي إليها النملية ولا تنبت في العادة في نفس المناطق – ثمّ أنّ هناك لكل نملية درفتان إذا فتحتم احداها ستجدون بداخلها أربعة رفوف، وعلى كل رفّ ستجدون عدداً من الأجهزة الالكترونية التي لا يُعرف غرضها على وجه التحديد، مرصوصة بعناية ممرّضةٍ شمطاء، وبين هذه الأجهزة، إذا وفقكم الحظّ، ستجدون هاتفاً يرنّ، تلتقطونه فيوصّلكم بالطرف الآخر من الخيط، والخطّ أحياناً.
كان عليه أن يتقلّص ويكشّ فيتضاءل حجمه إلى حجم الوريقات المتساقطة من الشجيرة اليابانية – المجلفنة حديثاً – إذْ رغب في التقاط ملقط الهاتف بأسرع ما يمكن، هكذا يتسنّى له مرونة الحركة والانتشار.

أيّ هاتف من الهواتف يصدر عنه هذا الرنين؟

لا أطيل عليكم: التقط الجهاز بسرعة الفطر النابت، قال أفندم؟

قال الهاتف إنّه يتوجّب عليه أن يجمع بين أوري وبين توفيق عكاشة في قصة قصيرة جداً، أو قصيدة نثر، أو غيرها من الأشكال النثرية الوروارية،

قال فرغتُ من أمر عكاشة ولن أعود إليه، أما أوري فاسمع جيداً أيها الهاتف البذيء:

***

تعتبر إنديانا من ولايات السهول الأمريكية، وإن مالت كفّتها نحو كفّة أوباما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة فهذا لا يمنع أن تكون موطناً للجرابيع والكلاب الضالّة، مظاهر الحضارة الوحيدة فيها تجدونها محاصرة منحصرة في فقاقيع جدّ الرقّة بعدد البجعات في حفلة القروش، اُستدعيتُ مرّة إلى احدى هذه الفقاقيع من أجل لقاء مهمّ مع كهنة المتنبي وأبي تمّام، لم يمسَسْني سوء خلال هذا اللقاء، وإن لم يمسسني خير أيضاً، خرجتُ منها ولم أعُدْ.. شيء آخر عن ولاية إنديانا: يميل أهالي تلك الجهة إلى نطق حرف الـ\ɪ\ بدلاً من حرف الـ\ɛ\ إذا ما وقع قبل إحدى الحروف الأنفية، وهو الأمر الذي كان يسبّب لي بعض الحيرة في التمييز ما بين الرقم عشرة وبين الصفيح، أو بين القلم والدبّوس، أو حتى التمييز بيني أنا وبين الصندوق، يا للغرابة.  الغرض: خرجتُ منها ولم أعد، لذا ارتبكت حين سمعتُ بوفود الرفيق أوري الأحمر إلى تلك الجهة، أي انديانا، بل اُسْتُدْعِيَ إلى نفس القفاعة (أظن أنني عرفت تشكيل « اُسْتُدْعِيَ » لأول مرّة في تلك الفقاعة، وذلك بفضل مَن سمّتْ نفسها بالمستقيمة باللغة الأوكرانية، جُعلتُ أنا فداها ولها الشكر إذا ما صادفتْ هذه السطور لا سمح الله). الغرض: خرجت منها ولم أعد، لكني استغربتُ كل الاستغراب حين سمعتُ باستدعاء أوري إلى تلك الجهة، ولهذا تفصيل.  

غابت عني أخبار أوري وإن لم يغب عن ذهني، خشيت أن يجري له مكروه في تلك الولاية الحمراء، وإن كان هو الآخر أحمر فنحن في بلد اختلطت فيها الرموز والإشارات، فصارت الليبرالية تعني اليسارية (إن وجدت) وصار الهجوم المسلّح يعني حقّك المكرّس في المادّة الثانية الملصقة بالدستور، أمّا الأحمر فصار يعني محافظ من الحزب الجمهوري وكأن الاشتراكية امّحت عن الذاكرة الجماعية، الحقيقة أن أوري قدها وقدود، منبع الخوف الوحيد لديّ أن يختلط عليه بعض الأمور، فرغم أن تلك الفقاعة كانت تؤوي منذ عقودٍ معملَ الأستاذ الدكتور ألفرد كينزي وتجاربه الأسطورية في فنون المضاجعة وعلوم النكاح ، إلا أن كل ذلك امّحى أيضاً عن الذاكرة الجماعية، واندثرت حفلات الطواف والمجون في الشوارع التي أقيمت عبادةً للرقم عشرة (وقيل هذا من ترّهات الفسّاق، ولم يحدث شيء من ذلك، إنما أقيمت الحفلات إشباعاً للإلهة عشتار، فحرّفها العامّة إلى عشرة، والتي تعني في الأصل «صفيح»، ولم يتأكّد من ذلك).  خشيت أن يختلط على أوري بعض من هذه الوقائع التاريخية، فيظنّ أن الفقاعة مكان يبتسم للطماطم المجففة، وجبن المعز، وعلامات أخرى للحضارة.. والحقيقة أنها فقاعة تبتسم نعم، لكن على السطح، وفي بعض قاعات الجامعة.

العجيب أيضاً في تلك البلدة، أنك تجد فيها مكتبات تفوق وتتفوق على المكتبات القليلة المتواجدة في أراضي عوسطنة على سبيل المثال، فهذا شأن فقاقيع المحافظات تجدها تذخر مفاجآت حضارية
عجيبة، كما أنني أذكر أن مجلس البلدية أصدرت بياناً رسمياً اسنتكاراً للحرب على العراق، وأقرّ حدّاً عادلاً للأجور، كما أذكر أنه أشيع في تلك الأيام أن الاستخبارات الأمريكية أطلقت طائرة حربية للتنصّت على بعض الطلبة هناك، ولكن..

رغم ذلك كلّه، ما زالت الشوارع في تلك الفقاعة تعاني من ظاهرة غريبة هي عبارة عن فامبيرات – أي مصاصين للدماء – متجولين في عربات احدى المنظمات الصحية، والأغرب أنها تظهر في ضوء النهار، تصول وتجول وتختطف الذين يتمشّون بالشوارع على غير هدى.

لم أخفْ على أوري من شيء، قدر ما خفتُ عليه من هذه الفامبيرات المتجوّلة بالعربات، فيظنّها أماكن للتطوّع بالدم مثلاً، بينما هي في الواقع أماكن للخطف والسلب والبعبصة والاستشهاد.

جرت شائعة في مواقع الاتصال الاجتماعي أن أوري تمّ حبسه في معمل الأستاذ الدكتور ألفرد كينزي بعد اختطافه على أيادي عبدة الصفيح، وقيل الرقم عشرة، وقيل عشتار، وسرى همس بأنه يتعرّض لألوان شاذة من الفنون اليوجاوية، وأنه تُجرى عليه تجارب نكاحية أعدّ لها الأستاذ الدكتور في كتابه الرابع الذي لم يصدر .. فاقتحم الأهالي معمل كينزي وأحرقوه لكن ذلك لم يسفر عن شيء، ولم تظهر للخبر صحّة، قلتُ لهم هذا غباء، الأستاذ الدكتور توفي منذ سنين الله يرحمه.  أما الجنس فلا يُمارس أصلاً في هذه الفقاعة.

بعث أوري برقية للصحف مؤكداً أنه تم اختطافه على آيادي الفامبيرات المتجوّلة.  وقد تمّ حبسه فعلاً، لكن تفاصيل الواقعة على خلاف ما يروى بين المتندرين والمتلمظين شفاههم.

وتبيّن أنه قد حاول التفاهم معهم، ودعاهم إلى التعقّل، قال إنه يتفهّم رغبتهم في دماء البشر، لكن الاختطاف يخالف الأدب، بل والذوق، ثم يسعده أن يجلب لهم وعاء به قطرات طازجة من دمه لكن المصمصة من جلد العنق مباشرة حرام شرعاً، وتسيء إلى سمعة البلاد،

حينها قامت شيخة المنصر وهي متنكرة بهيئة ممرّضة شمطاء قائلة: لدينا أوامر من القيادات العليا بالقبض عليك لأنك تجرّأت على التحدّث معنا، فهذا ويسبّب لنا الحرج، بل والخجل، وحقّ الصفيح إنني لقابضة عليك!

لكن الله أراد أن يفكّ عن حبس أوري بعد مرور شهر على تلك الواقعة، فأرسله إلى بلاد غير هذه البلاد، حيث تنفس من الأعماق سعيداً بالهروب من الفقاعة قبل ذوبانها.

-الصندوق

---

تحديث: بعد قراءة هذه التدوينة مرّة ثانية أدركت أنها تذكر البعيد توفيق عكاشة مرتين، ولعلّ القصد من ذلك محاولة مضغ بعض الألفاظ البذيئة وبصقها على الورق الالكتروني، وليس ثمة ما يربط بينه وبين أوري على ما أدري. أما ولاية إنديانا، وتحديداً بلدة بلومينجتون، فهي مكان حقيقي تجري فيها أحداث قريبة جداً من الوقائع المذكورة ههنا.

28 يونيو 2012

الساقي

الساقي

خَرَجَتْ نَادِيَةٌ تَتَنَزَّهُ بِقَيْصَرِ
وَفِيدُوٍّ وَجَاكٍّ وَالْكَلْبِ الْعَيْسَرِ

هو هـيكتور هـيو مونرو، ينتمي إلى الجيل الضائع من الغنادرة (والواحد منهم: غندور، وقيل أيضاً هم المنحطّون) السادر في غيّه السابح في حقبة الترف والبذخ في انجلترا عشيّة الحرب العالمية الأولى، مثله في ذلك مثل أوسكار وايلد وأمثاله، شقي واستعراضي وذو طابع طرخشقونيّ.
وقد لقّب نفسه "ساقي" وهو اسم استوحاه من رباعيات عمر الخيام الشهيرة في أوروبا في ذلك العصر، كما أنه إشارة خفية إلى التباسه الجناسي والأدبي حيث أن شخصية حامل الكأس هو العابر بين قطبين، قطب اللاهوت وقطب الناسوت، يسقي السائل الأصهب المسروق لينزل إلى البشر تنزيلاً مقدساً ويبشّره تبشيراً منتشياً.


ورغم إعجابي بفكرة الغندرة واحتمالاتها اللانهائية، إلا أنني لا استطيع القول بأني استقي من هذا الكاتب أنموذجاً لممارسة الحياة، ذلك أن توجهاته السياسية مكروهة بالنسبة لي حيث انه مصاب بداء الرجعية الساخرة العنيفة غير المبالية والتي تجعله يسبّ النسوية ويتهكم من الاشتراكية كما انه ينبذ التكاتف الاجتماعي على أنواعه ويشمئزّ منه، ثم إنه دعا إلى الحرب الضروس التي مات فيها فقد أصابته رصاصة طائشة وهو مخندق في خنادق فرنسا وكانت كلمته الأخيرة: طفّي السيجارة يا غبي!
هذه الرجعية التي بينها وبين العدمية المطلقة شبر قصير وقصير جداً، رأيتها لدى الوهلة الأولى تتناقض وميوله المثلية في الجنس، ثم قلت في نفسي مستدركاً بل لعلّها نتيجة طبيعية لانغلاق المجتمع آنذاك، والتشاؤم النرجيسي الناجم عن حياة قضاها بين الظلّ الفاتح والظلّ الغامق لكن الاتنين ظلّ برضو فما العمل، ثم قلت في نفسي مستدركاً استدراكة ثانية إن كلّ هذا تبسيط مخلّ للأمور، وإنّ المثلية الجنسية موضوع يختشي منه الكافر والمؤمن والمفروض الا نتكلم عنه هكذا لأن كل واحد عنده مصلحة وكده ونحن نخشى الاستعراض والتراشق بالتسامح المزيّف المعروف عند البورجوازية الصغيرة والمتوسطة والفاميلي–سايز .. كل هذا دار بخلدي وأنا بعدي تلميذ في السنة الأولى أو الثانية في الجامعة أستكشف بهجة العالم وأجرّب كافّة ألوان الغندرة بين كأس وسيجارة وخندق وظلّ ..
والحقّ ان العديد من الروائيين والأدباء الذين أعجب بفنّهم إلا أنني أجد أفكارهم السياسية المعلنة بغيضة مكروهة غير محبّذة، جمال الغيطاني، الجاحظ، أنثوني بورجيس على سبيل المثال لا الحصر..
لكن كل هذا غير مهمّ، نحن لا نقرأ الروايات علشان نتعلّم أكثر عن الاشتراكية أو الرأسمالية أو النيو-ليبرالية، بل إننا نقرأ الروايات – أحياناً – علشان نعيد صياغة ما هو سياسي وما هو أدبي، وعلى هذا النحو نستقي دروس سياسية مفيدة من كل هؤلاء، نتعلّم من أنثوني بورجيس مخاطر المزيكا الكلاسيكية في خدمة الدولة التربوية الانضباطية، نتعلّم من الجاحظ – والغيطاني أيضاً – شيئاً من الإيرونيا، والرسائلية، وأخيراً وليس آخراً السجع وهو فعل سياسي بالدرجة الأولى، يزعزع تركيبة الجملة المهيمنة ويؤجّل الالتجاء إلى أغلال المعنى الثابت المحدّد.


ومن الساقي نتعلّم الكثير أيضاً.  ومن آي ذلك ما يأتي في قصته " بنت عمّك تيريسا " – والتي آثرت تعريبها فعنونتها " نادية " كما في القصيدة أعلاه.  وفي هذه القصّة التي أترجم فقرة منها نتعلّم كيفية صناعة الدودة في آذان الناس، أو الـ"أورڤورم" كما يقول الألمان.  " نادية " هي قصة شاب ثلاثيني ضائع واسمه لوقاس، يعبث كغيره من أبطال "ساقي" في جوّ من التخاذل الارسطوقراطي العبيط، وهو منشغل طول الوقت بطبخ الأفكار الموسيقية العظيمة التي كثيراً ما تبوء بالفشل، إلا أنه هذه المرّة ينجح نجاحاً باهراً ويسحر شعب لندن العظمى بأغنية عصماء فينتهي به المطاف إلى تكريمه فارساً من فرسان الممكلة، وفي هذه القطفة يروي لنا لوقاس لحظة الوحي التي تمخّضت عن هذه الأغنية-الأورڤورم.

- واتاني الوحي حينما كنت أرتدي ملابسي صباحاً، هكذا تولّدت بذرة الفكرة في ذهني، وستكون حدثاً جللاً في سهرات لندن الموسيقية عمّا قريب.
هكذا أعلن لوقاس وقد أخذته نوبة من النشوة والاندفاع الجريئان، فاستطرد قائلاً:
- وسيجنّ جنون لندن برمّتها.  هما الآن بيتان اثنان فحسب، وسأضيف كلمات أخرى فيما بعض لكنها ليست مهمّة. اسمع:

خَرَجَتْ نَادِيَةٌ تَتَنَزَّهُ بِقَيْصَرِ
وَفِيدُوٍّ وَجَاكٍّ وَالْكَلْبِ الْعَيْسَرِ

هي نغمة فيها من الخفّة قدر ما فيها من الجذب والإغواء، نعم، ونختمها بثلاث دقّات على الطبل تتزامن مع حروف "عيسر" – عَيْ-سَ-رِ . تك تك تك.  إنّه لحدث جلل، نعم.  ولقد تروّيت تروياً في العملية بأسرها وخطّطت لها تخطيطاً كاملاً ، سيغنّي المطرب البيت الأول لوحده، وعند البيت الثاني تخرج الآنسة نادية إلى خشبة المسرح تتبعها أربعة كلاب خشبية بعجلات، الأول قيصر وهو كلب صيد ايرلاندي، والثاني فيدو وهو كلب لولو أسود، والثالث جاك وهو كلب صيد بريطاني، أمّا الرابع – الكلب العيسر – فهو، بالطبع، كلب عيسر.  وعند البيت الثالث تظهر الآنسة نادية لوحدها، ومن الجناح الآخر للمسرح تأتيها الكلاب يجرّها خيط رفيع، ثم تلحق الآنسة نادية بالمطرب ليخرجا معاً وتنسحب الكلاب في الوقت نفسه من الجهة المواجهة التي ظهرت منها، ليلتقي الإنسان والحيوان في الوسط وهم في سبيلهم إلى الخروج، وهي حيلة درامية ذات نفع كبير، نعم، يليها تصفيق هائل من قبل الجمهور.  وعند البيت الرابع، تظهر الآنسة نادية بفروة أنيقة ومعها الكلاب وهي لابسة جاكتات شيك.  أمّا البيت الخامس، فلديّ فكرة رائعة، سيظهر كلّ كلب على خشبة المسرح يقوده أبله، فتظهر الآنسة نادية من الجناح المواجه ليتلقي بالكلاب في والوسط – وهي حيلة درامية ذات نفع كبير – ثم تستدير وتسحب الكلاب بالخيط الرفيع إياه لتخرج بها إلى الكواليس والكلّ يصدحون بهستيريا جنونية:

خَرَجَتْ نَادِيَةٌ تَتَنَزَّهُ بِقَيْصَرِ
وَفِيدُوٍّ وَجَاكٍّ وَالْكَلْبِ الْعَيْسَرِ

- تك تك تك! دقّات الطبل على الحروف الثلاثة الأخيرة.  إنني لجدّ متحمّس، لا أكاد أنام بالليل ولا يرتجف لي جفن.  سأخرج غداً قبل العاشرة وربع صباحاً، ولقد بعثت برقية لميرفت هانم كي نتغدّى أنا وهي.
وأنهى لوقاس هذيانه بزفرة شبقية خاطفة. 
وإذا كانت الأسرة تشارك لوقاس حماسته لاختراع الآنسة نادية تلك، فإنهم نجحوا نجاحاً باهراً في إخفاء هذه الحماسة.


القصة الكاملة بالانجليزية هنا.