19 أغسطس 2012

فكّ الله سجنك يا أوري

فكّ الله سجنك يا أوري

في الرابع والثلاثين من شهر تلاتاشر المِتْعَوْكَش ، والوقت ما قبل العصارى أو بعدها بمقدار غير ملحوظ، كان جالساً القرفصاء في مكتبه المكتظّ بعدد متزايد من النمليات أي الخزائن الطولية التي بها درفة أو درفتان وتحفظ بها الأشياء ، يتنفّس من الأعماق ويمارس ألوان شاذّة غير مباحة من الفنون اليوجاوية، هذه انحناءة تكشف له ما تحت التربيزة، وهذه طأطأة من رأسه تزيد الرؤية إعوجاجاً وانبعاجاً، أمّا هذه فوقفة صامتة تعلّقه في الفضاء بحيث لا يلامس طرف من جسده لا الأرض ولا السقف، يحلّق، هذا وضع دقيق جداً ويتطلّب منه التركيز الكامل والصفاء التامّ وإلا كان من المحتمل جداً أن ينهار كل شيء، النمليات، الملفّات المرصوصة فوق التربيزة، الشجيرة اليابانية المجلفنة حديثاً، حوض السمك، ماكنة القهوة والطماطم المجفّفة، حتى هو قد ينهار لو فقد هذا التركيز الذي لا يضاهيه شيء..

غاب عنه الوعي أو بالكاد، هذا إنجاز، فقط الأصوات تصله الآن عبر حاسّته الوحيدة التي لم ينجح بعد في ترويضها ولا في تلقينها درساً، ظلّت عنيدة تقاومه، فرّت من أصفاد الزهد والتركيز، لذا كان في تعلّقه هذا في الفضاء عرضة لخطر واحد، السمع، الممر الذي قد يتسرّب إليه طرف من الموجودات، أو ثقلٌ ظواهري كما يسميه، حينها، سرى في مفاصله وهنٌ، وانتابته رعشة من الفزع الممزوج بعكارة الاسنتفار، هذا كله ناجم عن إدراكه بأن حاسّة السمع قد تقضي عليه، لذا شدد الحزام وعزّز التركيز وأمعن في البصر إلى بقعة ثابتة لعله يتفادى أمراً محتوماً..

حينها، حينها فقط، جاءه هاتف.

اللعنة! قال.

ليس من الضروري أن أصف لكم كيف كان سقوطه إلى أرض الواقع – لا ليس سقوطه، بل زلّه، المؤكد على كل حال أنكم تعرفون زلّه أو سقوطه والصوت الذي أحدثه ارتطامه بالبلاط _ أو الخشب إن شئتم _ ها هو قد زلّ فسقط فهبط ، ثلاث مرّات، هذا لأن تركيزه وتعلّقه في الفضاء كان مثلثاً، فالزلّ أيضاً مثلّث، هذا كلّه مردّه ذاك الضعف في حاسّة السمع التي لم يتمكن بعد من ترويضها ولا تلقينها درساً.  فقد جاءه هاتف.

لكن أي هاتف هذا الذي يرنّ؟

بحث عنه في جميع النمليات، هناك هاتف أي تليفون بداخل كل نملية، لا يدري أي هاتف يرنّ،
والنمليات بعدد نوابت الفطر في يوم رطب ومهبب، أمّا الهواتف المشحونة بجوفها فحدّث ولا حرج..
ثمّة ، على أقلّ تقدير ، ثلاثمئة وخمسة وستّون نملية، إذا ما استثنينا الدولاب القائم بنفسه – والدولاب على أية حال ينشقّ عن فصيلة أثاثية غير التي تنتمي إليها النملية ولا تنبت في العادة في نفس المناطق – ثمّ أنّ هناك لكل نملية درفتان إذا فتحتم احداها ستجدون بداخلها أربعة رفوف، وعلى كل رفّ ستجدون عدداً من الأجهزة الالكترونية التي لا يُعرف غرضها على وجه التحديد، مرصوصة بعناية ممرّضةٍ شمطاء، وبين هذه الأجهزة، إذا وفقكم الحظّ، ستجدون هاتفاً يرنّ، تلتقطونه فيوصّلكم بالطرف الآخر من الخيط، والخطّ أحياناً.
كان عليه أن يتقلّص ويكشّ فيتضاءل حجمه إلى حجم الوريقات المتساقطة من الشجيرة اليابانية – المجلفنة حديثاً – إذْ رغب في التقاط ملقط الهاتف بأسرع ما يمكن، هكذا يتسنّى له مرونة الحركة والانتشار.

أيّ هاتف من الهواتف يصدر عنه هذا الرنين؟

لا أطيل عليكم: التقط الجهاز بسرعة الفطر النابت، قال أفندم؟

قال الهاتف إنّه يتوجّب عليه أن يجمع بين أوري وبين توفيق عكاشة في قصة قصيرة جداً، أو قصيدة نثر، أو غيرها من الأشكال النثرية الوروارية،

قال فرغتُ من أمر عكاشة ولن أعود إليه، أما أوري فاسمع جيداً أيها الهاتف البذيء:

***

تعتبر إنديانا من ولايات السهول الأمريكية، وإن مالت كفّتها نحو كفّة أوباما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة فهذا لا يمنع أن تكون موطناً للجرابيع والكلاب الضالّة، مظاهر الحضارة الوحيدة فيها تجدونها محاصرة منحصرة في فقاقيع جدّ الرقّة بعدد البجعات في حفلة القروش، اُستدعيتُ مرّة إلى احدى هذه الفقاقيع من أجل لقاء مهمّ مع كهنة المتنبي وأبي تمّام، لم يمسَسْني سوء خلال هذا اللقاء، وإن لم يمسسني خير أيضاً، خرجتُ منها ولم أعُدْ.. شيء آخر عن ولاية إنديانا: يميل أهالي تلك الجهة إلى نطق حرف الـ\ɪ\ بدلاً من حرف الـ\ɛ\ إذا ما وقع قبل إحدى الحروف الأنفية، وهو الأمر الذي كان يسبّب لي بعض الحيرة في التمييز ما بين الرقم عشرة وبين الصفيح، أو بين القلم والدبّوس، أو حتى التمييز بيني أنا وبين الصندوق، يا للغرابة.  الغرض: خرجتُ منها ولم أعد، لذا ارتبكت حين سمعتُ بوفود الرفيق أوري الأحمر إلى تلك الجهة، أي انديانا، بل اُسْتُدْعِيَ إلى نفس القفاعة (أظن أنني عرفت تشكيل « اُسْتُدْعِيَ » لأول مرّة في تلك الفقاعة، وذلك بفضل مَن سمّتْ نفسها بالمستقيمة باللغة الأوكرانية، جُعلتُ أنا فداها ولها الشكر إذا ما صادفتْ هذه السطور لا سمح الله). الغرض: خرجت منها ولم أعد، لكني استغربتُ كل الاستغراب حين سمعتُ باستدعاء أوري إلى تلك الجهة، ولهذا تفصيل.  

غابت عني أخبار أوري وإن لم يغب عن ذهني، خشيت أن يجري له مكروه في تلك الولاية الحمراء، وإن كان هو الآخر أحمر فنحن في بلد اختلطت فيها الرموز والإشارات، فصارت الليبرالية تعني اليسارية (إن وجدت) وصار الهجوم المسلّح يعني حقّك المكرّس في المادّة الثانية الملصقة بالدستور، أمّا الأحمر فصار يعني محافظ من الحزب الجمهوري وكأن الاشتراكية امّحت عن الذاكرة الجماعية، الحقيقة أن أوري قدها وقدود، منبع الخوف الوحيد لديّ أن يختلط عليه بعض الأمور، فرغم أن تلك الفقاعة كانت تؤوي منذ عقودٍ معملَ الأستاذ الدكتور ألفرد كينزي وتجاربه الأسطورية في فنون المضاجعة وعلوم النكاح ، إلا أن كل ذلك امّحى أيضاً عن الذاكرة الجماعية، واندثرت حفلات الطواف والمجون في الشوارع التي أقيمت عبادةً للرقم عشرة (وقيل هذا من ترّهات الفسّاق، ولم يحدث شيء من ذلك، إنما أقيمت الحفلات إشباعاً للإلهة عشتار، فحرّفها العامّة إلى عشرة، والتي تعني في الأصل «صفيح»، ولم يتأكّد من ذلك).  خشيت أن يختلط على أوري بعض من هذه الوقائع التاريخية، فيظنّ أن الفقاعة مكان يبتسم للطماطم المجففة، وجبن المعز، وعلامات أخرى للحضارة.. والحقيقة أنها فقاعة تبتسم نعم، لكن على السطح، وفي بعض قاعات الجامعة.

العجيب أيضاً في تلك البلدة، أنك تجد فيها مكتبات تفوق وتتفوق على المكتبات القليلة المتواجدة في أراضي عوسطنة على سبيل المثال، فهذا شأن فقاقيع المحافظات تجدها تذخر مفاجآت حضارية
عجيبة، كما أنني أذكر أن مجلس البلدية أصدرت بياناً رسمياً اسنتكاراً للحرب على العراق، وأقرّ حدّاً عادلاً للأجور، كما أذكر أنه أشيع في تلك الأيام أن الاستخبارات الأمريكية أطلقت طائرة حربية للتنصّت على بعض الطلبة هناك، ولكن..

رغم ذلك كلّه، ما زالت الشوارع في تلك الفقاعة تعاني من ظاهرة غريبة هي عبارة عن فامبيرات – أي مصاصين للدماء – متجولين في عربات احدى المنظمات الصحية، والأغرب أنها تظهر في ضوء النهار، تصول وتجول وتختطف الذين يتمشّون بالشوارع على غير هدى.

لم أخفْ على أوري من شيء، قدر ما خفتُ عليه من هذه الفامبيرات المتجوّلة بالعربات، فيظنّها أماكن للتطوّع بالدم مثلاً، بينما هي في الواقع أماكن للخطف والسلب والبعبصة والاستشهاد.

جرت شائعة في مواقع الاتصال الاجتماعي أن أوري تمّ حبسه في معمل الأستاذ الدكتور ألفرد كينزي بعد اختطافه على أيادي عبدة الصفيح، وقيل الرقم عشرة، وقيل عشتار، وسرى همس بأنه يتعرّض لألوان شاذة من الفنون اليوجاوية، وأنه تُجرى عليه تجارب نكاحية أعدّ لها الأستاذ الدكتور في كتابه الرابع الذي لم يصدر .. فاقتحم الأهالي معمل كينزي وأحرقوه لكن ذلك لم يسفر عن شيء، ولم تظهر للخبر صحّة، قلتُ لهم هذا غباء، الأستاذ الدكتور توفي منذ سنين الله يرحمه.  أما الجنس فلا يُمارس أصلاً في هذه الفقاعة.

بعث أوري برقية للصحف مؤكداً أنه تم اختطافه على آيادي الفامبيرات المتجوّلة.  وقد تمّ حبسه فعلاً، لكن تفاصيل الواقعة على خلاف ما يروى بين المتندرين والمتلمظين شفاههم.

وتبيّن أنه قد حاول التفاهم معهم، ودعاهم إلى التعقّل، قال إنه يتفهّم رغبتهم في دماء البشر، لكن الاختطاف يخالف الأدب، بل والذوق، ثم يسعده أن يجلب لهم وعاء به قطرات طازجة من دمه لكن المصمصة من جلد العنق مباشرة حرام شرعاً، وتسيء إلى سمعة البلاد،

حينها قامت شيخة المنصر وهي متنكرة بهيئة ممرّضة شمطاء قائلة: لدينا أوامر من القيادات العليا بالقبض عليك لأنك تجرّأت على التحدّث معنا، فهذا ويسبّب لنا الحرج، بل والخجل، وحقّ الصفيح إنني لقابضة عليك!

لكن الله أراد أن يفكّ عن حبس أوري بعد مرور شهر على تلك الواقعة، فأرسله إلى بلاد غير هذه البلاد، حيث تنفس من الأعماق سعيداً بالهروب من الفقاعة قبل ذوبانها.

-الصندوق

---

تحديث: بعد قراءة هذه التدوينة مرّة ثانية أدركت أنها تذكر البعيد توفيق عكاشة مرتين، ولعلّ القصد من ذلك محاولة مضغ بعض الألفاظ البذيئة وبصقها على الورق الالكتروني، وليس ثمة ما يربط بينه وبين أوري على ما أدري. أما ولاية إنديانا، وتحديداً بلدة بلومينجتون، فهي مكان حقيقي تجري فيها أحداث قريبة جداً من الوقائع المذكورة ههنا.

28 يونيو 2012

الساقي

الساقي

خَرَجَتْ نَادِيَةٌ تَتَنَزَّهُ بِقَيْصَرِ
وَفِيدُوٍّ وَجَاكٍّ وَالْكَلْبِ الْعَيْسَرِ

هو هـيكتور هـيو مونرو، ينتمي إلى الجيل الضائع من الغنادرة (والواحد منهم: غندور، وقيل أيضاً هم المنحطّون) السادر في غيّه السابح في حقبة الترف والبذخ في انجلترا عشيّة الحرب العالمية الأولى، مثله في ذلك مثل أوسكار وايلد وأمثاله، شقي واستعراضي وذو طابع طرخشقونيّ.
وقد لقّب نفسه "ساقي" وهو اسم استوحاه من رباعيات عمر الخيام الشهيرة في أوروبا في ذلك العصر، كما أنه إشارة خفية إلى التباسه الجناسي والأدبي حيث أن شخصية حامل الكأس هو العابر بين قطبين، قطب اللاهوت وقطب الناسوت، يسقي السائل الأصهب المسروق لينزل إلى البشر تنزيلاً مقدساً ويبشّره تبشيراً منتشياً.


ورغم إعجابي بفكرة الغندرة واحتمالاتها اللانهائية، إلا أنني لا استطيع القول بأني استقي من هذا الكاتب أنموذجاً لممارسة الحياة، ذلك أن توجهاته السياسية مكروهة بالنسبة لي حيث انه مصاب بداء الرجعية الساخرة العنيفة غير المبالية والتي تجعله يسبّ النسوية ويتهكم من الاشتراكية كما انه ينبذ التكاتف الاجتماعي على أنواعه ويشمئزّ منه، ثم إنه دعا إلى الحرب الضروس التي مات فيها فقد أصابته رصاصة طائشة وهو مخندق في خنادق فرنسا وكانت كلمته الأخيرة: طفّي السيجارة يا غبي!
هذه الرجعية التي بينها وبين العدمية المطلقة شبر قصير وقصير جداً، رأيتها لدى الوهلة الأولى تتناقض وميوله المثلية في الجنس، ثم قلت في نفسي مستدركاً بل لعلّها نتيجة طبيعية لانغلاق المجتمع آنذاك، والتشاؤم النرجيسي الناجم عن حياة قضاها بين الظلّ الفاتح والظلّ الغامق لكن الاتنين ظلّ برضو فما العمل، ثم قلت في نفسي مستدركاً استدراكة ثانية إن كلّ هذا تبسيط مخلّ للأمور، وإنّ المثلية الجنسية موضوع يختشي منه الكافر والمؤمن والمفروض الا نتكلم عنه هكذا لأن كل واحد عنده مصلحة وكده ونحن نخشى الاستعراض والتراشق بالتسامح المزيّف المعروف عند البورجوازية الصغيرة والمتوسطة والفاميلي–سايز .. كل هذا دار بخلدي وأنا بعدي تلميذ في السنة الأولى أو الثانية في الجامعة أستكشف بهجة العالم وأجرّب كافّة ألوان الغندرة بين كأس وسيجارة وخندق وظلّ ..
والحقّ ان العديد من الروائيين والأدباء الذين أعجب بفنّهم إلا أنني أجد أفكارهم السياسية المعلنة بغيضة مكروهة غير محبّذة، جمال الغيطاني، الجاحظ، أنثوني بورجيس على سبيل المثال لا الحصر..
لكن كل هذا غير مهمّ، نحن لا نقرأ الروايات علشان نتعلّم أكثر عن الاشتراكية أو الرأسمالية أو النيو-ليبرالية، بل إننا نقرأ الروايات – أحياناً – علشان نعيد صياغة ما هو سياسي وما هو أدبي، وعلى هذا النحو نستقي دروس سياسية مفيدة من كل هؤلاء، نتعلّم من أنثوني بورجيس مخاطر المزيكا الكلاسيكية في خدمة الدولة التربوية الانضباطية، نتعلّم من الجاحظ – والغيطاني أيضاً – شيئاً من الإيرونيا، والرسائلية، وأخيراً وليس آخراً السجع وهو فعل سياسي بالدرجة الأولى، يزعزع تركيبة الجملة المهيمنة ويؤجّل الالتجاء إلى أغلال المعنى الثابت المحدّد.


ومن الساقي نتعلّم الكثير أيضاً.  ومن آي ذلك ما يأتي في قصته " بنت عمّك تيريسا " – والتي آثرت تعريبها فعنونتها " نادية " كما في القصيدة أعلاه.  وفي هذه القصّة التي أترجم فقرة منها نتعلّم كيفية صناعة الدودة في آذان الناس، أو الـ"أورڤورم" كما يقول الألمان.  " نادية " هي قصة شاب ثلاثيني ضائع واسمه لوقاس، يعبث كغيره من أبطال "ساقي" في جوّ من التخاذل الارسطوقراطي العبيط، وهو منشغل طول الوقت بطبخ الأفكار الموسيقية العظيمة التي كثيراً ما تبوء بالفشل، إلا أنه هذه المرّة ينجح نجاحاً باهراً ويسحر شعب لندن العظمى بأغنية عصماء فينتهي به المطاف إلى تكريمه فارساً من فرسان الممكلة، وفي هذه القطفة يروي لنا لوقاس لحظة الوحي التي تمخّضت عن هذه الأغنية-الأورڤورم.

- واتاني الوحي حينما كنت أرتدي ملابسي صباحاً، هكذا تولّدت بذرة الفكرة في ذهني، وستكون حدثاً جللاً في سهرات لندن الموسيقية عمّا قريب.
هكذا أعلن لوقاس وقد أخذته نوبة من النشوة والاندفاع الجريئان، فاستطرد قائلاً:
- وسيجنّ جنون لندن برمّتها.  هما الآن بيتان اثنان فحسب، وسأضيف كلمات أخرى فيما بعض لكنها ليست مهمّة. اسمع:

خَرَجَتْ نَادِيَةٌ تَتَنَزَّهُ بِقَيْصَرِ
وَفِيدُوٍّ وَجَاكٍّ وَالْكَلْبِ الْعَيْسَرِ

هي نغمة فيها من الخفّة قدر ما فيها من الجذب والإغواء، نعم، ونختمها بثلاث دقّات على الطبل تتزامن مع حروف "عيسر" – عَيْ-سَ-رِ . تك تك تك.  إنّه لحدث جلل، نعم.  ولقد تروّيت تروياً في العملية بأسرها وخطّطت لها تخطيطاً كاملاً ، سيغنّي المطرب البيت الأول لوحده، وعند البيت الثاني تخرج الآنسة نادية إلى خشبة المسرح تتبعها أربعة كلاب خشبية بعجلات، الأول قيصر وهو كلب صيد ايرلاندي، والثاني فيدو وهو كلب لولو أسود، والثالث جاك وهو كلب صيد بريطاني، أمّا الرابع – الكلب العيسر – فهو، بالطبع، كلب عيسر.  وعند البيت الثالث تظهر الآنسة نادية لوحدها، ومن الجناح الآخر للمسرح تأتيها الكلاب يجرّها خيط رفيع، ثم تلحق الآنسة نادية بالمطرب ليخرجا معاً وتنسحب الكلاب في الوقت نفسه من الجهة المواجهة التي ظهرت منها، ليلتقي الإنسان والحيوان في الوسط وهم في سبيلهم إلى الخروج، وهي حيلة درامية ذات نفع كبير، نعم، يليها تصفيق هائل من قبل الجمهور.  وعند البيت الرابع، تظهر الآنسة نادية بفروة أنيقة ومعها الكلاب وهي لابسة جاكتات شيك.  أمّا البيت الخامس، فلديّ فكرة رائعة، سيظهر كلّ كلب على خشبة المسرح يقوده أبله، فتظهر الآنسة نادية من الجناح المواجه ليتلقي بالكلاب في والوسط – وهي حيلة درامية ذات نفع كبير – ثم تستدير وتسحب الكلاب بالخيط الرفيع إياه لتخرج بها إلى الكواليس والكلّ يصدحون بهستيريا جنونية:

خَرَجَتْ نَادِيَةٌ تَتَنَزَّهُ بِقَيْصَرِ
وَفِيدُوٍّ وَجَاكٍّ وَالْكَلْبِ الْعَيْسَرِ

- تك تك تك! دقّات الطبل على الحروف الثلاثة الأخيرة.  إنني لجدّ متحمّس، لا أكاد أنام بالليل ولا يرتجف لي جفن.  سأخرج غداً قبل العاشرة وربع صباحاً، ولقد بعثت برقية لميرفت هانم كي نتغدّى أنا وهي.
وأنهى لوقاس هذيانه بزفرة شبقية خاطفة. 
وإذا كانت الأسرة تشارك لوقاس حماسته لاختراع الآنسة نادية تلك، فإنهم نجحوا نجاحاً باهراً في إخفاء هذه الحماسة.


القصة الكاملة بالانجليزية هنا.

12 يونيو 2012

تلعثماتٍ


تَلَعْثُمَاتٍ

تنتثر الأقوال والألفاظ في الرياح العاتية ناحية البرزخ، تزحف الأمواج – المثخنة بالطحالب والازدراء – نحو شواطئ الجزر الوسطية، تكثر الإرهاصات والإشارات المتداخلة الأولى في أختها، والثانية في خالتها، العيون شاخصة نحو الأفق فتتوالى القراءات والتفسيرات، غير أنها غير سامية نحو نقطة معيّنة فتتناقض الصور وتختلف الروايات، غلام أشيب يحمل رزمة ثقيلة من الصحف فوق كاهله، يتعرّج، ترتجّ مفاصله وتصطكّ، يكاد ينزلق وتبتلعه الفوضى.. حالة ترقّب تجثم على الصدور، تدفع المنجّمين وهواة الأفلاك إلى إخراج ضروب نادرة من التنبّؤات لا تشبه الأولى أختها، ولا الثانية خالتها، غريبة، برزت أصوات مندّدة، اكتسحت الغيوم سطوح القرى والنجوع، تمتصّ الأرواح اللزجة من داخل قواقعها وتبثّها إلى أعلى وإلى أسفل، لا اتّفاق بين أنهار الراح لا من مصدرها ولا من موردها، هكذا..

***

وسوسة: تساوره شكوك غائمة تغيم حول مستقبله في المؤسسة الآكاديمية، لكنه يرى أمامه وجوه مبتسمة، وأخرى عابسة

***

همس خفي: يصعب عليه أن يميّز بين: الطبيب النفساني.  والأخ.  والأب.  والجلاّد.  وكدية الزار.

***

صوت لا يدرك مصدره:  هو ليس ذكياً جدّاً، يرى نفسه فنّاناً،  يحبّ الكلمات ويستسيغها، أمّا أن يكون فيلسوفاً فهذا أمرٌ مثير للهلع

***

حشرجة:  لم ينشر شيئاً باللغة الانجليزية بعد، صحيح أنه لم يحاول ذلك،  وصحيح أن لديه بعض الأشياء قيد المراجعة، لكنّه يرى بفطنته وبصيرته أنه لا يرتقي إلى مستوى الرفقاء

***

هاتف يهتف في جوف الليل:  يشعر وكأن منفاخاً عظيماً ينفخ فيه، والحق أنه كان يثق في هذا المنفاخ، كان يثق فيه وبمن وراءه.  لكنه لا يدري من وراءه.

***

ردح : والجدّة، ماذا تقول الجدّة؟ بل هي تردح.

***

تَكْ قُبْ تك قب: تك قب تك قب ..

***

نأمة:  الغرب الأوسط هو دوّامة اللاثقافة، تبثّ ضحاياها إلى أسفل وإلى أعلى، تدفعهم إلى خارج الحدود

***

حفيف:  كان الأفضل لو ركّز في نصّ واحد، أو كاتب واحد، فهذا أريح للبال والنفس

***


وامُرْساه! ..

02 أبريل 2012

لا أساس له من الصحّة

لا أساس له من الصحّة

ثم دخلت سنة ألف وأربعمائة ونيّف

وفيها في محرّم، انتشر المنادون كالجراد في المدينة، وأعلنوا نية السلطان الغوري تولية حسين بن بركة أمور الحسبة، فتهلل الناس وزيّنت شيكاغو ثلاثة أيام متتالية، وأقام الأهالي الولائم وسهروا في الطرقات معربدين متماجنين وقد ابتكروا في الاحتفال تفانين عجيبة ، هذا يرقص رقصة البهلوان في السرك، وهذه تضاجع جاريتها علانية، وقيل شوهد الأمير طغلق وهو يعفي جنوده عن الخدمة لمدّة عام، وقيل شوهد الغوري نفسه يرمي على مراته يمين الطلاق فرحاً وابتهاجاً بالصاعد والآتي، ثم مضى الناس متعبين إلى منازلهم وانشغلوا بأمور البعبصة والكمرشة وضرب العشاري..

وفيها في محرّم رابع عشره، جاءت الأخبار باستمرار الأمير طغلق في منصبه، وذلك حفاظاً على الأمن في الداخل والخارج.

وفيها في محرّم ثالث عشرينه، نادى المنادون بنية حسين بن البركة، متولي الحسبة في شيكاجو وظواهرها، ومناصب أخرى، الإفراج عن جميع المعتقلين في المقشرة، فتهلّل الناس لذلك واستقرأوا فيه البشرى والبشارة والعلامات المباشرة، وثم بطل ذلك الأمر وخاب رجاء الناس، ثم بطلت خيبتهم، وبطل الباطل، وحصلت بلبلة في الأفكار، ثم مضوا أفواجاً إلى منازلهم وانشغلوا بأمور البعبصة والكمرشة وضرب العشاري..

* * *

اعرفوا أن مدينة شيكاغو لقّبت بـ«مدينة الخجولين» وذلك لتمكّن الروح البروتوستانية والغرب-أوسطية من أهاليها وترسّخها فيهم وسريانها في دمائهم الهادئة والتي تميل إلى البرودة المتمثّلة في التكشيرة الرباعية - وقيل السداسية - كما أنها تدفعهم إلى نبذ الأساليب المعبّرة والارتياب من التصوير والتمثيل والفنون اللغوية على أنواعها. وهي تتمثّل أيضاً في التواضع المفرط – وقيل المفبرك – والتفاقر في الملبس والمأكل ونحو ذلك. والتظاهر بالانشغال طول الوقت، والتذمّر من ذلك قدام الناس، اللي مش شغالين قد ما انت شغال. لكنها مدينة أيضاً لُقّبت بـ«مدينة الرياح» ، واختلفت الآراء في سبب ذلك، لكن الغالب أنه يرجع إلى انتشار الحكي الفاضي فيها، وميل أهاليها إلى ترصّد الأخبار الغرائبية والأحاديث العجائبية، وتصديقهم السريع للأراجيف الفاسدة والإشاعات الكاذبة..

* * *

وفي يوم خامس عشرينه، وهو يوم سبت، والناس يتوافدون للصرمحة في الحدائق العامّة والشرشحة في الحمامات المغلقة بالمفاتيح آه والله بالمفاتيح، وهمّوا بالقيام بأعمال الراحة والاستراحة، تهيؤاً ليوم مشمش جميل، إذْ ارتجّت المدينة وظواهرها، وقيل قد ركب فرسان الحسبة، وقيل يخطّفون الستات والعجائز، خاصة العجائز، فسرعان ما انفكّ شمل الناس، وراحوا يتخبطون في الشوارع والطرقات وهم يعلون أصواتهم بالصيات والعياط، حتى سقطت من بعضهم الدولارات وهم غير مدركين لذلك، وهربوا ليتأكّدوا من سلامة العجائز، وصحّة البالغين، وأخذوا يشيرون بأصابعهم ويلقلقون بالغمز واللمز وهم يقولون: ابن بركة هذا، منه لله..

وفي نهاية اليوم لم يظهر للإشاعة صحّة، وكان سبب ذلك، أن المدينة كانت تعاني نقصاً شديداً في الأطبّاء، بل كان الطبّ حكراً على سكان الضواحي وظواهر المدينة دون الساكنين في باطنها وأمثالهم في القرى والأرياف، لذا رفع بعض الناس شكوى إلى ذوي السلطة في المدينة، لكن تم تكفيرهم ، واُتهمّوا بالشيوعية وعبادة النار، ثم قام غيرهم وقالوا احنا عايزين نبقى زي اوروبا، لكن تم إقصاءهم هؤلاء أيضاً وقُذفوا بالجنون والتخنيث .. المهمّ، جاء متولّي الحسبة وأصدر قراراً بتوسيع حظ البلد من الأطباء، وكتب في ذلك مرسوماً تعدّ صفحاته بالآلاف، ولما كان الناس يفتقرون إلى الأطبّاء فلم يتمكّنوا من تفسير طلاسم المرسوم و قراءة ألفاظه، ممّا أدّى إلى خرافة انتشرت انتشار النار في الهشيم، مفادها أن فرسان الحسبة عاوزين يموّتوا شيوخنا، فحصل ما حصل من إفساد يوم السبت ذلك.. ولم يتوقّف بعض الناس عن تكرار تلك الشائعة، لغرض ما في نفوسهم والله أعلم..

* * *

ومن الغرائب في هذه السنة، أنني سمعتُ أحدهم يقول: انظر إلى هذا الأعجم، كيف ترواغ ودخل إلى مدينتنا ونحن لا ندري!

فقلت: من تقصد؟

قال: ولو يا غبي! أقصد حسين بن بركة هذا، بالطبع..

* * *

« ولما نزل من الجبل، تبعته جموع كثيرة، وإذا رجل مصاب بالبرص، وتقدّم إليه وسجد له قائلاً: يا سيّد إن كنت تريد فأنت قادر أن تطهّرني! فمدّ يده ولمسه وقال: إني أريد، فاطْهَرْ ! وفي الحال طهر الرجل من برصه »

* * *

وفيها في رمضان، انتابت الناس فرحة عظيمة، فقيل سيخطب متولي الحسبة حسين بن بركة في مجلس الأمراء، وذلك لتدارك المسار، ودفع العار، وتبديد الشكّ وتوضيح ما تردّد من لكّ وعكّ، ولتّ وعجن.

وقام متولّي الحسبة خاطباً في الناس، وقد سجّلنا من نصّه ما يلي:

« لا أزال مؤمناً ، لا أزال مؤمناً »

« أشعر بكم وأتألم بآلامكم، الأبرص، والأعور، والأشول، والأبله حتى، خاصة الأبله »

« مش هنموّت العجايز ، الكلام دا كله اشاعات مغرضة، لا أساس لها من الصحة »

وتهلّل الناس وقاموا مصفّقين. وابتسم متولّي الحسبة، ثم ألقى نظرة إلى اليمين وأخرى إلى الشمال، وانتبذ جانباً ليعود إلى داره، حيث أمر بقصف قرية أفغانية مات فيها عدد كبير من الشيوخ والأطفال.

* * *

« ولما نزل من الجبل، تبعته جموع كثيرة، وإذا رجل مصاب بالبرص، وتقدّم إليه وسجد له قائلاً: يا سيّد إن كنت تريد فأنت قادر أن تطهّرني! فمدّ يده ولمسه وقال: إني أريد وأنت تريد، لكن من غير تأمين صحي انت كده هتفضل طول عمرك أبرص ابن أبرص! وانصرف عنه إلى جهة غير معلومة »

* * *

وفيه جاءت الأخبار مضطربة من مجلس الأمراء، حيث قيل إن الأمير قشتمر تصارع بالعكاكيز مع الأمير شبرق، وسقط الأخير مغشياً عليه والدم يتدفّق حارّاً من نافوخته، وعولج والحمد لله وتعافى بفضل النطاسي الخبير المرافق له على الدوام لكنه ما زال حانقاً على الأمير قشتمر لما أبداه من سوء أدب وهجوم بالعكّاز، وقام نتيجة لذلك ومعه جمهور كاسح من أصدقائه الأمراء ذوي العكاكيز والفؤوس، قاموا ليفرشوا المجلس بالحطب الجافّ وأشعلوا فيه النار. وقام فريق الطوافئ بإخماد النار فنجا من كان بالمجلس، لكن إثر انسحابهم بعدّة دقائق إذْ سقط من الأمير شبرق غليونه الإفرنجي المعقوف وكأنّ سهواً، سقط في كومة من المراسيم وكان كفيلاً بإشعال حريق أهول من الأول هزّ أركان المجلس ومسخ فيما مسخ نصّ المرسوم الذي تعهّد به متولّي الحسبة منذ عدّة أيام..

وضجّ الأهالي وتذمّروا لذلك لكنهم سرعان ما مضوا أفواجاً إلى منازلهم، لكنهم هذه المرّة لم ينشغلوا بأمور البعبصة والكمرشة وضرب العشاري، إنما استحدثوا بدعة جديدة وهي التلاعب مع صور القطط على الانترنت وتزيينها بملابس فكاهية وإجبارها على الرقص على الطريقة الأمريكية ونحو ذلك..

* * *

ومن الغرائب في هذه السنة، أنني سمعتُ أحدهم يقول: تعالى تشوف القطة دي! بتحكي لغات! وبتغنّيهم كمان! وبترقصهم كمان!

* * *

وفيه في رمضان، فوّض متولّي الحسبة، حسين بن بركة، الأمير حبلق بالدفاع – أمام المحكمة – عن نسخة المرسوم المحروقة، بغية إعادة لحمها، وإثبات شحمها، وتمريرها ليتحقّق مبدؤه، ويتأكّد خبره.

قال الأمير حبلق: أيها السادة القضاة، بارك الله هذه المحكمة، وأيّد قرارها وأشعل منارها، سيدات وسادة الشعب، أقول: هذا الحريق الذي شب في مجلس الأمراء، عار على أمّته، ووصمة على سمعتنا، لم يسمع بمثله التاريخ الأمريكي قط، لم يسمع به قط، قط..

القاضية الأولى: أفندم؟

الأمير حبلق: أقول: هذا الحريق لم نسمع بمثله قط، قط، قطقط، قططط..

القاضية الأولى: وصلت الفكرة يافندم.

الأمير حبلق: لا، لا، قطقط، قط، قطاطق، قطقوط..

قاضي القضاة: هنهزّر؟

القاضية الثانية: ماشي يا فندم، وصلت الفكرة. كمّل..

الأمير حبلق: أيها السادة القضاة، بارك الله هذه المحكمة، وأيّد قرارها وأشعل منارها. أقول: أقوم هنا للدفاع عن هذا المر.. هذا المر.. المرمر، هذا المررر..

القاضية الأولى: اهدا يا حبلق.. انت عطشان؟ عاوز تشرب حاجة؟

الأمير حبلق: أقول، هذا المرر.. هذا المرمر، مر، هذا الممم ... هذا المواء!

وعند نطقه هذه الكلمة الأخيرة وإذا بالأمير حبلق يغشى عليه وسقط على الأرض ومات في الحال، وعلى وجهه ابتسامة بلهاء. وعندها قام قاضي القضاء خاطباً في الجمهور وقال: أحكمت المحكمة على هذه المدينة بحالة مؤبّدة من البَرَص: أنت أبرص، وأنت أبرص، كلّكو بُرص، وعشرة خرس!

ثم ألقى نظرة إلى اليمين، وأخرى إلى الشمال، وانتبذ جانباً ليعود إلى داره، حيث قعد منجعصاً وأطلق كرشه مربرباً وابتلع طاسة كاملة من السمك المملوح بنهم وشهية بلهاء، وقيل: حوض من القرموط النيّ، وقيل: طبقة فيها من الرنجة قدر ما فيها من البوري، وصدر عن أصابعه صوت بين المصمصة والكمرشة، وفيها رذاذ مقرف من عكارة الزيوت والزعانف..

* * *

ومن الغرائب في هذه السنة، أني سمعتُ أحدهم يقول: ملعونة القطط دي!

فقلتُ: دانت بارد قوي علي فكرة!

* * *

(نداء)

يا أهالي البلدة، يا أهالي البلدة

كُشف أمر القطط، وأميط اللثام عنها، وثبتت حقيقة المؤامرة التي تحيكها ضد البشر،

يا أهالي البلدة،

وسيتمّ فضحها على الملأ

يا أهالي البلدة،

احضروا يوم الجمعة إلى ساحة البندق المضيئة،

وسيتمّ فضح القطط قدام الناس، اللي يسوى منهم واللي ما يسواهش،

ومن تخلّف عوقب بعذاب أليم..

* * *

أخشى النزول إلى الشوارع، يتناهي إلى مسامعي في هذا المكتب هسيسٌ أصفر مروّع، أقرب ما يكون إلى تباطؤ الفؤوس وتردّدها قبل الذبح، تآزرت العوامل التي جعلت من هذا الهسيس طنيناً صدئاً يحفر الأخاديد في حيطان النخاع، الحق، لا أقدر أن أميّز بين هذا الصوت وبين ذكراه..

الحقيقة الثابتة، التي لا مراء فيها: صارت القطط هي المتسلّطة في كل شيء، بعد أن باءت عملية تطهيرها بالفشل الذريع، إذ تفاقمت الأزمة، واندلع الفوضى، فغارت القطط، أو غاروا، الويل لمن يجرؤ على المساس بها، أرى رجلاً – جثّة – في قارعة الطريق، لم أرَ ذبحه، بل أشكّ أن هناك من شهد الذبح حقاً، لكن الثابت، المؤكد، أنه لقي مصرعه إثر محاولة يائسة للتفاوض معها – أو معهم – محاولة للتعقّل، ودعوة إلى الرأفة بخلق الله، حينها – وأعيد وأكرّر أنني لم أشهد هذا، لكنه موثّق بالأدلّة ومدعّم بالقرائن التي لا يتسرّب إليها الشكّ – حينها، أصدرت القطة مواءاً – هذا الهسيس الصدئ – فمدّت يدها ولوّثت المسكين ، قالت: أنت ملوَّث.

وجاءت الأخبار بأن الأمير شبرق هو من أطلق هذه القُطَيْطات اللطيفة – لطفها خادع ومزيّف، لكن اللطف هو اللطف.. حقاً، شو مهضومي (لا يحضرني القول المناسب بالمصري) – وقيل إنه هو من حاك هذه المؤامرة بحذافيرها، لكني أستبعد ذلك، الأمير شبرق لم يظهر منذ وقيعة الحريق، وأكاد أجزم بأني رأيته تعتليه مفرقة من القطط الشرسة، تهبش فيه، وتمزّق قميصه وتجبره على الرقص، هكذا، نعم، ارقص يا شبرق، قالت، أو قالوا، البعض هرب إلى باريس، مدينة الأنوار، هناك القطط قلّة لا شك وإن وُجدت فهي لا تهرش كثيراً، نظراً لأنها ناقصات عقل ودين، هكذا قالوا، أرى إمرأة منكوشة الشعر في مهبّ الريح، تستجدي، لكن لا حياة لمن تنادي..

في الأسبوع الأخير، لاحظتُ جرحاً طفيفاً في جلدي، عدت اليوم لتمحيص أمره، وقد خُيّل إليّ أنه طفرة وراثية، أو خروج عن الجذور المكتوبة، فيه وخزة أمل ممزوجة بحكّة فضول، سمعتُ هاتفاً يهتف في جوف الأمعاء، وله صدى في شرايين المأكولات: يجب التفكير جدياً في علاقة جديدة مع الكائنات، ليس التعايش فقط إنما التصاير، الصيرورة التعاونية، المشاركة الوجدانية بل والأخلاطية، تخاطف أطراف الصفراء والسويداء مثلاً، ويجب التفكير في علوم جديدة لتحصيل ذلك، وبعث الحياة في القديمة منها، الجفر، الجمّل، ضرب الأربعين.. قد يغار بعض الناس من وضعي هذا، قد يحسدونني، هؤلاء هم المحظوظون، لن أذكر التائهين، هناك صوت غريب يتطلّع إلى الخروج من الحنجرة، والحلقوم، وأكاد أجزم أنه حيواني الطبع، حوشيّ الاتجاه..


-----

(هذه التدوينة تعتبر جزءاً محذوفاً من رسالة الدكتوراه التي أعدّها حاليا: « الإشاعة: استقراء النصّ المتهرّب في الداخل والخارج » قريباً في الأسواق، ربما)