15 أغسطس 2010

رسائل كلاسيكية

رسائل كلاسيكية*

*(رسائل كلاسيكة) هي مجموعة من الخطابات المتبادلة بين الحرّ الفقير وبين العلامة العظيمة، شمس اللغات وكوكب اللهجات، صاحبة الثلاثية المثلّثة الأستاذة كريستن بروستاد. ورغم مرور شهور كثيرة على تأليف هذه الخطابات، إلا أني لم أجد غضاضة في نشرها هنا، وإلصاقها ببعض التطورات العلمية والمستجدات المعرفية التي طرأت على النصّ الأصلي.

أيتها الأستاذة الكريمة، تحيات طيبة و بعد،

هنا بضعة حقائق وقفتُ عليها، وعدّة مشاهد تفرّستُ فيها:

فلقد اعتاد البشر المسالمون في عصور الجاهلية البائدة: (1) ارتياد أماكن البهجة، (2) والتنزّه في الحدائق الغنّاءة، (3) إضافة الى ما عُرف أيامها بدلج الليل(!). إلا أن الواحد منّا يجب ألا يتغاضى، ولا يشيح بالوجه ويتناسى، عن تلك الطقوس التي كانت تقامْ، وتلك الشعائر التي امتلأت فسقاً ولوثاً وحرامْ، في البيت الذي شيّده النبي ابراهيم عليه الصلاة والسلام. ولا تتبقى لنا دلائل ثابتة، ولا قرائن نابتة، تصوّر لنا ما كان يجري بجلاء ووضوح، كما أنه لا ينفعنا النقد والفقد والجرح المنكوء، المفتوح. فليكن هذا شغل الصحافيين والقناوات الفضائية. المؤكّد على كلّ حال ما كان تحظى به الكعبة في العهود المنصرمة من متعة ولذة وهيبة واحترام. ومن دعائم هذه الحال، وركائز هذا الرونق والجمال، ما كان يجري من تعليق القصائد السبع المختارة، وكانت المعلّقات. فهنا مجال غني للبحث، ومساحة ثرية للتحرّي والفحص: العلاقة بين سطوح التدوين، وعمليات التقييم، ممّا يلقي بعض الضوء على عناصر الذوق والتأمّل والفيس-بوك اللعين.

إن ما يلفت النظر في قضية المعلّقات هو ارتباط الاسم بالسطح الذي عُرضت عليه. اذ كانت قد عُلّقت، فجاءت التسمية تعكس هذا الوضع. ولم تكن هذه العادة غربية على عواصم الشرق، فقد عرف الفراعنة وحضارات ما بين النهرين قصوراً ومعابد وبرابي ازدانت حيطانها بأشكال الأدب والكتابة الظريفة. كل هذا مألوف، معترف به، مشهود له بالقداسة والأناقة والفنون الجميلة. فتوافد الناس أفواجاً من أطراف المعمورة المتباعدة، فسكنوا فيها أياماً، مندمجين في أعمال التهتّك، منخرطين في الدعة والتسيّب. وأشْعِلتْ المباخر وتشوّشت المشاعر، بينما ترفرف المعلّقات متدلدلة فوق الرؤوس. واستمرّت الأحوال على هذه الأشغال لأمد طويل، وجاء الإسلام فاستبدل القصائد بآيات القرآن الكريم: لكن بقي الوضع واحداً: كلمات تُكتب على الحائط، تُعبد وتقام حولها طقوس الدين والدنيا.

هبّت الرياح واكتسحت العالم قوات الحداثة الشهيرة، توسّعت أنظمة الملك الخاص والبورجوازية القلقة، القابعة في بيوتها المنعزلة: خلايا ميّتة لا ترتبط ببعضها البعض، تستشري عائثة في الأرض فساداً. واذ تمّ فصل القشرة عن القاع (مرّة أخرى، لكن بطرق جديدة)، كما تمّ فصل البراز (لا مؤاخذة) عن الشوارع والزواريب (وماعادش فيه زواريب كمان!). ونزلت الخرسانة في الأراضي، فتمّ بناء الحيطان العامة. هنا غدت المخربشات، وأنواع الكتابة الأخرى، ممنوعة على هذه السطوح. الى درجة أننا رأينا قيام بعض الحملات الحكومية، والمشاريع المدنية، ضدّ ما يسمّى بالجرافيتي والتخريب. فنظام النظافة قد حكم، ومساحات التدوين قد ضيقت أكثر فأكثر.

لكن عبثاً. فقد انتصرت المخربشات وحقّقت لنفسها قيمة فنية رسمية، الى جانب إدراجها في ترسانة أسلحة المقاومة. وبينما استمرّ التوتّر ما بين الجهتين - مع وضد المخربشات - إذ هبطت على رؤوسنا مساحة جديدة للتدوين ألا وهي الانترنت. وبعث أذرعه الأخطبوطية الى كل بيت، الى مقابع البورجوازية كما الى مصانع المهلبية. وأقيمت الحيطان مرّة أخرى، فيما يسمّى بالفيس-بوك، وأجيز نوعاً من الكتابة هناك.

وهكذا كان، لولا أننا نشكّ في صلاحية الرواية التاريخية المعتادة، التي تمحو التفاصيل وترجّح كفّة التعميم والمواويل. فالوقوف عند المعلّقات دون أجناس المخربشة الأخرى سيلقي بعض الضوء أيضاً على حوائط من عالمها، ومساكن أحداثها، إضافة الى جوانب لا بأس بها من الحياة اليومية التي كانت تعجّ بها وتحيط. وأول ملاحظة في هذا السجل موضع القارئ الحاجّ، القادم الى بيت الحرام من مكان قصي. كيف يتعاطى مع هذه الأبيات المعلّقة، وهل يسمح له بالدخول اليها أصلاً؟ وهل تكون تجربة تلقّيه لها شفوية أكثر، أم بصرية؟ ونشكّ في كونه حاجّاً، اذ أكثر من كان يصادف هذه الكعبة بمعلّقاتها كان ولا بدّ من أهلها المختارين لرعايتها والحفاظ عليها. كاهن، مثلاً، حضر الى البيت كل يوم سبت، كي يسقي الأصنام ويرشّ العطر والورد. ولعلّه توقف لحظة، واستنشق الرائحة الصخرية الفذّة، فتفكّر:

- أكان عنترة أشعر، أم إمرؤ القيس؟

ودسّ يده في جيبه، وأخرج قلماً، فدوّنه اسمه وتاريخ ميلاده على جزء مظلم من الحائط .

المخلص،

---

ثم وبعد المزيد والتفكّر والتأمّل ، قرّرت أن أتراجع عن بعض الأفكار التي قدمتُها هنا، فلقد رسى يقيني على أنه لا يجوز تناول الحائط على أنه شيء له تاريخ في حد ذاته، إنما الأصح أن نبحث في العمل وراء الحائط، وتحته وأمامه في بعض الأحيان. هذا نظراً للفرق الهائل بين البيت الحرام ومعلّقاته من جهة، وبين الفيس-بوك وحائطه من جهة أخرى، من حيث الجهود والنوايا والممارسات الجارية وراءه، وتحته وأمامه في بعض الأحيان. وهذا خطاب آخر سأكتبه في اللاحق بمشيئة الربّ عز وجلّ


26 يوليو 2010

نَعُودُ فَالعَوْدُ أَنِيتا

نَعُودُ فَالعَوْدُ أَنِيتا


كلمة على سبيل التقديم


قال أحدهم
:

إنّ الأشياء تتلاقى، ثم تتباعد، وقد تتلاقى كرّة أخرى، أو لا تتلاقى، ولا يرى الغيب إلا الله آمين..

لكنه لم يحدّد، ما هذه الأشياء التي يتحدّث عنها، هل هي - يا ترى - ذرّاتٌ كيميائية، هل هي الحبيبان قد افترقا ولو الى حين، هل هي الدالّ والمدلول، الكلمة والفكرة؟ لا أحد يعرف، لا أحد يستطيع أن يجزم - وهذا يُستحسن، فالجَزْم ينافي الأمل، والعقل يناقض الحلّ، ولذا فنحن نفكّ ولا نربط، نفشخ ولا نقفل، ولا يرى الغيب إلا الله آمين.. *


أقوال بعضهم في معنى أنيتا

قال أحدهم: إنها تصغيرٌ للأنا.

لكننا نعرف أن هذا خطأ، حيث أننا لا نؤمن بوجود الأنا، وهو الرجل داخل الرجل، أو الإمرأة داخل الإمرأة، كائن صغير غير مرئي يقبع في مكان ما في الجي، اللي هي الجمجمة، اللي هي الدماغ، فيحيك الخيوط ويجذبها، وبذلك يسيطر على تحرّكاتنا وتصرّفاتنا بسرّية واستغلال.

حسناً، هذه وجهة نظر لا بأس بها، لكني أجد صعوبة في إيجاد هذا الرجل الصغير ذي الخيوط الطائلة الطويلة، حتى الآن لم أجد هذه الخيوط، ولم ألق هذا المدير، وبالتالي ننطّ الى القول الثاني من غير تأخير.

وقال أحدهم: إنها الأمّ.

لكننا نعرف أن هذا القول يفتقر الى الكثير من الحقّ، ويشوبه من الشوائبِ الكثيرُ، حيث أننا نوقن بأن الذات ليست راجعةً الى سبب واحد (الأسرة مثلاً)، بل أسباب لا حصر لها ولا عدد، فإنّ إشكالية هذا التنظير النفسي تكمن في أحادية الذاتية التي يفرضها، فيقدّم للإنسان الفقير قولباً متجمّداً يتمكّن منه الشلل، أو شخصية متخشّبة ينتابها الملل، في حين أننا كمحلّلين نريد الإكثار من القوالب لا الإقلال منها، ونبتغي توفير الفرص والمنافذ لا الحدّ منها، والأخطر والأنكى أن نقول إن الذات الواحدة مثواها النفس، بمعنى الصميم، بمعنى الداخل الثابت. فالذات ذاتُ القولب الواحد، القابع بالداخل الموحّد، هي ذاتٌ مشلولة تميل الى اليأس والقنوط، ومغبّته العنف وتعسّف الطبيب.

وبهذا الصدد قد قال أحدهم عن أحدهم الآخر: المشكلة مش فيه، المشكلة في اللي نافخين فيه. وهذا أقرب الى الحقيقة، إلا أننا هنا لسنا أمام مشلكة، بل فرصة، ولسنا أمام خيبة، بل أمل.

وقال أحدهم: إنها مثلها مثل باتي هيرست.

لكننا ندرك جيّداً أن هذا مجرّد صورة فوتوغرافية أعجبتْنا في بعض الأحيان، ولا نجد ما يربط بين تلك الأميرة الأرسطوقراطية باتي وهذه الأميرة المحبوبة أنيتا. كانت الأولى مثالاً يُضرب للبنت الثرية المدلّعة، كانت تربطع في جنّات الثروة العائلية التي مردّها امبراطورية هيرست الصحافية الشهيرة. وبينما هي غاطّة في سبات عميق ذات ليلة ليلاء، اذ انقضّ عليها بعض أعضاء جيش التحرير التكافلي فاختطفوها. مرّت الشهور وباتي تتعرّض لأفكار المنظّمة اليسارية المسلّحة، وتحوّلت مع الأيام الى مناضلة شديدة البأس، ومحاربة قوية الإيمان، شاركت معهم في بعض عملياتهم المسلّحة من أهمّها اقتحام بعض البنوك الكبيرة وسرقة أموالها.

اندهشت جماهير التفلزيون الأمريكية، التي اعتاد الكثير منهم تلك الحياة البورجوازية الهادئة التي عرفتها باتي في الماضي. وعند القبض على باتي بعدها بعدّة شهور، انشغلت تلك الجماهير بالسؤال السائد: باتي هيرست، أمذنبة هي، أم بريئة؟

باتت هذه الأميرة الصحافية / المحاربة المسلّحة قضية تعصف بالرموز القضائية الكبرى: المحاكم، العمل الاجمتاعي والسياسي لهيئة المحلّفين، مؤسسات العدل على أنواعها، الدستور والقانون، الاستثنائية البورجوازية ومحسوبية الأغنياء، الأبحاث الآكاديمية القائلة بعقدة استوكهولم، البرامج البوليسية الشيّقة التي ينتجها التلفزيون الأمريكي، ميراث التقلّبات الاجتماعية التي شهدتها السيتينيات الأمريكية الأسطورية، مستقبل النضال اليساري العالمي الذي انحسر نشاطه في أواخر السبعينيات، معاني العفو والمسامحة والغفران، انتشار العلوم النفسية واشتهارها بين الجماهير بعد فضائح المصحّات والمستشفيات في ذلك الوقت، رواية أزهار لألجرنون، رواية طيران فوق عش الكوكو، ثم أخيراً وليس آخراً السؤال الدائم والمستمرّ: ما هي الذات، وكيف تتكوّن؟

لا أجد الكثير من المشاهبات بين باتي وأنيتا، سوى أنهما إمرأتان ظريفتان، وكلتاهم قد باتتا مثاراً لمسألة الذات وتكوّنها. لكني هنا أحبّ أن أشير الى علاقة أخرى فرضتُها بين صورة باتي هيرست والصور الصادرة عن حركة 30 فبراير، وبالأخص الصورة المعروضة هنا. الحقيقة أن التشابه الذي وجدته لا يعدو أن يكون تشابهاً سطحياً بين صورتين شمسيتين، لكني استظرفت أن يكون هناك ما هو أكثر من ذلك، فحركة 30 فبراير هي أكثر من مجرّد حملة تدوينية عبثية، بل قد تكون عملاً فنياً بارعاً يفوق أعمال باتي هيرست ذات نفسها ** ، فتزيد عليها طبقات الضحك والحقيقة والمحاكاة الساخرة، تتجاوز كل ما سبق كي تكون رصاصة وريشة وأفعى وهندباءة، خاصة هندباءة..

لكن كفانا من ذلك ولننتقل الى قول آخر.

فقال بعضهم: شو هالأنيتا.

وليس هذا سؤالاً بقدر ما هو عبارة عن التعجّب والانبهار، فقد سمعتُ بعض الألسنة وهي تتناقل هذه الجملة التعجّبية في الفترة الأخيرة، مدحاً لبعض ما قامت بها من أعمال، وبعض ما خاضتها من معارك وأشغال، فهي تخرج منتصرة مظفّرة على الدوام، حتى أخذت هذه العبارة المذكورة تُصبغ بعوارض الغيرة، والحسد، والرغبة الجنسية الدفينة. ويتهيّأ للبعض أن هذه العبارة إن دلّت على شيء فهي تدلّ على الكبت، والتهرّب، فالبعض يرون في مغامراتها الناجحة ما يشكّل تهديداً، وتوعيداً، فيخافون اهتزاز الطبقات، ويتهيّبون انهيار المعابد والمؤسسات، فيلتجئون بالتالي الى التلمّظ، والتمطّق، والغمز واللمز.. والحقيقة أن الأخت أنيتا علاقتها بالاشتراكية الثورية غير ثابتة، ومن آي ذلك ما أفادت به في رسالتها الجوية الأخيرة التي بعثتها اليّ على ظهر صورة فنية فذّة تخلط بين الرفيق الديكتاتور ماو والمغني الشعبي الشهير إلفيس، قالت أنيتا ما نصّه:

" شوف الاشتراقيون عاملين ازاي هنا في لندن "

ولقد احترت في هذه الكلمة، الاشتراقيون، فهل تعني بذلك الاستشراقيون، أم الاشتراكيون؟ إلا أني فكّرتُ في إمكانية ثالثة، هي الاشتراكي المستشرق، فقد قال ماركس:

"Sie können sich nicht vertreten, sie müssen vertreten werden"

بمعنى أن الشرقيين لا يعرفون الحكومة الصالحة، وبالتالي يجب على الغرب أن يحكمهم بدءاً من الرأسمالية مروراً بمراحلها المختلفة الى ولادة الاشتراكية منها. والأخت أنيتا لداها حق، اذ ثمة بلا شكّ بعض الاشتراكيين المستشرقين في لندن، كما أنها مدينة لا تخلو من الرأسماليين المستغربين، فلنتّقِ الله شرّ العالمين.

وقال بعضهم: كأنها الزوجة، فلقاؤهما كلقاء بخيت وعديلة، أو آل غور وتيبر غور.

وهذا قول ليس له أساس من الصحّة، فالمعروف أن آل غور قد انفصل عن زوجته تيبر، أو هي التي انفصلت عنه لا أدري، وبذلك قد انهارت مملكة كاميلوت *** وتفتّت الى الأبد ذاك الحلم الأمريكي السخيف.


ثم قلتُ لها: ما اسمك؟

فقالت: ܠܓܝܘܢ ܫܡܢ ܡܛܠ ܕܤܓܝܐܐ ܚܢܢ .

والمقصود به أن عناصر ذاتياتنا مختلفة متعددة، مضخّاتها متنوعّة القوى متناقضة الاتجاهات، تنصبّ عبر قنوات مادية كبرت أم صغرت، أجهزة تكنولوجية وسكك حديدية، تحمل مما تحمل مكائد خطابية ومصائد لغوية، تقيّد وتفتح، تشحن وتنفخ..

فما الجذور سوى قيود فُرضت، وما الأشجار سوى أصفاد ضُربت، جئتُ أنا وجاءت هي، وبما أن الاثنين منا عبارة عن عدّة أشخاص، فقد كان اجتماعنا بمثابة ازدحام هائل، واكتظاظ مائل..


---


* قوله الله، وهو من باب السخرية والتهكم لا ريب، فما هو بصدد العبادة ولا الصلاة.

** من الجدير بالذكر هنا أن باتي هيرست وبعد أن نجت من حياة السجن قد أصبحت رمزاً من رموز الكامب، ومثالاً على ذلك الأدوار التمثيلية التي أدّاها في بعض أفلام جون واترز الشهيرة.

*** قوله كاميلوت، وهو من باب السخرية والتهكّم، فهذا اسم كان يُطلق على العلاقة الحميمة بين الرئيس جون كينيدي وزوجته، اللذين بنيا أسرة رومنطيقية قوية استحوذت على خيال الشعب الأمريكي في فترة الستينيات. فما أبعد هذين الزوجين عن آل وتيبر، اللذين عُرفا ببساطتهما المثيرة للشفقة والاستهزاء في معظم الأحيان.

02 يوليو 2010

جزمتين


دعوة

هذا الكتاب يجب أن يُحرق.

أدعو الجميع الى التجمّع يوم الجمعة القادم أمام عمارة رقم 2 حيث سنقوم برمي هذا الكتاب في كتلة متوهّجة من النار الأبيض، سأتكلّف أنا شخصياً بإعداد الحطب الذي أجلبه من أدغال الأمازون المستباحة.



تفاصيل الصنع

الأعمال الفنية الواردة في هذه الرواية سرقتها من جهات مختلفة، أذكرها هنا على سبيل الفضح والفشخ:

صورة الغلاف - كوكو بابي (هنا)

صورة الأسد يمكن مواجتها هنا

وصورة البقرة

أما سورة البقرة

والصورة المكتوب عليها "خلي عنك الشنطة يا لؤلؤ" ملتقطة من الفيلم الأسطورة "بليد رونر"

أما بقية الصور فمن إبداع المؤلّف بمساعدة برنامج فوتوشوب الآدوبي

11 يونيو 2010

جسد بلا أعضاء

جسد بلا أعضاء

لقد بدأت أهتمّ في الآونة الأخيرة بما يسمّى بالجسد، ذاك الماعون الإنساني الفذّ الذي يحتوي على كافّة الماكنات الصغيرة، تعمل في الصمت، كما تتضافر في غياهبها شتى أنواع الأسلاك الرفيعة والأفلاك البديعة* تجري من تحتها ومن فوقها ومن خلالها أنهار متدفّقة من القيح والدم والخرا والعماص.. سفن وقوارب مشحونة بجميع أصناف المنكر، منافذها ومخارجها تتستّر على الخبر، تنتفخ وتتفجّر بالاحمرار..

لذلك قد وافقتُ على بضعة مشاريع استكشافية، علّها تسلّط الضوء على بعض ما غمض من أطراف هذه الكتلة الضخمة من المادّية المفرطة.. مثالٌ على ذلك ما قدّمته مؤخّراً بخصوص الأخلاط الجسدية الأربع، ورغم أني ذكرتُ منها اثنين فحسب فلا يقلّل ذلك من أهمية النتائج، وخطورة المباهج،** الساحقة الجارفة في وضوحها التامّ..

إلا أنه قد تناهى الى مسامعي منذ فترة قصيرة ما مفاده أن الجسد في خطر، فقد تربّص له بعض الذين بقلوبهم حقد ومرض ورياء وزيغ، خاصة الزيغ، فاستلّوا خناجرهم وانقضّوا بلا هوادة، وجعلوا منه ومن عماصه أشلاء..

وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: هل كان لكلّ ذلك أن يحدث؟ هل كان لا بدّ مما ليس منه بدّ؟

أنا مثلاً لم أكن أعرف - إلا منذ فترة قصيرة جداً - أن لدي جسداً.. ألا إنه شيء غريب، فكّرت، أن يكون لي هذه الكمية الهائلة من اللحم والقيح والدم.. هذه التركيبة المحدودة من الأذرع والأسنان والصدغ والأكواع.. والعجيزة***.. لكنه الحقيقة. كلّ المعطيات العلمية تشير الى ذلك، حتى السحر الأسود والخرافات الشعبية تقول بوجود الجسد الملموس الحيّ، فلا مفرّ..

لذا فيكون من الطبيعي أن يتعرّض هذا الشيء - نظراً لوجوده الجسماني - لخطر التدمير والتعوير والمعاول الهدّامة. خاصة المعاول الهدّامة.

وقد يكون أكثر ما يهدّد الجسد هو الجو نفسه، بما في ذلك من تقلّبات مناخية وأحوال طقسية، وهذا ما تبيّناه أيضاً في التدوينة السابقة، فلا يكون ذكره سوى ضرب من الملل والتكرار..

أمّا الجسد بلا أعضاء فهو الفضاء الافتراضي، بكل ما في الكلمة من معنى. هذا الجسد يتجاوز الجسد الجسماني المحدود، بل يدلّنا على أن هذا الجسد الأخير لا وجود له أصلاً، فهو مجرّد تبسيط مخلّ للأمور، لا يقدّر مشروع الصيرورة التعاونية الكبرى (becoming-with) التي تعدّ جزءاً لا يتجزّأ من جملة العناصر الصغيرة الفعّالة - بما فيها من أحقر الخلايا السرطانية وأشطر القبائل الغجرية وأعلى الكائنات البشرية وأسفل الدرجات الحرارية - المرتبطة ببعضها البعض، ليس في نظام بنيوي شامل إنما حسب توافق الأشياء وتباعدها في ظروف عبثية مطلقة..

مثل هذه المشاريع يجب أن تكون تجريبية، يفترض ألا تكون متجمّدة متحجّرة نهائية، فالإنسان الصائر التعاوني - أو قُلْ الإنسان المتصاير وهو أحرى وأظرف - لا يكتفي بالرأس الواحد المملّ، بل إنه ليجرؤ على ارتداء رأسين، ثلاثة رؤوس أو أكثر فيصير بذلك على منوال الهيدرا الأسطورية.. كما أنه لن يكتفي بساقين عاريتين، إنما سيذهب الى أن يكسوهما بالبنطال الأزرق المحزّق المعروف وهكذا..

جميع المخارج مفتوحة، جميع المنافذ مفشوخة، ولم أجد صورة أنسب وأليق من هذه القمورة السبعينية الحمراء فصبركم جميل وسعيكم مشكور..

---


*قوله والأفلاك البديعة، واحدها الفلك أي السفينة التي ملأها سيّدنا نوح عليه الصلاة والسلام بكافّة أنواع الحيوانات، وذلك لفطنته الواسعة وشطارته الشاسعة، اذ أن سيّدنا هذا قد فطن الى أن الإنسان لا يصير لوحده بل يتصاير (إن صحّ التعبير) مع أجساد أخرى غير جسده، إنسانية وآلية وبهائمية أيضاً ربما والله أعلم.

**قوله وخطورة المباهج، وهو بلا معنى إنما قُصد منه استكمال العرض استبياع الفرض والله أعلم.

*** قوله العجيزة، وهي ما يسمّيه البعض المؤخّرة، والإليتين، والكفل، والأرداف، وأخيراً وليس آخراً الطيز وهو ما يتعرّض في العادة الى البعبصة والجعلصة وغيرهما

05 يونيو 2010

الأخلاط

الأخلاط

السويداء

الأرض مكتئبة، هذا ما تعلّمناه منذ أن انبثق البثق، فانفشخ قاع البحر عن تلك النافورة من السويداء،

هذا تفسير بدائي للأمر على الأقل، أصبنا أم أخطأنا، لكن الواضح على كل حال أن الحلول مستعصية، والأمور مستغلقة، فهذا السائل القاتم السواد من شأنه أن يقيّد الحركة، ويقلّل من البركة، فيحول دون الإمكانيات والانطلاقات، كما أنه يكسر الأجنحة ويكتم الألسنة..

فدعنا نسأل كما سألت المفكّرة الكاليفورنية دونا هاراواي في كتابها تلاقي الأنواع: ما هو الذي أتحسّسه، عندما أتحسّس هذه البجعة؟ الجواب يبدأ من الأدوات التي توصّلها الينا: الآلة التصويرية التي هي ديجيتال في أغلب الظنّ، البرامج الحاسوبية والأسلاك الالكترونية التي تشكّل همزة الوصل ما بين الكاميرا والكومبيوتر، ثم البنية التحتية المتكوّنة من كابلات ودشّات، أقمار صناعية وشبكات عنكبوتية، الى أن ننظر الى هذه الشاشة من خلال حاسّة البصر عندنا، التي تتميّز بقوة التركيز بالإضافة الى قدرتها الضيّقة لإدراك الألوان.. حاسة البصر التي تتماشى وتتشابك مع طوايا المعدن والبلاستيك واللحم الكهربائي..

نتوغّل بذلك الى تاريخ الهندسة المعلوماتية، مناهج الإنتاج والتركيب السريعة، عمليات الحفر والتنقيب الديجيتالية، الأبحاث الحاسوبية والبيلوجية المموّلة من قبل الحكومات والمؤسسات الكبرى، الأسواق العالمية والتجارة المحلية، عادات الاستهلاك والاستعمال، هذا كله يتقاطع مع فوارق الجنس والعمر والطبقة والعرق، المرتبطة لا ريب بأنظمة العمل الموزّعة بالتفاوت على كافّة أنحاء العالم..

كما أن هذه البجعة وصلت اليّ بفضل الممارسات الصحافية الأمريكية، المكتظّة بخطاب حماية البيئة الذي تبلور في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، والذي لعلّه انحدر عن خطابات أكثر قدماً مثل الحركات السياسية التقدّمية ، أو الأدبيات الممجّدة الطبيعة الأمريكية الإلهية ، شعر الرومنطيقين وعواقب الثورة الصناعية البشعة، البجعة البشعة، المغلوب على أمرها، وسبب ذلك أخيراً وليس آخراً تسرّب النفط الى خليج المكسيك، ينعل أبو الشركة البريطانية للبترول..

الصفراء

كان لديه حويصلة مرارية، لكنه الآن ليس لدية حويصلة مرارية.

إن الحويصلة المرارية لهي غدّة صغننة تشبه الكمثرى، تسبح في ظلّ الكبد. إنها مكنة صغيرة تفرز الصفراء وتخزنها، ترتبط بمكنة أكبر تتخصّص في الهضم، مكنة الهضم هذه ترتبط بمكنة أخرى مهمتها التغوّط، ترتبط هي بدورها بمكنة شطف وتنظيف، تؤدّي الى المجاري وهكذا..

من الصعب أن ترى الحويصلة المرارية بالعين المجرّدة، اذ تختبئ تحت الكبد كما سبق وذكرت، ولذا فإنها تخفيها عن العين طيّات اللحم والعظم والدم والعضلات..

إن الحويصلة المرارية لهي لغزٌ أكبر. ماذا تعمل هذه الغدّة الصغيرة، ما سبب وجودها إن كان معظمنا بغنى عنها؟ إنّ الحويصلة المرارية اذن لترتبط وبشكل أساسي بقضية الفعل والتفاعل، والقصدية والسببية..

الرئيس حسني مبارك كان لديه حويصلة مرارية، لكنه الآن ليس لديه حويصلة مرارية. تمّ استئصالها في عملية جراحية أدّاها فريق من الدكاترة يرأسه الدكتور ماركوس بوشلر، وذلك في اليوم الموفّق السادس من مارس ألفين وعشرة. ولقد استعانوا في هذه العملية بأدوات طبية عدّة منها المشرط والمقلط والمشبك ونحو ذلك، بالإضافة الى اللارسكوب والباراسكوب والتروكر والسوجر. وغيرها كثير.

والأحرى أن نقول: هؤلاء الدكاترة تمكّنوا من رؤية هذه الغدّة الصغيرة بفضل تصادف البكسلات الالكترونية الضئيلة الحجم وتوافقها على شاشة عظيمة، تنتمي الى تاريخ طويل من العمل اليدوي في هذا المشتشفى الألماني كما في مصانع أخرى غير مرئية، في بلاد غير مرئية يسكنها أناس غير مرئيين.. يجمعهم تدفّق الأموال من الحكومات والشركات الخاصة: هذا كلّه مكّن الأطبّاء الألمان من رؤية مرارة الرئيس، ثم استئصالها..

في ذلك اليوم الموفّق السادس من مارس، لقد اجتمع الرئيس حسني مبارك مع المستشارة الألمانية أنجلا مركل في مؤتمر صحافي رأيته على يوتوب. قد ركّب الرئيس جهازاً للترجمة على أذنه اليمنى، بينما قبض على منضدة زرقاء بيديه الأثنتين. اختلج الرئيس بغتة، رفع يده اليسرى وجعل يمسح عدّة ذرّات غير مرئية عن المنضدة، أراح يده ثم رفعها مرّة أخرى كي يمسح بها عينه اليسرى.. قام صحافي جريء وهو يسأل:

" يا سيادة الرئيس، ما رأيك عن المواطن محمّد البرادعي؟ "

نُقل الرئيس إثرها الى غرفة العناية المركّزة في مستشفى هايدلبرج، حيث تم استئصال الحويصلة المرارية. هذه الغدّة الصغيرة تفزر ما يسمّى بالصفراء، فأفرزت إفرازاتها الأخيرة، في نفس الوقت الذي انتشر الخبر في الصحف، الصفراء هي الأخرى..

31 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة التاسعة

غرضه الهجاء: الخطوة التاسعة

قام عم سحتوت مطرقعاً إصبعيه وهو يستهلّ حديثه المطوّل:

وحّد الله. ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام. كان فيه واحد ملوش تاني، قال يضرب العشرة عشان يجيب حتّة عيّل، أصل الراجل دا ما كانش متجوّز حاكم أيامها الستات لسه ما اتخلقوش.. المهم، جاب ولد سمّاه جو بالجيم غير المعطّش،وبعدين جاب بنت فسمّاها شيكة. وتعاقبت الأيام ومرّت السنين، فنتأ للبنت نهدان ممتلئان وطال شعرها، أمّا الولد فأطلق قضيبه واكتمل جسده. فما كان من الرجل إلا وجوّزهما على سنّة الله ورسوله، علشان مايبقوش عايشين في الحرام والبتاع. وذات ليل معتكر وهم يتسامرون يعربدون، إذْ تسلّل الى مجلسهم بورص قال لهم: أيها المؤمنين. أيها الأصدقاء. أنا عندي في الشنطة كمترى أحبّ أتخلّص منه. أرجوكم خذوا هذا الكمترى وكلوا منه وأكون أنا من الشاكرين. فما كان من الرجل الوالد إلا أن ضحك ضحكة رنّانة استخفافاً بالبورص وبشأنه، ففعصه بجزمته ثم شواه عالنار وشارك الجميع في أكل البورص المنحوس. خلاصة القول إن الولد والبنت لمّا مات الوالد بعد ذلك بعدّة سنين قالوا: فلننشئ أمّة عظيمة، وتكون أساسها هذه المدينة. وهكذا تأسست مدينتا الفاضلة، شيكة - جو أيْ شيكاجو كما نعرفها اليوم. وهي بمثابة الجنة لكن مش هتلاقوا فيها ولا بورص ولا كمترى، ودا العيب الوحيد فيها. أمّا حكاية البصل والمستنقع والهنود الحمر فلا تصدّقها فما هي سوى ضرب من التزوير والبهتان..

[وهنا قام عم سحتوت مرّة أخرى رافعاً البرنيطة عن رأسه، وكأنه سيستخرج منها أرنباً أو عصفوراً أو نحو ذلك، إلا أنه لم يكن ثمّة شيئاً ، فابتسم بمكر واستطرد قائلاً:]

لكن كلّ هذا على سبيل التقديم، ثمّ أنت سألتني عن السيّدة نادية تلك فاعرف أيها الأخ أن هذه الولية لها قصّة شرحها يطول..

[وقفت مشدوهاً وأنا أرى عم سحتوت متنطّطاً حول عربته بلباقة بهلوان محترف، وهو يحكي لي ما يلي:]

بلغني أيها المواطن السعيد، أن مدينتنا الفاضلة قد اُبتليت ثلاث مرّات بغضب الغاضب سبحانه وتعالى، ففي المرّة الأولى أنزل علينا تلك البقرة الرعناء التي سبّبت في الحريق الأعظم، الذي راح ضحيته ناس ياما، ثم طفحت المجاري من تلقاء نفسها فأطفأت النيران لكنها غرقت شوارع مدينتنا بالسوائل النتنة والروائح الكريهة، فأصيب عدد لا بأس به من الأهالي بأمراض لا تُعالج سوى برشّ الملح وهزّ المباخر.. أمّا المرّة الثانية فقد أنزل الله عزّ وجلّ تلك المعزة التي قضت على فريق البيسبول الشجاع، فكان الذي يئس وكان الذي تأفّف وتذمّر. ولم تنجو المدينة من هذه البلوة الثانية إلا بجدعنة الأهالي وقوّة عزيمتهم وثقة خطواتهم.. ولمّا كانت هاتان البلوتان قد أتتا على يد حيوانين اثنين الأول بقرة والثاني معزة، فكان من الطبيعي أن تأتي البلوة الثالثة على يد حيوان أقوى بأساً وأشدّ فتنة ، ألا وهو...

[وهنا قمت ضارباً كفاً على كفّ فعرفتُ الجواب وهتفتُ تقزّزاً]: لام واو لام واو..

نِعم الرأي يابني، نِعم الرأي. هذا هو الحيوان الثالث، ذلك الكلب العظيم، الذي يتكّون اسمه من اربعة حروف، اربعة حروف فقط لا أكثر ولا أقل. فلقد أنزله علينا ربّ السموات غضباً علينا لسبب لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأيّ شرّ يعدّه لنا هذا الكلب، وأي ويلات يضمرها لنا.. أعوذ بالله وبه نستعين..

[صمت عم سحتوت برهة، لكنه ما عتّم أن عاد الى تنطّطه وتمثيله البارع]:

خلاصة القول يا بنيّ، أن هذا الكلب العظيم، الحيوان المدردح، لم يأتِ سوى ليعيث في الأرض فساداً، أمّا تفاصيل البلوة الآتية التي سيأتي بها علينا، فهي تفاصيل أجهلها جهلاً تامّاً.. المؤكّد، على كل حال، أنه منذ ظهوره في أرضنا الطيّبة فلقد نجحت السيّدة نادية، وهي من أقوى زعماء المافيا في مدينتنا، في ترويض هذا الكلب لأغراضها الخاصة..

[وهنا قاطعت عم سحتوت، فلقد سايرته بما فيه الكفاية إلا أنني وددت أن أفنّد بعض ما قاله فقلت:]

حسناً يا عم سحتوت. حسناً. لكني سمعت رواية غير روايتك للأمور، جاء فيها تفاصيل تخالف ما قلت عن ذلك الكلب وتلك السيّدة التي تدعى نادية. اذ أنّ هناك من يقول أن هذا الكلب لا علاقة له بربّ السموات ولا للبلاوى الثلاثة التي سبق وذكرتها، إنما هو كلب عادي نشأ وترعرع مع السيّدة نادية ذات نفسها في معهد سويسري لفنون السرقة والتشليح، عمره يناهز عمرها، والإثنان هاجرا الى مدينتنا الفاضلة منذ عشرة سنوات على وجه التقريب، وذلك من أجل سدّ الفراغ الذي ظهر آنذاك في قيادات المافيا العليا.. فسدّاه سدّاً عنيفاً..

[كفّ عم سحتوت عن تنطّطه واكتفى بهزّ رأسي موافقاً ثم قال]:

نعم. لقد سمعتُ هذه الرواية أيضاً، وقد لا تقلّ تشويقاً عن الرواية التي سبق وذكرتها لك. لكنّه يجب عليك الآن أن تكتشف أيهما الأصحّ، فتميّز الصدق عن الكذب، والصواب عن الخطأ، والحقّ عن الباطل..

أظنّك ستجد ما يساعدك في هذه المهمّة في الطوابق السفلى للمكتبة الهائلة التي نتظلّل تحتها حالياً. ... [ران الصمت برهة وجيزة، ثم استطرد قائلاً] نعم. مرادك ستلقاه في تلك المكتبة بمتاهاتها الخرافية، هذا أؤكّده لك بكلّ ثقة. لكن.. نصيحتي وحدها لن تضمن لك النجاح. بل إنك ستحتاج الى هذا أيضاً..

التفت عم سحتوت، مال بجسده على عربته المذكورة، مدّ يده بحركة ميكانيكية، سمعت إثرها اصطكاكاً معدنياً، عاد والتفت اليّ مبرزاً عكّازاً خشبياً قد حُفر فيه أربع حروف، أربع حروف فقط لا أكثر ولا أقل..

[نواصل فيما بعد!]

27 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة الثامنة

غرضه الهجاء: الخطوة الثامنة

قرص الشمس يتبجّح في كبد السماء، غمامة بيضاء تلتفّ حول بجعة بيضاء هي الأخرى، تأكلها وتمرّ، وأنا أمشي الهويدى على الرصيف في ظلّ مكتبة هارولد وشنطن. الشوارع شبه مقفرة، إلا أن ثمّة طنيناً مرحاً يتصاعد من حفلة جاز بعيدة، يتناهى الى أذنيّ.

أطلق صفيراً خفيفاً، يكاد لا يُلحظ، بينما أتذوّق وأستعذب بقايا القهوة على لساني.

وإذا بشيء لزج، رذاذ خفيف يتساقط على قبّعتي. يستبدّ بي الفضول، فآخذ أتحسّسه بيدي وأعرف أنّه مادّة رغوية حامضة، كأنها صابون قويّ..

أخلع القبّعة في الحال فأرميها بعيداً وهي تشتعل ناراً. تصطدم بعامود نور فتنفجر مرّة واحدة مخلّفة وراءها قطع قماش محروقة تتطاير في الهواء. أضع قبّعة ثانية، أحتفظ بها على الدوام لمثل هذه الظروف المباغتة، وأتطلّع الى أعلى:

غرغول أخضر صدئ، يتفصّد الزبد من فمه، يجلس فوق سطوح المكتبة الشاهقة.

هذا المبنى المهيب يصعب تجاهله. يمتدّ عشرين طابقاً الى أعلى، بالإضافة الى ثلاثة وخمسين طابقاً تحت الأرض. قليلٌ مَن سوّلت له نفسه بسبر أغواره وكشف أعماقه، التي يروى عنها أنها عبارة عن متاهات لولبية ومغارات حلزونية، حجرات سرّية قد لا تتّصل بعضها ببعض، سلالم من حديد ومصاعد من خشب قديم، يتآكل عند الأطراف..

لكنّ هناك من يتساءل: لماذا احترقت القبّعة، بينما يدك اليمنى التي تحسّستْها لم تحترق؟

فاطمئنّوا أن سرّ ذلك قد يكمن في مكوّنات تلك المادّة الرغوية اللزجة، التي بخّها عليّ ذلك الغرغول الأخضر. وهو الأمر الذي يقتضي بالطبع إجراء بعض التحليلات الكيميائية، إلا أننا مضطرون لتأجيل ذلك الى حين العثور على معمل علميّ معتمد. فلنضع الفضول جانباً، ولنكتفي بالنصرة الصغيرة التي حقّقناها ههنا. فالحقيقة أن هذه القصّة كادت أن تتكسّر وتزول، كادت أن تذوب نهائياً تحت وطأة السريالية المفرطة، والأوزان المثقلة.. أقول (كادت)، لأنّك عندما ترى قبّعتك تتأجّج، عندما ترى قبّعتك تولّع وتحترق لهباً، عندها، عندها فقط، ستدرك خطورة الأمر، وجدّيّة الموقف لا محال..

لذا عزوت الأمر كلّه الى مهابة المبنى وألغازه، وكمّلت مشواري.

لمحتُ رجلاً عجوزاً يجرّ عربة متواضعة، عليها أصناف متنوعة من البوية والزيوت. وعرفته في الحال: هذا عم سحتوت، ماسح الأحذية، ومع ذلك فهو يقضي معظم الوقت في تلميع الأكر، وبيع الأسرار. أنت تمدّه بدرهم محترم، وهو يمدّك بمعلومتين مفيدتين. تعطيه مليماً أحمر، يعطيك قصة حمراء من اللي هي، وهكذا.. عم سحتوت ورغم اسمه طلق المحيّا، مدمج الخلق وإن كان هذا لا يمنع أنه أحياناً كثيرة يستقبلك بوجه كشر. أنا أعرف عم سحتوت منذ نعومة أظافري، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق هذه الناصية جنب مكتبة هارولد وشنطن، يتكلّم ويرغي ويفتي، ويجمع خلالها ثروة معتبرة. لماذا لم يتقاعد، لماذا لم يترك العمل، فهذا سرّه الأبدي، لا يبيعه لأحد.

أتذكّر مرّة كنت أجلس فيها مع عم سحتوت، وأنا ابن الأربع سنين أو أكثر قليلاً. كان عنده طقم من الكراسي اعتاد أن يرصّها على شكل دائرة حول عربته عند الناصية. رغبتُ فجأة في العودة الى البيت، فأخذت معي الكرسي الذي كنت أجلس فيه. عندها، عاتبني عم سحتوت وهو يصيح:

- دي بتاعتك علشان تشيلها؟ دي بتاعت ربّ السما..

احترت فيما أقول، فتركت الكرسي بما عليه - ولم يكن عليه شيء - ولذتُ بالفرار. في هذا العمر المبكّر، لا يكون للطفل - ولداً كان أو بنت - معرفة عميقة بالألاعيب اللغوية. ما يفهمه هو الحركة، والوجه، الى جانب الصوت الخالي من أي تجريد أو التواء. لذا لم أفقه مراده، ولم أستوعب مقصوده، وكانت ردة فعلي الطبيعية أن أجري بعيداً، بينما أسمع عم سحتوت وقد صدرت عنه ضحكة رنّانة، اهتزّت لها العربة بما عليها.

المهمّ، ناديت على عم سحتوت وأنا ألوّح بيديّ الاثنتين، فقد ارتسمت على وجهه علامات الرحابة والاستقبال، وبدا كأنّه يتوقّع قدومي في مثل هذا الوقت. يجب أن أصارحكم أنني لم أزره منذ زمن طويل، وذلك لأكثر من سبب. أوّلاً وكما هو معروف، لقد قضيت الشهور الماضية القليلة في غرفة مغلقة الشبابيك مقفلة الأبواب، تفصلني عن العالم حيطان من خشب أو قرميد أو خرسان ونحو ذلك. ثانياً فلقد بلغني في الأونة الأخيرة بعض ما تناقلته الألسنة وتبادلته الأفواه، ومفاد ذلك أن هذا الرجل قد ضُبط مؤخّراً وهو يتاجر بالعقاقير غير المشروعة. ومع أنني لم أكن أصدّق هذه الإشاعات طبعاً، إلا أنني لم يكن ينقصني كلام الناس اذا ما أكثرت من التردّد عليه.

- عامل ايه يا عم سحتوت [ضمّني الى صدره وربت على كتفي]

- مليح والله، مليح ..

صمتّ لحظة، تردّدت مليّاً قبل أن أفاتحه في الموضوع الخطير:

- بقولك يا عم سحتوت.. ماذا تعرف عن السيّدة نادية تلك؟

- [اكفهرّ وجهه بغتة، إلا أنه سرعان ما استرجع هندامه فافترّ ثغره عن ابتسامة واسعة وهو يقول:] استريّح يابني، استريّح.

فجلست، ثم مدّني بسيجارة وبدأ يتحدّث..


[نواصل فيما بعد!]

13 مايو 2010

وقفة ضرورية على الجمل الأزرق وبعض ما نتف من وبره

وقفة ضرورية على الجمل الأزرق وبعض ما نُتِفَ من وبره

يحلو لي بين الحين والآخر أن أتعرّض لبعض مخلوقات الله المنسية، بعض الكائنات الخرافية وغير الخرافية التي قد تمّ إهمالها وإغفالها لأسباب غير واضحة، وغير مقنعة بالمرّة. فمن هذه الحجج التي صادفتُها، والتي اعتلّ بها بعض أهل الخجل والإنكار:

أ) هذه المخلوقات خرافية، ولذا لا جدوى يُنشد من ذكرها

ب) لقد انقرضت طائفة منها، أما الطائفة الأخرى فلقد تطوّرت وتحوّلت الى أنواع أبهر وأنفع

ج) لا يكون ذكرها سوى ضرب من السحر الأسود، أو النفث في العقد، وذلك مما لا يحمد عقباه

د) بسّ يا عم ما عدتش فاهم اي حاجة تقولها

إلا أنه يسرّني أيما إسرار أن أتجوّل برفقتكم في هذه الحديقة الغنّاءة * المكتظّة ببعض ما زمجر ودمدم * وبعض ما يندّ عنه الثغاء * وبعض ما يندّ عنه الرغاء والمواء والهراء * فلنصيخ السمع، ونرهف الحواسّ * علّنا ندرك بعض ما تولّد من الجِنّة والرِنّة والناس

فلنذكر أمر العدار ونقول (أمّا العدار) فهو كما ذكر المسعودي في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر):


يعني ايه (يتدوّد دبره) يعني يجيله الدود في طيزه يا معفّن يا مسعودي الله يقرفك. لكن ما سقط عن هذا النصّ هو أن العدار لا تقتصر مظانّه على صعيد مصر واليمن السعيد فحسب بل تمتدّ الى حواري وأزقّة مدن الخليج حيث يتقمّص شخصيات بارزة أمثال ... (سقط هذا الجزء من النص وضاع..)

(وقال بعض الناس) هذا من الثقل والدناءة (ثم عارضهم البعض الآخر وقالوا) بل من الخفّة والعبث.

ثم لنذكر أمر الجمل الأزرق فنقول (أمّا الجمل الأزرق) فهو نوع من أنواع المركوب اشتهر أيام القحط والجدب والجفاف في البادية والبيداء والفيافي والصحراء ونحو ذلك. ولقد اختلف الفقهاء في سبب لقبه بالأزرق فيقول طائفة منهم ذلك لجلالة عهده ووساعة حنكته ثم يقول طائفة أخرى بل لشدّة عطشه وكثرة شربه في الواحة أما الطائفة الأخيرة فيقول الأزرق وهو لون وبره والله أعلم وبه نستعين..

وبينما يؤكّد علماء البيولوجيا وبالإجماع أن هذا النوع من الجمل قد مات وفات، انقرض واندثر، إلا أن بعض الجهلاء في الصحافة الصفراء وأقلام السفهاء لا يفتأون يروّجون للإشاعات القائلة بأن السيدة المحترمة م.غ. إنما هي محتفظة بعيّنات من الجمل الأزرق في حديقتها السرّية وأقبيتها العلمية حيث تناديهم بين الحين والآخر كي تحوّلهم الى الجمال العادية، غير اللافتة للأنظار.

واتفقّ في الآونة الأخيرة أنني العبد الفقير قد عاينت هذا الحيوان الغريب، الكائن المشيب، وعرفتُ هيئته الجميلة وقامته الأنيقة، الى جانب ملمسه الوثير وملبسه المنير. ذلك أن الأخت الشقيقة، السيّدة العفيفة زرادشت قد راق لها السفر الى مدينة نيو أورلينز، فتفقّدت أحوالها وتوقّفت على أشغالها، ومنها أشغال الفسق والدعارة والعهر والانفلات!


أَجَلْ فإنها مدينة نيو أورلينز - أو قُلْ (نالينز) وهو الأصح في لهجة سكّانها ولغوهم - الشهيرة بالفيضانات كما بالكبائر والموبقات. وذلك رغم وقوعها في الجنوب الأمريكي، المعروف بشدّة تخلّفه وحدّة تحفّظه، فتكون (نالينز) هذه بمثابة الواحة، المغوية لأصناف الحيوانات أجمعين، الخرافية منها وغير الخرافية: منهل دعةٍ يشرب منه الكثير، مورد جعةٍ يكرع منه الجمل والحمل والبعير.

يبقى فيها اللي طلع مالبيضة، واللي طلع من الرحم، واللي مسخلط وشّه بالزمرّد والزبرجد والفحم.

ولِمَ نستغرب اذن، أن الآنسة زرادشت وبينما هي طائفة بشوارع (نالينز) وأزقّتها، اذ وقع بصرها على شيء غريب، هو كنز فريد، ينبلج لمعانه من إحدى الفترينات الموجودة هناك. نمّت عن آنستنا شهقة مكتومة، توجّهت على فور الى ذلك الشيء الغريب، خطوات مسرعة تحملها الى المراد، يزيد لونه ازرقاقاً، يميل الى الكحل: ألا وهو كوفيّة مصنوعة من وبر الجمل الأزرق.

---

هذا الوبر بحوزتي الآن، ملك يديّ. الآن، تدور كل الأفلاك حولي، إذ أني الملك لويس الرابع عشر، الملك الشمس، الذي ظهر ذات يوم على خشبة المسرح، كي يقوم بدوره أمام الجمهور، ممثّلاً تلك الكتلة النارية الهائلة بظرف وامتياز، وذلك لمدّة اربعة وعشر ساعة بالتمام والكمال.

---

ولم أرد هذه التفاصيل من باب الفضح، اذ الفضح كما نعلم إنما هو تقنية خطابية تعتمد رؤية محدودة للأمور، مفادها أن الحقيقة شيء ثابت وإنْ غمض قليلاً وما خفي كان أعظم، وبالتالي ما علينا إلّا أن نكشف عنها القناع ونسقط عنها اللثام ويكون بذلك الباطن ظاهراً والظاهر باطناً. وهو الأمر الذي يقودنا الى إصلاح أنفسنا بل وإصلاح المجتمع والارتكان الى ركائز العالم الطوباوي الآتي الآتي الآتي... وأي نوع من الإصلاح هذا، الذي يتّخذ الحيوانات الفاضحة سلاحاً وأي سلاح، في حملة استعمارية ماجنة، هدفها إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار؟

وآدي البيضة وآدي اللي شواها وآدي اللي قال حلوة أجيب حتة لماما!

05 مايو 2010

غرضه الهجاء: الخطوة السابعة، وهي الانطلاق

غرضه الهجاء: الخطوة السابعة، وهي الانطلاق

لكن حان الوقت، بعد مرور ما يقارب الشهرين ، أن أخرج من ذاك الكهف المعفّن، فأجرّب حظّي في مراتع البشر المعتادة، المحفوفة بالأخطار والألغام..

نهضت بصعوبة بالغة كأنما قاطرة بكامل عرباتها قد مرّت على صدري، فتهشمّتْ عظامي و تفعّصتْ بضعة أعضاء من الجهاز الهضمي، المثخن بالجراح والآلام. نهضت وأنا أرى تلك القاطرة ضاربة في الابتعاد، تتلألأ أضواؤها الغازية بوهن وخفوت، في الأفق. أما السبنسة فتتباطأ قليلاً، وكأنّها غير مربوطة بسائر العربات المتسلسلة. هي عربة عنيدة تحرن وتثور.. أكاد أجزم أنها تحمل ذلك الكلب العظيم، الحيوان المدردح، سارق حذائي ودمي.

جُلت ببصري في أطراف الغرفة: أكوام متناثرة من الظروف الحمراء المفتوحة، تتراكم حولها قصاصات رفيعة من الورق الأسود. شبشب مهترئ يتصارع عليه الإهمال والنسيان، يرقد هناك. زجاجات نبيذ مرصوصة بعناية مريبة تحت الشبابيك، بعضها فارغة وبعضها نصف فارغة. ثعبان أزرق يبتسم بمكر، يلتفّ جسده حول فناجين القهوة الخمس، المبتسمة هي الأخرى.

هناك شيئاً ما، يبدو غريباً، لا يليق بالمشهد . إلا أنني لم أعد أهتم.

المهم هو حذائي.

لملمتُ في الحال أعضائي المبعثرة على الأرض: هذه الكمثرى الخضراء هي مرارتي، وهذه المعكرونة اللزقة هي حفنة من مخّي. أمّا ذلك السمك المنتفخ، فلا شكّ أنه طرف يسير من كبدي. مثل هذه الفواكه ضرورية لحياة الإنسان، يعتمد عليها المرؤ اذا ما رغب في مسيرة طبيعية في الأزقّة الطرقات.

بلعتها بسرعة كي تعود كل واحدة الى محلّها، عسى أن تكتمل طاقتي الجسدية في أسرع وقت ممكن: فإنّه أمامي الآن

ملحمة أسطورية،

ورحلة فسفورية،

أجازف فيها بحياتي كلها.

أيها القوم: إنّي سأتكبّد تصاريف الدهر، وأتحمّل الشقاء والقهر. كلّ هذا - أيها القوم - في سبيل المعرفة والحق والنور والغذاء، وإذا كسبتُ - الى جانب تلك الأغراض - شيئاً من المجد فلا ضير في ذلك. هذه هي مهمّتي المحتومة لا شك فيها، هي قسمتي ونصيبي لا فرار منها،

اللهمّ فاشهدوا :

أفخاخ منصوبة في الطريق، تتجمع الغيوم حول كهوف الجنّ والعفاريت، رعد وبرق وشتاء في الجبال، حفيف خطير يتصاعد من أوكار تمليت وجبليت: الأوّل على صورة الأسد والنسر، والثاني على صورة الذئب والخرتيت.

فلأشهر سيفي البتّار، ولأجهّز الفيسبة بالحجارة والشرارة والنار.

أقوم وأصيح: فداك أيها الحذاء المفقود! حلفت إني لأنتشلنّك من براهن الغدر والإجرام، ولأرجعنّك الى أيام الرجولة والفحولة والإكرام. حذار أيها الخونة والخائبين: إني الى قوم سواكم لأميل!


[نواصل فيما بعد!]