18 سبتمبر 2010

عدلي مات .. يعيش عدلي


عدلي مات .. يعيش عدلي


لم تسنح لي فرصة لقاء الفنان الكبير عدلي رزق الله، كما أني أشك في أنه سنحت له هو فرصة لقائي أنا – سواء من خلال هذه المدوّنة المتواضعة أو غيرها من ساحات اللقاء الإنساني الملفوفة بالغموض والهرطقة والانحراف، إلا أنه – أي الأستاذ عدلي – من تلك الأخلاط المتماوجة بداخلي، المؤثّرة بطريقة أو بأخرى في مسيرتي الدنيوية وغير الدنيوية على مرّ السنين، فبينها الصفراء والسوداء والحمراء ونحوها، أما الأستاذ عدلي فمن الأخلاط الزرقاء لا ريب .. عشت يا عدلي، وعاش الفنّ.


لا يزال عندي الكثير مما أودّ قوله عن هذا المخلوق الإسكندراني الفريد، والذي شاءت الظروف أن تحطّني محطّة الشاهد المتأمل أمام بعض من لوحاته، فساهمت في تشكّلي الذاتي المتحوّل المتخمول على الدوام، نظراً لبعض المواقف التي ركّبتني فيها، والإطارات التي أطّرتني بداخلها، إضافة الى الألوان المائية التي مرمغتني أنا وجسدي في انصبابها وانبثاقها..

لعلّنا لا نخطئ اذن في تأمّل بعض اللوحات ذات الطابع السحاقي:



لا غريب طبعاً في رسم لوحات فواحشية من هذا النوع، فالمعروف أن مضاجعة النساء لبعضهنّ البعض لهي جزء لا يتجزّأ من الفانتازيا الذكورية العالمية، هذا ما تعلّمناه من الشيخ النفزاوي في كتابه الروض العاطر في نزهة الخاطر اذ قال:


فبينما هو كذلك إذ دَخَلْنَ وأَغلقن الباب وهنّ مُمْتَلِئَاتٌ خمراً، ثم نزعن ما كان عليهنّ من الثياب وجعلن ينكحن بعضهنّ بعضاً، فقال المالك: صدق عمر في قوله: دار الخنا معدن الزنا

(ص 54)


ثم ذكر في مكان آخر رجلاً يحدّث رجلاً آخر عن إمرأة ذات عدد من الصفات المحمودة في جنسها:


قال: يا أخي لا شكّ أن هذا قصر الخلاعة عندهنّ، يدخلن له من الليل الى الليل. وهو مراح خلوة وأكل وشرب وخلاعة. فإن

حدّثتك نفسك أنك تصل اليها من غير هذا المكان فأنت لا تقدر على ذلك. وإن أرسلت لها لا تقدر على شيء.

قال: ولم؟

قال: لأنها مولّعة بحب البنات، فلذلك لم تلتفت الى ذكر ولا لصحبته.

(ص 180)


ولِمَ لا، فلا شك أن الأستاذ عدلي رزق الله كان رجلاً مهتاجاً – أي مُثاراً جنسياً – ومن حقّه أن يمارس هذا الهيجان مهما كلّفه من سوائل مائية وغير مائية..


ونعود بالذاكرة الى زيارة جمعت بيني وبين احدى لوحات عدلي، عنوانها إمرأة عارية أو شيء من هذا القبيل، أشبه ما تكون الى تلك الرموز المربّعة المدوّرة المعروفة عند المايا، تحتوي على سيقان وأبدان وكوارع ملتوية في بعضها البعض.. هذه

اللوحة شاهدتها في متحف الفن المصري الحديث، كنت حضرتُ برفقة فاء الذي دعاه عشيقه السفير خاء لمشاهدة فلم مكسيكي مستقل في دار الأوبرا. خرجنا من المتحف وجلسنا برهة وجيزة في تلك الكافتيريا هناك حيث طلبتُ أم علي اذ كنت أتكبّد آلام الجوع الشديد، الداعية الى جرعة أو جرعتين من اليمك. ما إن جلست الى جانب فاء وأم علي حتى وصل خاء بصحبة إمرأة إيطالية متأنّقة فسلّما علينا، مما جعلني في حيرة من أمري، فوضعني بين نارين، أو بين المطرقة والسندان كما يقال: فهل ألتهم الأم علي كي أسترجع ما ضاع من تركيزي وصفاء بالي، وأتحوّل بذلك الى ولد جائع نهم في نظرهما .. أم أترك الأم علي، وأضيع التركيز وصفاء البال، لكن أحافظ على شيء من الأدب والذوق ولو الى حين؟


اعتذرت لهم وأنا أغمس الملعقة في الأم علي ثم في فمي، تركتُ الأدب جانباً وانخرطت في شغل البلع والبلبع والهضم والاستيعاب.


دخلنا السينما بعد ذلك بعدّة دقائق، وسرعان ما فهمت اللعبة، فهذه الإمرأة الإيطالية عليّ أن أمثّل دور ابنها، وعليها هي ان تمثّل دور الأمّ.. أما السفير خاء فعليه دور الأب، بينما فاء وهو الأسمراني الوحيد في الحكاية يجب أن يمثّل دور الصديق المصري الودود، المرافق للإبن، اللي هو أنا. هكذا نتحوّل الى أسرة متكاملة، غير لافتة للنظر.


دخل العشيقان الى الحمّام فور انتهاء الفيلم، فوقفت أنا والإمرأة الإيطالية المتأنزحة نحملق في بعضنا الآخر. قالت بلكنة بريطانية لا تشوبها شائبة:


- حلو الفلم، إخراج مستقلّ وممثلين شطار، مش زي إفلام هوليوود.. [ثم كالمستركة] .. أنا آسفة، انت أمريكاني صحيح..


لم أفهم الشتيمة، هذا إن كانت شتيمة أصلاً، لعلّها تنتقم من انغماسي في الأم علي، أو أنّها فطنت الى ما لم يخطر على أحد ببال، فعرفتْ بشيء من الحدس أنني كنت قبل ذلك بعدة ساعات أبحلق مشدوهاً في دوّامة متوفّزة من الألوان المائية، المنسالة برفق وإبداع من ريشة الفنّان العظيم، المفقود، عدلي رزق الله..


06 سبتمبر 2010

صيف الحبّ

صيف الحبّ

يسرّني أن أبلغ الجماهير الهادئة بأن هذه المدوّنة المتواضعة / المنصّة المتعاظمة سوف تبثّ في غضون الشهر الحالي سبتمبر/أيلول عدداً من البوستات أتطرّق فيها الى ظاهرة من ظواهر الإنسان الراسخة والتي داعبت على مرّ السنين ما يتدلّى من أجساد البشر المهتاجة كثيراً: ألا وهي الحبّ. ذلك أننا وكما هو معروف قد شهدنا وتجاوزنا مؤخّراً حقبة تاريخية مباركة تلخَّص في كلمتين اثنتين لا ثالثة لهما: صيف الحبّ، ألفين وعشرة.

وبما أن الحدث الشخصي ما هو إلا انعكاس مصغّر للحدث الكوني العالمي الأعظم، فاعرفوا أن هذا الصيف المليء بالحب قد دخلته عن طريق رسالة تافهة وصلتي من وكالة الضرائب الفيدرالية، يخبرونني فيها بأنني تحوّلته من موظّف أمريكي عازب الى موظّف أمريكي متزوّج. وما أن وصلني الخبر حتى أسقط في يدي وأغمى عليّ أو بالكاد.. ثم سرعان ما عدت الى هندامي المعتاد ورفعت الهاتف - وهو الموبيل/الخليوي/الجوّال/البعكوكة - فاتّصلت بالأهل وبشّرتهم بالفرح الذي عمرهم ما كانوا يتوقّعونه. ولا يفوتكم طبعاً أن الحكاية دي كلّها أونطة، أيْ خطأ أحمق ارتكبه أحدهم في دهاليز البيروقراطية المدغمسة، خطر له أن يلاعب بالملفّات ويخلط الأوراق كما أحسب، إلا أنني قلت في نفسي: لماذا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؟ هكذا استيقظ شيطان الشعر، الوسواس الخناس، فاستدرجني الى مهمّة أعظم وأفشخ، وكانت الإشاعة. لم يتطلّب مني الكثير: توزيع بعض الهمسات البريئة والإيحاءات المليئة بين عدد محدود من الأصدقاء، ارتياد أماكن الثرثرة وجلسات النميمة بانتظام، ثم أخيراً وليس آخراً تزوير بعض الرسائل الغرامية المتبادلة بيني وبين المعشوقة هند رستم. التهمتُ التفاحة بحذافيرها، والنتيجة معروفة جيداً للجماهير الهادئة المشار اليهم أعلاه.

المهم أنه صيف الحبّ، وذلك لأكثر من سبب. فلقد تم تعيين الليدي كاجا قاضية من قضاة المحكمة العليا، ثم قبلها بقليل دخلت ولاية كاليفورنيا ومثلها جمهورية الأرجنتين الى مجموعة البلدان المعترفة بأنها لا تمانع كثيراً على اللواط والسحاق. لكن قوى الحبّ الكاسحة لم تقتصر على الأمريكتين فحسب، بل امتدّت الى ألمانيا حيث لقي أكثر من عشرين شخص حتفهم في تدافع أثناء مهرجان الحب في برلين.

ولا ننسى ما كان من اندلاع بئر النفط ثم سدّه سدّاً قوياً بعد ذلك، مما لا يخلو من بعض الرموز الجنسية لا شك.

وفوق ذلك كله، نطمئنّ الى أن السيّد باراك حسين أوباما ما زال رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، اذن كل شيء على ما يرام والحمد لله. أو كما قال سلطان الطرب جورج وسوف في وقت من الأوقات: لسه الدنيا بخير يا حبيبي، لسه الدنيا بْخييييير.

والآن، اليكم بالتدوينة الأولى من سلسلة الحبّ والهوى.

* * *

الطواف

أتذكر بوضوح أيام المدرسة الثانوية في تونس الخضراء، حيث كنا نتلقّى بعض الدروس النحوية من كتاب بعنوان "النحو العربي من خلال النصوص" بتأليف الأستاذ عبد الوهاب بكير، صدر عن الشركة التونسية للتوزيع سنة 1973. كما أتذكّر بوضوح تامّ ذلك الدرس المخصّص لـ"الجملة الواقعة موقع المستثنى"، والذي حفظتُ منه المقتطف التالي:

ثم إنّه حجّ فبينما هو يطوف بالبيت اذ نظر الى فتى من نمير يلاحق جارية في الطواف ويتبعها بالنظر. فلما رأى ذلك منه أتاه وقال له: أما رأيت ما تصنع أيها الفتى؟ فقال له الفتى: إني لم أرتكب ذنباً سوى أنني نظرت الى هذه الجارية، وإن لم تشأ إلا أن تعرف الحقيقة فلا تعجّل عليّ!

قد نُقل هذا الجزء عن أحمد بن عبد ربّه في كتابه العقد الفريد. لكننا لا نعيده هنا لما يتضمّنه من فائدة لغوية، أيْ الجملة الواقعة موقع المستثنى، بل نحبّ فقط أن نشير الى فحواه العاطفي البسيط، وما يشمله من براءة الشوق، وبلاغة العشق، وقوّة اللفّ والدوران.

فإن الرغبة من شأنها أن تولّد التعلّق، والتعلّق من شأنه أن يولّد الوجد والهيام، وما هذا الهيام إلا تعبير عن الاسترسال، والإطناب، والتبسّط في الكلام المنظوم: أي باختصار، الطواف بالبيت، الشعر. ليس من المستثنى اذن أن تجد شخصاً - وقد خالجه من الوله الشيء الكثير - متخبطاً في الطرقات الممهّدة جيداً، والتي هي ذات البنية المعمارية المنظّمة المنظومة، ثم وهو يهذي هذياناً معووجاً يعكس بشكل مباشر ما يقوم به من تفسّح وسير..

اذن فالطواف يمكن اعتباره على أنه عاطفة/حالة ذاتية تتّصف بتركيبة معيّنة، يترابط فيها كل من البنية المعمارية والحركة الجسدية والمياعة اللغوية، ثم تلاقي بعض الأشياء وتباعدها عن بعضها البعض مما يرجع أصلاً الى دوافع اللفّ، والتيه، والتحسّس والتكرار.

من هنا يجوز أن نتطرّق الى تركيبة ذاتية مماثلة، والتي تتلاقى مع الطواف في نقاط معيّنة وتتباعد عنه في نقاط أخرى، اذ أن هذه التركيبة الثانية هي وليدة هندسة معمارية مشابهة نعم لكنها مختلفة، كما أنها تتوافق مع تكتّلات مادية مغايرة، ويتعامل مع أدوات لغوية جديدة. هذه التركيبة الثانية اسمها الصرمحة. وهي ممارسة ترفيهية غرضها التعرّف على شخص لأهداف غرامية قد تؤدّي الى الوصال والجماع والمضاجعة والباه.

ويتوفّر هذا النشاط عادةً في الأماكن والمساحات ذات التصميم الهندسي المعماري اللائق، أيْ التي تتيح درجة عالية من الازدحام والدوران: المجمّعات التجارية الحديثة، الكورنيش، الميادين، الخ. أما البعد الخطابي، فإنه يجري على منوال الاقتضاب، والإيجاز، والغمز واللمز..

ولهذا الحديث تتمة فيما بعد..

15 أغسطس 2010

رسائل كلاسيكية

رسائل كلاسيكية*

*(رسائل كلاسيكة) هي مجموعة من الخطابات المتبادلة بين الحرّ الفقير وبين العلامة العظيمة، شمس اللغات وكوكب اللهجات، صاحبة الثلاثية المثلّثة الأستاذة كريستن بروستاد. ورغم مرور شهور كثيرة على تأليف هذه الخطابات، إلا أني لم أجد غضاضة في نشرها هنا، وإلصاقها ببعض التطورات العلمية والمستجدات المعرفية التي طرأت على النصّ الأصلي.

أيتها الأستاذة الكريمة، تحيات طيبة و بعد،

هنا بضعة حقائق وقفتُ عليها، وعدّة مشاهد تفرّستُ فيها:

فلقد اعتاد البشر المسالمون في عصور الجاهلية البائدة: (1) ارتياد أماكن البهجة، (2) والتنزّه في الحدائق الغنّاءة، (3) إضافة الى ما عُرف أيامها بدلج الليل(!). إلا أن الواحد منّا يجب ألا يتغاضى، ولا يشيح بالوجه ويتناسى، عن تلك الطقوس التي كانت تقامْ، وتلك الشعائر التي امتلأت فسقاً ولوثاً وحرامْ، في البيت الذي شيّده النبي ابراهيم عليه الصلاة والسلام. ولا تتبقى لنا دلائل ثابتة، ولا قرائن نابتة، تصوّر لنا ما كان يجري بجلاء ووضوح، كما أنه لا ينفعنا النقد والفقد والجرح المنكوء، المفتوح. فليكن هذا شغل الصحافيين والقناوات الفضائية. المؤكّد على كلّ حال ما كان تحظى به الكعبة في العهود المنصرمة من متعة ولذة وهيبة واحترام. ومن دعائم هذه الحال، وركائز هذا الرونق والجمال، ما كان يجري من تعليق القصائد السبع المختارة، وكانت المعلّقات. فهنا مجال غني للبحث، ومساحة ثرية للتحرّي والفحص: العلاقة بين سطوح التدوين، وعمليات التقييم، ممّا يلقي بعض الضوء على عناصر الذوق والتأمّل والفيس-بوك اللعين.

إن ما يلفت النظر في قضية المعلّقات هو ارتباط الاسم بالسطح الذي عُرضت عليه. اذ كانت قد عُلّقت، فجاءت التسمية تعكس هذا الوضع. ولم تكن هذه العادة غربية على عواصم الشرق، فقد عرف الفراعنة وحضارات ما بين النهرين قصوراً ومعابد وبرابي ازدانت حيطانها بأشكال الأدب والكتابة الظريفة. كل هذا مألوف، معترف به، مشهود له بالقداسة والأناقة والفنون الجميلة. فتوافد الناس أفواجاً من أطراف المعمورة المتباعدة، فسكنوا فيها أياماً، مندمجين في أعمال التهتّك، منخرطين في الدعة والتسيّب. وأشْعِلتْ المباخر وتشوّشت المشاعر، بينما ترفرف المعلّقات متدلدلة فوق الرؤوس. واستمرّت الأحوال على هذه الأشغال لأمد طويل، وجاء الإسلام فاستبدل القصائد بآيات القرآن الكريم: لكن بقي الوضع واحداً: كلمات تُكتب على الحائط، تُعبد وتقام حولها طقوس الدين والدنيا.

هبّت الرياح واكتسحت العالم قوات الحداثة الشهيرة، توسّعت أنظمة الملك الخاص والبورجوازية القلقة، القابعة في بيوتها المنعزلة: خلايا ميّتة لا ترتبط ببعضها البعض، تستشري عائثة في الأرض فساداً. واذ تمّ فصل القشرة عن القاع (مرّة أخرى، لكن بطرق جديدة)، كما تمّ فصل البراز (لا مؤاخذة) عن الشوارع والزواريب (وماعادش فيه زواريب كمان!). ونزلت الخرسانة في الأراضي، فتمّ بناء الحيطان العامة. هنا غدت المخربشات، وأنواع الكتابة الأخرى، ممنوعة على هذه السطوح. الى درجة أننا رأينا قيام بعض الحملات الحكومية، والمشاريع المدنية، ضدّ ما يسمّى بالجرافيتي والتخريب. فنظام النظافة قد حكم، ومساحات التدوين قد ضيقت أكثر فأكثر.

لكن عبثاً. فقد انتصرت المخربشات وحقّقت لنفسها قيمة فنية رسمية، الى جانب إدراجها في ترسانة أسلحة المقاومة. وبينما استمرّ التوتّر ما بين الجهتين - مع وضد المخربشات - إذ هبطت على رؤوسنا مساحة جديدة للتدوين ألا وهي الانترنت. وبعث أذرعه الأخطبوطية الى كل بيت، الى مقابع البورجوازية كما الى مصانع المهلبية. وأقيمت الحيطان مرّة أخرى، فيما يسمّى بالفيس-بوك، وأجيز نوعاً من الكتابة هناك.

وهكذا كان، لولا أننا نشكّ في صلاحية الرواية التاريخية المعتادة، التي تمحو التفاصيل وترجّح كفّة التعميم والمواويل. فالوقوف عند المعلّقات دون أجناس المخربشة الأخرى سيلقي بعض الضوء أيضاً على حوائط من عالمها، ومساكن أحداثها، إضافة الى جوانب لا بأس بها من الحياة اليومية التي كانت تعجّ بها وتحيط. وأول ملاحظة في هذا السجل موضع القارئ الحاجّ، القادم الى بيت الحرام من مكان قصي. كيف يتعاطى مع هذه الأبيات المعلّقة، وهل يسمح له بالدخول اليها أصلاً؟ وهل تكون تجربة تلقّيه لها شفوية أكثر، أم بصرية؟ ونشكّ في كونه حاجّاً، اذ أكثر من كان يصادف هذه الكعبة بمعلّقاتها كان ولا بدّ من أهلها المختارين لرعايتها والحفاظ عليها. كاهن، مثلاً، حضر الى البيت كل يوم سبت، كي يسقي الأصنام ويرشّ العطر والورد. ولعلّه توقف لحظة، واستنشق الرائحة الصخرية الفذّة، فتفكّر:

- أكان عنترة أشعر، أم إمرؤ القيس؟

ودسّ يده في جيبه، وأخرج قلماً، فدوّنه اسمه وتاريخ ميلاده على جزء مظلم من الحائط .

المخلص،

---

ثم وبعد المزيد والتفكّر والتأمّل ، قرّرت أن أتراجع عن بعض الأفكار التي قدمتُها هنا، فلقد رسى يقيني على أنه لا يجوز تناول الحائط على أنه شيء له تاريخ في حد ذاته، إنما الأصح أن نبحث في العمل وراء الحائط، وتحته وأمامه في بعض الأحيان. هذا نظراً للفرق الهائل بين البيت الحرام ومعلّقاته من جهة، وبين الفيس-بوك وحائطه من جهة أخرى، من حيث الجهود والنوايا والممارسات الجارية وراءه، وتحته وأمامه في بعض الأحيان. وهذا خطاب آخر سأكتبه في اللاحق بمشيئة الربّ عز وجلّ


26 يوليو 2010

نَعُودُ فَالعَوْدُ أَنِيتا

نَعُودُ فَالعَوْدُ أَنِيتا


كلمة على سبيل التقديم


قال أحدهم
:

إنّ الأشياء تتلاقى، ثم تتباعد، وقد تتلاقى كرّة أخرى، أو لا تتلاقى، ولا يرى الغيب إلا الله آمين..

لكنه لم يحدّد، ما هذه الأشياء التي يتحدّث عنها، هل هي - يا ترى - ذرّاتٌ كيميائية، هل هي الحبيبان قد افترقا ولو الى حين، هل هي الدالّ والمدلول، الكلمة والفكرة؟ لا أحد يعرف، لا أحد يستطيع أن يجزم - وهذا يُستحسن، فالجَزْم ينافي الأمل، والعقل يناقض الحلّ، ولذا فنحن نفكّ ولا نربط، نفشخ ولا نقفل، ولا يرى الغيب إلا الله آمين.. *


أقوال بعضهم في معنى أنيتا

قال أحدهم: إنها تصغيرٌ للأنا.

لكننا نعرف أن هذا خطأ، حيث أننا لا نؤمن بوجود الأنا، وهو الرجل داخل الرجل، أو الإمرأة داخل الإمرأة، كائن صغير غير مرئي يقبع في مكان ما في الجي، اللي هي الجمجمة، اللي هي الدماغ، فيحيك الخيوط ويجذبها، وبذلك يسيطر على تحرّكاتنا وتصرّفاتنا بسرّية واستغلال.

حسناً، هذه وجهة نظر لا بأس بها، لكني أجد صعوبة في إيجاد هذا الرجل الصغير ذي الخيوط الطائلة الطويلة، حتى الآن لم أجد هذه الخيوط، ولم ألق هذا المدير، وبالتالي ننطّ الى القول الثاني من غير تأخير.

وقال أحدهم: إنها الأمّ.

لكننا نعرف أن هذا القول يفتقر الى الكثير من الحقّ، ويشوبه من الشوائبِ الكثيرُ، حيث أننا نوقن بأن الذات ليست راجعةً الى سبب واحد (الأسرة مثلاً)، بل أسباب لا حصر لها ولا عدد، فإنّ إشكالية هذا التنظير النفسي تكمن في أحادية الذاتية التي يفرضها، فيقدّم للإنسان الفقير قولباً متجمّداً يتمكّن منه الشلل، أو شخصية متخشّبة ينتابها الملل، في حين أننا كمحلّلين نريد الإكثار من القوالب لا الإقلال منها، ونبتغي توفير الفرص والمنافذ لا الحدّ منها، والأخطر والأنكى أن نقول إن الذات الواحدة مثواها النفس، بمعنى الصميم، بمعنى الداخل الثابت. فالذات ذاتُ القولب الواحد، القابع بالداخل الموحّد، هي ذاتٌ مشلولة تميل الى اليأس والقنوط، ومغبّته العنف وتعسّف الطبيب.

وبهذا الصدد قد قال أحدهم عن أحدهم الآخر: المشكلة مش فيه، المشكلة في اللي نافخين فيه. وهذا أقرب الى الحقيقة، إلا أننا هنا لسنا أمام مشلكة، بل فرصة، ولسنا أمام خيبة، بل أمل.

وقال أحدهم: إنها مثلها مثل باتي هيرست.

لكننا ندرك جيّداً أن هذا مجرّد صورة فوتوغرافية أعجبتْنا في بعض الأحيان، ولا نجد ما يربط بين تلك الأميرة الأرسطوقراطية باتي وهذه الأميرة المحبوبة أنيتا. كانت الأولى مثالاً يُضرب للبنت الثرية المدلّعة، كانت تربطع في جنّات الثروة العائلية التي مردّها امبراطورية هيرست الصحافية الشهيرة. وبينما هي غاطّة في سبات عميق ذات ليلة ليلاء، اذ انقضّ عليها بعض أعضاء جيش التحرير التكافلي فاختطفوها. مرّت الشهور وباتي تتعرّض لأفكار المنظّمة اليسارية المسلّحة، وتحوّلت مع الأيام الى مناضلة شديدة البأس، ومحاربة قوية الإيمان، شاركت معهم في بعض عملياتهم المسلّحة من أهمّها اقتحام بعض البنوك الكبيرة وسرقة أموالها.

اندهشت جماهير التفلزيون الأمريكية، التي اعتاد الكثير منهم تلك الحياة البورجوازية الهادئة التي عرفتها باتي في الماضي. وعند القبض على باتي بعدها بعدّة شهور، انشغلت تلك الجماهير بالسؤال السائد: باتي هيرست، أمذنبة هي، أم بريئة؟

باتت هذه الأميرة الصحافية / المحاربة المسلّحة قضية تعصف بالرموز القضائية الكبرى: المحاكم، العمل الاجمتاعي والسياسي لهيئة المحلّفين، مؤسسات العدل على أنواعها، الدستور والقانون، الاستثنائية البورجوازية ومحسوبية الأغنياء، الأبحاث الآكاديمية القائلة بعقدة استوكهولم، البرامج البوليسية الشيّقة التي ينتجها التلفزيون الأمريكي، ميراث التقلّبات الاجتماعية التي شهدتها السيتينيات الأمريكية الأسطورية، مستقبل النضال اليساري العالمي الذي انحسر نشاطه في أواخر السبعينيات، معاني العفو والمسامحة والغفران، انتشار العلوم النفسية واشتهارها بين الجماهير بعد فضائح المصحّات والمستشفيات في ذلك الوقت، رواية أزهار لألجرنون، رواية طيران فوق عش الكوكو، ثم أخيراً وليس آخراً السؤال الدائم والمستمرّ: ما هي الذات، وكيف تتكوّن؟

لا أجد الكثير من المشاهبات بين باتي وأنيتا، سوى أنهما إمرأتان ظريفتان، وكلتاهم قد باتتا مثاراً لمسألة الذات وتكوّنها. لكني هنا أحبّ أن أشير الى علاقة أخرى فرضتُها بين صورة باتي هيرست والصور الصادرة عن حركة 30 فبراير، وبالأخص الصورة المعروضة هنا. الحقيقة أن التشابه الذي وجدته لا يعدو أن يكون تشابهاً سطحياً بين صورتين شمسيتين، لكني استظرفت أن يكون هناك ما هو أكثر من ذلك، فحركة 30 فبراير هي أكثر من مجرّد حملة تدوينية عبثية، بل قد تكون عملاً فنياً بارعاً يفوق أعمال باتي هيرست ذات نفسها ** ، فتزيد عليها طبقات الضحك والحقيقة والمحاكاة الساخرة، تتجاوز كل ما سبق كي تكون رصاصة وريشة وأفعى وهندباءة، خاصة هندباءة..

لكن كفانا من ذلك ولننتقل الى قول آخر.

فقال بعضهم: شو هالأنيتا.

وليس هذا سؤالاً بقدر ما هو عبارة عن التعجّب والانبهار، فقد سمعتُ بعض الألسنة وهي تتناقل هذه الجملة التعجّبية في الفترة الأخيرة، مدحاً لبعض ما قامت بها من أعمال، وبعض ما خاضتها من معارك وأشغال، فهي تخرج منتصرة مظفّرة على الدوام، حتى أخذت هذه العبارة المذكورة تُصبغ بعوارض الغيرة، والحسد، والرغبة الجنسية الدفينة. ويتهيّأ للبعض أن هذه العبارة إن دلّت على شيء فهي تدلّ على الكبت، والتهرّب، فالبعض يرون في مغامراتها الناجحة ما يشكّل تهديداً، وتوعيداً، فيخافون اهتزاز الطبقات، ويتهيّبون انهيار المعابد والمؤسسات، فيلتجئون بالتالي الى التلمّظ، والتمطّق، والغمز واللمز.. والحقيقة أن الأخت أنيتا علاقتها بالاشتراكية الثورية غير ثابتة، ومن آي ذلك ما أفادت به في رسالتها الجوية الأخيرة التي بعثتها اليّ على ظهر صورة فنية فذّة تخلط بين الرفيق الديكتاتور ماو والمغني الشعبي الشهير إلفيس، قالت أنيتا ما نصّه:

" شوف الاشتراقيون عاملين ازاي هنا في لندن "

ولقد احترت في هذه الكلمة، الاشتراقيون، فهل تعني بذلك الاستشراقيون، أم الاشتراكيون؟ إلا أني فكّرتُ في إمكانية ثالثة، هي الاشتراكي المستشرق، فقد قال ماركس:

"Sie können sich nicht vertreten, sie müssen vertreten werden"

بمعنى أن الشرقيين لا يعرفون الحكومة الصالحة، وبالتالي يجب على الغرب أن يحكمهم بدءاً من الرأسمالية مروراً بمراحلها المختلفة الى ولادة الاشتراكية منها. والأخت أنيتا لداها حق، اذ ثمة بلا شكّ بعض الاشتراكيين المستشرقين في لندن، كما أنها مدينة لا تخلو من الرأسماليين المستغربين، فلنتّقِ الله شرّ العالمين.

وقال بعضهم: كأنها الزوجة، فلقاؤهما كلقاء بخيت وعديلة، أو آل غور وتيبر غور.

وهذا قول ليس له أساس من الصحّة، فالمعروف أن آل غور قد انفصل عن زوجته تيبر، أو هي التي انفصلت عنه لا أدري، وبذلك قد انهارت مملكة كاميلوت *** وتفتّت الى الأبد ذاك الحلم الأمريكي السخيف.


ثم قلتُ لها: ما اسمك؟

فقالت: ܠܓܝܘܢ ܫܡܢ ܡܛܠ ܕܤܓܝܐܐ ܚܢܢ .

والمقصود به أن عناصر ذاتياتنا مختلفة متعددة، مضخّاتها متنوعّة القوى متناقضة الاتجاهات، تنصبّ عبر قنوات مادية كبرت أم صغرت، أجهزة تكنولوجية وسكك حديدية، تحمل مما تحمل مكائد خطابية ومصائد لغوية، تقيّد وتفتح، تشحن وتنفخ..

فما الجذور سوى قيود فُرضت، وما الأشجار سوى أصفاد ضُربت، جئتُ أنا وجاءت هي، وبما أن الاثنين منا عبارة عن عدّة أشخاص، فقد كان اجتماعنا بمثابة ازدحام هائل، واكتظاظ مائل..


---


* قوله الله، وهو من باب السخرية والتهكم لا ريب، فما هو بصدد العبادة ولا الصلاة.

** من الجدير بالذكر هنا أن باتي هيرست وبعد أن نجت من حياة السجن قد أصبحت رمزاً من رموز الكامب، ومثالاً على ذلك الأدوار التمثيلية التي أدّاها في بعض أفلام جون واترز الشهيرة.

*** قوله كاميلوت، وهو من باب السخرية والتهكّم، فهذا اسم كان يُطلق على العلاقة الحميمة بين الرئيس جون كينيدي وزوجته، اللذين بنيا أسرة رومنطيقية قوية استحوذت على خيال الشعب الأمريكي في فترة الستينيات. فما أبعد هذين الزوجين عن آل وتيبر، اللذين عُرفا ببساطتهما المثيرة للشفقة والاستهزاء في معظم الأحيان.

02 يوليو 2010

جزمتين


دعوة

هذا الكتاب يجب أن يُحرق.

أدعو الجميع الى التجمّع يوم الجمعة القادم أمام عمارة رقم 2 حيث سنقوم برمي هذا الكتاب في كتلة متوهّجة من النار الأبيض، سأتكلّف أنا شخصياً بإعداد الحطب الذي أجلبه من أدغال الأمازون المستباحة.



تفاصيل الصنع

الأعمال الفنية الواردة في هذه الرواية سرقتها من جهات مختلفة، أذكرها هنا على سبيل الفضح والفشخ:

صورة الغلاف - كوكو بابي (هنا)

صورة الأسد يمكن مواجتها هنا

وصورة البقرة

أما سورة البقرة

والصورة المكتوب عليها "خلي عنك الشنطة يا لؤلؤ" ملتقطة من الفيلم الأسطورة "بليد رونر"

أما بقية الصور فمن إبداع المؤلّف بمساعدة برنامج فوتوشوب الآدوبي

11 يونيو 2010

جسد بلا أعضاء

جسد بلا أعضاء

لقد بدأت أهتمّ في الآونة الأخيرة بما يسمّى بالجسد، ذاك الماعون الإنساني الفذّ الذي يحتوي على كافّة الماكنات الصغيرة، تعمل في الصمت، كما تتضافر في غياهبها شتى أنواع الأسلاك الرفيعة والأفلاك البديعة* تجري من تحتها ومن فوقها ومن خلالها أنهار متدفّقة من القيح والدم والخرا والعماص.. سفن وقوارب مشحونة بجميع أصناف المنكر، منافذها ومخارجها تتستّر على الخبر، تنتفخ وتتفجّر بالاحمرار..

لذلك قد وافقتُ على بضعة مشاريع استكشافية، علّها تسلّط الضوء على بعض ما غمض من أطراف هذه الكتلة الضخمة من المادّية المفرطة.. مثالٌ على ذلك ما قدّمته مؤخّراً بخصوص الأخلاط الجسدية الأربع، ورغم أني ذكرتُ منها اثنين فحسب فلا يقلّل ذلك من أهمية النتائج، وخطورة المباهج،** الساحقة الجارفة في وضوحها التامّ..

إلا أنه قد تناهى الى مسامعي منذ فترة قصيرة ما مفاده أن الجسد في خطر، فقد تربّص له بعض الذين بقلوبهم حقد ومرض ورياء وزيغ، خاصة الزيغ، فاستلّوا خناجرهم وانقضّوا بلا هوادة، وجعلوا منه ومن عماصه أشلاء..

وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: هل كان لكلّ ذلك أن يحدث؟ هل كان لا بدّ مما ليس منه بدّ؟

أنا مثلاً لم أكن أعرف - إلا منذ فترة قصيرة جداً - أن لدي جسداً.. ألا إنه شيء غريب، فكّرت، أن يكون لي هذه الكمية الهائلة من اللحم والقيح والدم.. هذه التركيبة المحدودة من الأذرع والأسنان والصدغ والأكواع.. والعجيزة***.. لكنه الحقيقة. كلّ المعطيات العلمية تشير الى ذلك، حتى السحر الأسود والخرافات الشعبية تقول بوجود الجسد الملموس الحيّ، فلا مفرّ..

لذا فيكون من الطبيعي أن يتعرّض هذا الشيء - نظراً لوجوده الجسماني - لخطر التدمير والتعوير والمعاول الهدّامة. خاصة المعاول الهدّامة.

وقد يكون أكثر ما يهدّد الجسد هو الجو نفسه، بما في ذلك من تقلّبات مناخية وأحوال طقسية، وهذا ما تبيّناه أيضاً في التدوينة السابقة، فلا يكون ذكره سوى ضرب من الملل والتكرار..

أمّا الجسد بلا أعضاء فهو الفضاء الافتراضي، بكل ما في الكلمة من معنى. هذا الجسد يتجاوز الجسد الجسماني المحدود، بل يدلّنا على أن هذا الجسد الأخير لا وجود له أصلاً، فهو مجرّد تبسيط مخلّ للأمور، لا يقدّر مشروع الصيرورة التعاونية الكبرى (becoming-with) التي تعدّ جزءاً لا يتجزّأ من جملة العناصر الصغيرة الفعّالة - بما فيها من أحقر الخلايا السرطانية وأشطر القبائل الغجرية وأعلى الكائنات البشرية وأسفل الدرجات الحرارية - المرتبطة ببعضها البعض، ليس في نظام بنيوي شامل إنما حسب توافق الأشياء وتباعدها في ظروف عبثية مطلقة..

مثل هذه المشاريع يجب أن تكون تجريبية، يفترض ألا تكون متجمّدة متحجّرة نهائية، فالإنسان الصائر التعاوني - أو قُلْ الإنسان المتصاير وهو أحرى وأظرف - لا يكتفي بالرأس الواحد المملّ، بل إنه ليجرؤ على ارتداء رأسين، ثلاثة رؤوس أو أكثر فيصير بذلك على منوال الهيدرا الأسطورية.. كما أنه لن يكتفي بساقين عاريتين، إنما سيذهب الى أن يكسوهما بالبنطال الأزرق المحزّق المعروف وهكذا..

جميع المخارج مفتوحة، جميع المنافذ مفشوخة، ولم أجد صورة أنسب وأليق من هذه القمورة السبعينية الحمراء فصبركم جميل وسعيكم مشكور..

---


*قوله والأفلاك البديعة، واحدها الفلك أي السفينة التي ملأها سيّدنا نوح عليه الصلاة والسلام بكافّة أنواع الحيوانات، وذلك لفطنته الواسعة وشطارته الشاسعة، اذ أن سيّدنا هذا قد فطن الى أن الإنسان لا يصير لوحده بل يتصاير (إن صحّ التعبير) مع أجساد أخرى غير جسده، إنسانية وآلية وبهائمية أيضاً ربما والله أعلم.

**قوله وخطورة المباهج، وهو بلا معنى إنما قُصد منه استكمال العرض استبياع الفرض والله أعلم.

*** قوله العجيزة، وهي ما يسمّيه البعض المؤخّرة، والإليتين، والكفل، والأرداف، وأخيراً وليس آخراً الطيز وهو ما يتعرّض في العادة الى البعبصة والجعلصة وغيرهما

05 يونيو 2010

الأخلاط

الأخلاط

السويداء

الأرض مكتئبة، هذا ما تعلّمناه منذ أن انبثق البثق، فانفشخ قاع البحر عن تلك النافورة من السويداء،

هذا تفسير بدائي للأمر على الأقل، أصبنا أم أخطأنا، لكن الواضح على كل حال أن الحلول مستعصية، والأمور مستغلقة، فهذا السائل القاتم السواد من شأنه أن يقيّد الحركة، ويقلّل من البركة، فيحول دون الإمكانيات والانطلاقات، كما أنه يكسر الأجنحة ويكتم الألسنة..

فدعنا نسأل كما سألت المفكّرة الكاليفورنية دونا هاراواي في كتابها تلاقي الأنواع: ما هو الذي أتحسّسه، عندما أتحسّس هذه البجعة؟ الجواب يبدأ من الأدوات التي توصّلها الينا: الآلة التصويرية التي هي ديجيتال في أغلب الظنّ، البرامج الحاسوبية والأسلاك الالكترونية التي تشكّل همزة الوصل ما بين الكاميرا والكومبيوتر، ثم البنية التحتية المتكوّنة من كابلات ودشّات، أقمار صناعية وشبكات عنكبوتية، الى أن ننظر الى هذه الشاشة من خلال حاسّة البصر عندنا، التي تتميّز بقوة التركيز بالإضافة الى قدرتها الضيّقة لإدراك الألوان.. حاسة البصر التي تتماشى وتتشابك مع طوايا المعدن والبلاستيك واللحم الكهربائي..

نتوغّل بذلك الى تاريخ الهندسة المعلوماتية، مناهج الإنتاج والتركيب السريعة، عمليات الحفر والتنقيب الديجيتالية، الأبحاث الحاسوبية والبيلوجية المموّلة من قبل الحكومات والمؤسسات الكبرى، الأسواق العالمية والتجارة المحلية، عادات الاستهلاك والاستعمال، هذا كله يتقاطع مع فوارق الجنس والعمر والطبقة والعرق، المرتبطة لا ريب بأنظمة العمل الموزّعة بالتفاوت على كافّة أنحاء العالم..

كما أن هذه البجعة وصلت اليّ بفضل الممارسات الصحافية الأمريكية، المكتظّة بخطاب حماية البيئة الذي تبلور في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، والذي لعلّه انحدر عن خطابات أكثر قدماً مثل الحركات السياسية التقدّمية ، أو الأدبيات الممجّدة الطبيعة الأمريكية الإلهية ، شعر الرومنطيقين وعواقب الثورة الصناعية البشعة، البجعة البشعة، المغلوب على أمرها، وسبب ذلك أخيراً وليس آخراً تسرّب النفط الى خليج المكسيك، ينعل أبو الشركة البريطانية للبترول..

الصفراء

كان لديه حويصلة مرارية، لكنه الآن ليس لدية حويصلة مرارية.

إن الحويصلة المرارية لهي غدّة صغننة تشبه الكمثرى، تسبح في ظلّ الكبد. إنها مكنة صغيرة تفرز الصفراء وتخزنها، ترتبط بمكنة أكبر تتخصّص في الهضم، مكنة الهضم هذه ترتبط بمكنة أخرى مهمتها التغوّط، ترتبط هي بدورها بمكنة شطف وتنظيف، تؤدّي الى المجاري وهكذا..

من الصعب أن ترى الحويصلة المرارية بالعين المجرّدة، اذ تختبئ تحت الكبد كما سبق وذكرت، ولذا فإنها تخفيها عن العين طيّات اللحم والعظم والدم والعضلات..

إن الحويصلة المرارية لهي لغزٌ أكبر. ماذا تعمل هذه الغدّة الصغيرة، ما سبب وجودها إن كان معظمنا بغنى عنها؟ إنّ الحويصلة المرارية اذن لترتبط وبشكل أساسي بقضية الفعل والتفاعل، والقصدية والسببية..

الرئيس حسني مبارك كان لديه حويصلة مرارية، لكنه الآن ليس لديه حويصلة مرارية. تمّ استئصالها في عملية جراحية أدّاها فريق من الدكاترة يرأسه الدكتور ماركوس بوشلر، وذلك في اليوم الموفّق السادس من مارس ألفين وعشرة. ولقد استعانوا في هذه العملية بأدوات طبية عدّة منها المشرط والمقلط والمشبك ونحو ذلك، بالإضافة الى اللارسكوب والباراسكوب والتروكر والسوجر. وغيرها كثير.

والأحرى أن نقول: هؤلاء الدكاترة تمكّنوا من رؤية هذه الغدّة الصغيرة بفضل تصادف البكسلات الالكترونية الضئيلة الحجم وتوافقها على شاشة عظيمة، تنتمي الى تاريخ طويل من العمل اليدوي في هذا المشتشفى الألماني كما في مصانع أخرى غير مرئية، في بلاد غير مرئية يسكنها أناس غير مرئيين.. يجمعهم تدفّق الأموال من الحكومات والشركات الخاصة: هذا كلّه مكّن الأطبّاء الألمان من رؤية مرارة الرئيس، ثم استئصالها..

في ذلك اليوم الموفّق السادس من مارس، لقد اجتمع الرئيس حسني مبارك مع المستشارة الألمانية أنجلا مركل في مؤتمر صحافي رأيته على يوتوب. قد ركّب الرئيس جهازاً للترجمة على أذنه اليمنى، بينما قبض على منضدة زرقاء بيديه الأثنتين. اختلج الرئيس بغتة، رفع يده اليسرى وجعل يمسح عدّة ذرّات غير مرئية عن المنضدة، أراح يده ثم رفعها مرّة أخرى كي يمسح بها عينه اليسرى.. قام صحافي جريء وهو يسأل:

" يا سيادة الرئيس، ما رأيك عن المواطن محمّد البرادعي؟ "

نُقل الرئيس إثرها الى غرفة العناية المركّزة في مستشفى هايدلبرج، حيث تم استئصال الحويصلة المرارية. هذه الغدّة الصغيرة تفزر ما يسمّى بالصفراء، فأفرزت إفرازاتها الأخيرة، في نفس الوقت الذي انتشر الخبر في الصحف، الصفراء هي الأخرى..