" لم يتبقَّ سوى .. صالون الحبّ الحر التابع لمنطقتنا ، لكن.. زوجي لا عهد له بالذهاب إلى هناك! "
- السيّدة ليالي، عقيلة الرجل من حقل السبانخ
17 نوفمبر 2011
لم يتبقَّ سوى..
30 سبتمبر 2011
استنشاط القارئ ببعض الهزل
استنشاط القارئ ببعض الهزل
حكى أبو قاسم البغدادي فقال:
أنا آكل رملاً أخرأ صخرة أبلغ نوى أخرأ نخلاً وآلك أنا الموج الكدر أنا القفل العسر أنا النار أنا العيّار أنا الرحا إذا استدار أنا مشيت أسبوعين بلا رأس أنا الذي أسست الشطارة وبوّبت العيارة أنا فرعون أنا هامان أنا نمرود بن كنعان أنا الشيطان الأقلف أنا الدبّ الأكشف أنا البغل الحرون أنا الحرب الزبون أنا الجمل الهائج أنا الفيل المغتلم أنا الدهر المصطلم أنا العسر اللزوم أنا السبع الغشوم أنا بوق الحرب وطبل الشغب ..
ثم استطرد قائلاً:
وآلك تعرفني لو كلّمني الفيل لخرس ولو ضمّني البحر ليبّس ولو عضّني الأسد لضرس ولو رءاني نمرود لم يترسّ يا كلب أنا أنا من أنت يا آفة يا عاهة يا عرّة يا خرا في صرّة … أستنشقك فلا أعطسك إلا في الحجيم أشربك فلا أبولك إلا على الصراط المستقيم!
وهو قليل من كثير، أوردناه هنا على سبيل التلخيص. وللأسف فلقد سبقنا غيرنا الى تحرير هذا المخطوط القديم، الذي يُتوقّع نشره في المستقبل القريب على ما أظنّ.
---
تحديث :
بالأمس عثرت على كتاب بعنوان " الرسالة البغدادية " حرّره الأديب العراقي المغترب المغمور عبّود الشالجي، وتبيّن لي إثرئذ أن هذه "الرسالة" إنما هي نفس الكتاب المعنون "حكاية أبي القاسم البغدادي" المنسوب إلى أبي المطهّر الأزدي الذي حرّره المستشرق الألماني آدم ميز ، بينما الشالجي وفي تقديمه للرسالة ينسبها الى أبي حيان التوحيدي بناءاً على عدة دلائل أراها مقنعة الى حد ما. والفقرات الموجودة في هذه التدوينة اقتبستها من مطبوع ميز المهترئ، الصادر عام 1902 في هايدلبرج. كلا هذان الكتابان موجودان في طيات الانترنت وغياهبه، هناك كتاب ثالث لم يصدر بعد يضم ترجمة انجليزية للنص، تعدّها احدى الرفيقات على ما سمعت. المهم، والعاثر على هذين الكتابين سيفضّل بلا شك كتاب الشالجي على كتاب ميز، حيث ذهب الأول الى شرح كل كلمة ببحر عارم من التعليقات الأدبية الغنية تارة، والبهية تارة أخرى، مما يدلّ على تدفّق وتشعّب حقيقيين (ولا أقول "تعمّق" لأني ببساطة لا أؤمن بالعمق ولا أرى له وجوداً).
والمثير في الأمر أن الشالجي يشير في كثير من تعليقاته هذه إلى كتب سابقة له، بينما سيجد الباحث فيها أن الكثير منها أو قل معظمها لا وجود لها على هذه الأرض، إذ ضاعت أو أحرقت في ظروف مؤسفة للغاية كما يفيدنا الشالجي نفسه في حوار أجري معه قبل وفاته.
03 يوليو 2011
يسألونك عن الجزمتين
هناك جهازاً مطاطياً، مستطيلاً مضلّعاً، لا يكفّ عن إفراز الجزمتين.
الجزمتِين، بكسر التاء لا فتحها، هو مادّة هلامية متزنّخة تنتمي الى فصيلة البنزين، والجبصين، والكافيين، والأوكسجين، والبارتاكوزين، .. الجزمتين.
هناك، حيث لا تراه، جهازاً يفرز الجزمتين باطّراد. لكنّك اذا رأيته بعين الخيال، فهو أشبه ما يكون الى ثعبان أمهق، لا رأس له ولا ذنب، فهو من الطرفين يطلّ عليك بفوهتين مدوّرتين، مفتوحتين على الدوام. يحزق جسده الطويل فيبرز ضلوعه من تحت الجلد، ثم يسترخي فجأة رفسة واحدة، رفستين تلاتة فيتدفّق من الطرفين سيل دخاني كثيف: هو الجزمتين.
-- ورقة مندسة في جيب بنطالي
بعد مرور عام كامل على إطلاق الرواية-المشروع، أو المشروع-الرواية، المعنونة جزمتين ، ها نحن نعود لنجدّد العهد، ونمهّد الطريق، ونجلس بشكل منجعص واضعاً ساق على ساق، ضارباً كفّ على كفّ، ليس لشيء إلا لنرشّ على الرصيف القليل من الماء، ونسحب نفثة قوية من غليون فرنجي معقوف الطرف، محدودب الرقبة، فنكيل على المارّين بسيل من السبّ والقذف، والشتم والردح، وليكون ذلك كله على سبيل الهزل لا الجدّ، فالثاني متطفّل على الأوّل، وخاضع له بالحمد والامتنان.
كنت وددت، والحق يقال، أن أرى هذه الرواية تختفي، وأن أرى هذا الاختفاء بسرعة ودون تأجيل، والحق يقال أيضا، أني جرّبت كافة الوسائل، بل وجميع الطرق، في سبيل هذا الهدف الجليل، فلقد أدبرت وسعيت، فحشرت فناديت، زاعماً بأني سأقضي على هذا النصّ المقرف لا محال، وأن أراه يحترق، أو يذوب، أو يتلاشى بطريقة أو بأخرى.
وخططت لذلك تخطيطاً جيّداً، وأعددتُ له إعداداً حسناً، فجعلت أشحذ ذهني بحثاً عن أفضل السبل للقضاء على هذه الرواية الملعونة التي جاءت مسخاً من مسوخ جهنّم، بل وأكثر من ذلك، فهي كتاب يشوّه صورة ثقافتنا الشيكاجاوية العريقة، وتسيء الى سمعة كاتبها بالداخل وبالخارج، والأنكى من هذا كله، أنه يصاغ بلغة انجليزية هجينة، متفكّكة ركيكة، تنافر الذوق العام وتخدش شعور الصالحين من القوم. رواية سمجة رديئة، مبتذلة العبارة معادة النغمة والقول..
لذلك قلتُ فيها إثر صدورها:
هذا أسوأ كتاب قرأته في حياتي ، إنه كتاب لا يستحقّ سوى التمزيق والإحراق
ساذج وسطحي وبأسلوب ركيك للغاية، المؤلّف يجب أن يستحي من هذا العمل الرديء وشكرا
ولم يمرّ وقت طويل حتى سمعتُ صدى صوتي، وفرحت فرحاً عظيماً، وخالجني الكثير من البهجة والحبور والهناء والسرور، اذ جاءني كلام مؤيّد لكلامي، ووجدتُ أناساً يشاركونني الشعور بالتقزز والاشمئزاز تجاه هذه الرواية-المسخ، أو المسخ-الرواية. قالت تسنيم فهيد:
الأخ ده مريض نفسي؟؟
و الا فاكر بالشكل ده إن الكتاب هينتشر؟
وقالت خديجة عادل، من القاهرة:
لا تستحق القراءة
كما أيّدتْها في ذلك "جسجاس" من السعودية. ثم علّق إسلام كريم، وهو أيضاً من القاهرة، قائلاً:
اسم على مسمّى
ومن ناحيتي فلقد فرحتُ جداً، والحقّ يقال، لقراءة مثل هذه الشتائم المصيبة، إلا أنني في الآخر يئستُ، فما هؤلاء النقّاد إلا أنصاف قرّاء، ومعظمهم للأسف مخصيّون ومهرّجون سفهاء لا يعرفون سوى النكد والاستمناء على الورق، لذا ليس من حقّي أن أفرح لشتائمهم، والشتيمة توزن بقدر صاحبها لا أكثر ولا أقل. فأنا في النهاية لن أفرح إلا اذا شتمني أحمد فؤاد نجم ذات نفسه.
* * *
انت فين والكلب فين / انت قده يا اسماعين / طب دا كلب الست يا ابني / وانت تطلع ابن مين؟
هيص يا كلب الست / هيص / لك مجامك / في البوليس
بكره تتولف وزاره / للكلاب / ياخدوك رئيس
ما زالت هذه الرواية، للأسف الشديد، حيّة تُرزق .. بذلت قصارى جهدي للإتيان عليها، إلا أنها ظلّت تقضّ مضجعي، وتسبّب لأيامي الكثير من الصداع والأرق والبلبلة والسهاد . كنت أنسحب الى داخل طوايا السرير، أتململ متهتهاً، بصوت يكاد لا يُسمع: " قازوزة.. قازوزة.." .. تتلمظ شفتيّ، وتلتوي، وتصدر صوتاً أقرب ما يكون الى الفقاعة البكرة قبل ذوبانها، أو هبوط الفراشة على القدم إثر اقتلاع محتوم. والرواية على حالها، تتبغدد بزهوّ وكبرياء، وتصدر اشعاعاتها السرطانية الملوّثة كيفما اتفق..
حتى جاء اليوم الذي رأيت في جانبها عطباً طفيفاً، كالجرح المنكوء، يبكّ مادّة هلامية كريهة الرائحة، ورأيت هذه المادّة الهلامية الكريهة الرائحة تكثر، وتندلع على بضعة صفحات من الرواية الكريهة الرائحة هي الأخرى. وتخثّرت المادّة الهلامية الكريهة الرائحة على بعض الهوامش، ولغوصت بعض السطور لتكوّن كلمات جديدة، وجمل جديدة مغايرة للأصل، فكان التشويش تارة، والتحسين تارة أخرى.
وإني لأنتقي لكم بعض الشواهد على قولي هذا في النصّ، فلكم على سبيل المثال الصفحة الثانية من الخطوة الخامسة عشر حين أقول:
عصابات وجماعات تنظيمات، يغمض عنها رؤيتهم قليلاً الطنين المتنظم لمارش ميليتار، تختلط فيه مقاطع مهموسة من روائع إديت بياف ..
وهذا قبل اندلاع المادّة الهلامية الكريهة الرائحة، أمّا بعده فالجملة نقرؤها الآن على المنوال التالي:
عصابات وجماعات تنظيمات، يحجب عنها رؤيتهم قليلاً الطنين المتنظم لمارش ميليتار، تختلط فيه مقاطع مهموسة من روائع إديت بياف ..
وهو تغيير من باب التحسين والإصلاح، يخص كلمة واحدة لا أكثر ولا أقل. كذلك سيجد القارئ المستحدث أن الفصل المعنون "قهوة" قد امّحى تماماً جرّاء أحداث المادّة الهلامية المشار اليها، ليحلّ محلّه فصل آخر من ذوق العطب الظاهر في جانب من الرواية المنحطة، الآيلة للسقوط والترقيع من حيث لا تحسّ!
والباقي آتٍ آتٍ آتٍ
25 يونيو 2011
أين بوستات يونيو؟
بدأت ألاحظ، منذ حوالي شهرين أو ثلاثة، سيلاً خفيفاً من الدخان النتن يتسرّب من كوّة صغيرة مدقوقة في جانب هذه المدوّنة. سيل بنفسجي خفيف، يكاد لا يُرى، يتسرّب بهدوء وانتظام وكأنه أمر طبيعي، أو يتصنّع الطبيعية. ولا أخفي عليكم يا أصدقائي ، أني توجّستُ ، والأحرى أني توجّستُ جداً، فربّ جبل جليد وما خفي كان أعظم! فقد تؤدّي الفلتة الصغيرة الى الفلتة الكبيرة، وما الجرح الخفيف إلا عرض من أعراض الخطر الجسيم، والمرض المزمن، المتأصل الأليم..
- ليس هناك ما يثير القلق
قاله السمكري، الذي جئت اليه بالمدوّنة توسّلاً واستجداءاً، فجعل يقلّبها تقليباً ويفحصها فحصاً، بحيث مرّ على ظهرها بإصبعه أكثر من مرّة، بشكل يثير الشكّ، قبل أن يبعبصها كاملاً من الخلف.. ندّت عني إثرئذ صرخة اسنتكار مكتومة، لم تُسمع، لتكون شاهداً ميتاً على كل ما لم أقله في وقته، وهو معظم كلامي..
كانت عبارته الأخيرة، قبل أن ألمّ ذيلي بين أسناني وأطير الى مكان أريح، وأرخص ثمناً. لا بأس، قلت في نفسي، فطالما لم تظهر مشكلة في عيون هذا السمكري الفاحصة، اذ لا يوجد سبب لجيشان الصدر، وقلقلة الحال.. نعم فالأمر لا يعدو أن يكون سيلاً خفيفاً من الدخان البنفسجي، تفرزه هذه الكوة الصغيرة في جانب من مدوّنتي الطائرة حيناً، والسابحة حيناً آخر..
لذا آليت على نفسي أن أسجّل في بطنها المزيد من البوستات، وما أدّعي أنه جدير بالنشر والإبحار.. والإشاعة.. دون أن أكترث كثيراً بما لا قلق عليه، اذ ليس ثمة عطباً واضحاً، أو خطأً فاضحاً، يدعو الى اتخاذ اجراءات خاصة، أو خطوات استثنائية، ولا أي شيء من هذا القبيل يا ميرفت.
ثم إنّي أُصِبتُ بنوبة من البواسير. فكأن حالة المدوّنة، بكل غرابتها وأهميتها، أقل حجماً وأخف وطأً مما ظهر حديثا في جسدي أنا. وبدأت أتعاطى العقاقير المناسبة لذلك، وأمسح المكان الحسّاس بفوط صحّية منقوعة في القليل من السفرجل المطحون. وواظبت على هذا العلاج لمدّة أسبوعين، وأنا أمارس التدوين بصورة عادية لا يعكّرها لا الشقّ التحتاني ولا الدخان البنفسجي. حتى زالت آثار ذلك الشقّ، واختفت الآلام الملازمة للتغوّط، بل وكل الآلام الجسدية التي تلاشت وكأنّ شيئاً لم يكن: حكّة الناموس، الصداع، التعب والإرهاق في نهاية كل يوم: كلها تبخّرت بعد الأسبوع الأول، وغدوت أمشي في الأزقّة والطرقات دون إحساس حتى بالحذاء المهترئ، الذي يتآكل عند الأطراف.
لذا رجعت الى القلق على المدوّنة، وزاد قلقي هذا، أنّي وجدتها تبخّ بعض الألفاظ الغريبة، كلمات عشوائية لا تربط الواحدة بأختها، فقط براز متواصل من البسبسة والهذيان، لا ترسو على برّ معنى من المعاني.
- ما اسمك؟
قاله شيخ الزار، وقد وضع مدوّنتي وسط حلقة متكوّنة من الرجال المتعمّمين، ومن بينهم العبد لله، فراح يطرح عليها أسئلة من هذا النوع ويستخرج الردود التي أتت على المنوال التالي:
- اسمي.. اسمي، لا أدري.
- طب ركّز معايا كده يا نونو، أولا انت ولد ولا بنت؟
- اسمي..
- ايوة .. اسمك يا نونو، داحنا مستنينه مالصبح..
- اسمنا لجيون!
- أستغفر الله العظيم. ولماذا اخترتم هذا الجسد يا لجيون؟
- طب قول انت ما دام عندك علام والبتاع..
اشتدّ الصدام بينهما، حتى أخرج الشيخ كوكتيلاً كان يخبّئه في جيبه، ورماه هنا. واكتشفنا فيما بعد، أن سبب هذا الدخان البنفسجي إنما مردّه إقبال الجنّ على تناول الغليون الفرنجي كل يوم، وهو ما أحدث شيئاً من البلبلة والاهتزاز في جوانحنا الممتدّة..
--
الصورة: عمر الزعبي
01 يونيو 2011
ريبورتاج ثقافي - الحلقة الثانية
موت " الأديبة السعودية النسائية " جثّةً هامدةً على شاطئ الجامعة الأمريكية!
31 مايو 2011
تطرّقنا من قبل الى مسألة الأدب السعودي بالطبع، وذلك في آخر زياراتنا الى القاهرة على وجه التحديد، فما كان قدومنا الى القاهرة هذه المرّة إلا من أجل التوقّف على مصير الخطاب الاستسعادي وانعكاساته وانحرافاته في برّ مصر، وفي بحرها.
وصلتُ مبكّراً الى قاعة الأورينتال في المقرّ القديم للجامعة الأمريكية بالتحرير، تجوّلت في ربوعها الوثيرة وحدائقها الغنّاءة التي افتقدتها بعد أربع سنين قضيتها بين لوعة الغياب ووحشة الفراق، ها أنا أعود اليها محتاراً في أمرها، خائفاً على سمعتها، فهي تشهد اليوم طقوساً جنازية يُشيّع بها ما يسمّى بــ"الأديبة السعودية النسائية"، وذلك بعد طلوع نجمها بأمد طويل، إلا أنها في تمام الساعة السادسة مساءاً بتوقيت القاهرة قد خلصت روحها تماماً ونهائياً، وإنا لله وإنا اليه راجعون..
توقّع الجميع هذه الوفاة منذ عشرة سنين على وجه التقريب، لكنا في الآونة الأخيرة قد ساورنا بعض الشكّ، حتى أخذت عجلة الثرثرة والنميمة في الدوران، فقال البعض: رجل جوا ورجل برا ، الستّ دي مش عايزة تموت! لكني أيها القرّاء الأعزّاء، أقرّ لكم وأمامكم أني شهدت وقوع الجثّة، وإقامة العزاء، ثم دفن التابوت وصعود الروح الى سابع سماء! وذلك في ندوة استضافت الروائية السعودية زينب حفني بمشاركة كل من الدكتور بهجت قرني – أستاذ العلوم السياسية – والدكتورة ياسمين فاروق – أيضا أستاذة في العلوم السياسية – وأخيرا وليس آخراً، الدكتور عزّ الدين شكري، وهو أستاذ في الأدب المقارن … هأهأهأ لأ دانا بهزّر معاكو، الحقيقة انه أستاذ في العلوم السياسية برضو، وإن كان يعاني "انفصاماً" على حد تعبيره، فهو بالإضافة الى شغله نهاراً كرجل آكاديمي إلا أنه بأوقات الفراغ والهناء يساهم في المجال الأدبي، الأمر الذي نراه مثلاً في روايته الأخيرة "غرفة العناية المركّزة" الصادرة عن دار العين أو دار ميريت أو دار شروق أو ما شابه. خلاصة القول أنهم أربعة، أحضروا معهم سكاكين كانت كفيلة بأن تذبح فيلاً دسماً، إلا أن ذبيحتهم الحقيقية لم تقلّ وزناً ودسامةً عن ذلك بكثير.
افتتح الدكتور بهجت الندوة بكلام جميل جداً عن أعمال الروائية زينب حفني، رغم اعترافه الصريح بأنه "ليس متخصصاً في الأدب". ثم انثنى جانباً ليترك للبثق أن ينبثق، ولقنابل الملل أن تحترق.. تحترق ببطء شديد، حيث أطنبت زينب في خطاب رائع عبقري عن التمرّد وكسر التابوهات، تطرّقت من خلاله الى ذكرى طفولة في الريف المصري، وشجرة جميز، وترعة كانت تفرز إلهاماً أدبياً لا يُنسى، حينها تملّكني الغثيان، وحبست دفعة من القيء في أسفل حنجرتي، توسلت الى الآلهة بقليل من الرحمة، لكنها لم تكفّ، بل استمرّت في إطلاق كافة المفردات المطلوبة منها: شهرزاد، جبريال جرسيا مركيز، تشيكوف، نجيب محفوظ ويوسف إدريس، المجتمع المحافظ، الناس تتّهمني بكذا وكذا وكذا، حتى أتت لبعض الكلمات الأجنبية المكرّرة في النقد الأدبي العربي: نوستالجيا، سادية، مازوشية، برستيج.. وأغمى عليّ في الحال. وفي حلم يقظة، نظرتُ بتركيز الى باقة الأزهار الصارخة التي تتصدّر المنصّة – وأقول لكم بكل صدق أن هذه الباقة من الحجم بحيث كادت أن تبتلع السيّدة زينب ذات نفسها – فتمنّيت أن يحدث عطب مفاجئ في المصباح المعلّق فوقها، فتنفلت منه شرارة كهربائية صغيرة لكن دسمة، لتولع النار في تلك الباقة الكريهة، فيشبّ لهب صغير فيها يجبر السيّدة زينب على التحرّك قليلاً، أو حتى رفع أحد حاجبيها.. لكن ليس لي إلا أن ألوم نفسي على الحضور، شعرتُ أني مسؤول ولو قليلاً عن هذه الجريمة، حتى أدركت أن هذه الندوة فيها من الموادّ الدسمة ما يصلح للتدوين، ومنها:
تلك البدلة البيضاء، المنقّطة بنقطات - أو قل بقعات - سوداء كبيرة. لقد رأيت هذه البدلة من قبل، مرّة وأنا صغير زرت مزرعة في الريف، رأيت بهائم خانعة ورقطاء تخور وتخور، وتأكل العشب، ثم تُذبح لنأكل لحمها الطري. لم تكن السيّدة زينب ذبيحتنا هذا المساء، وإنما كانت فداءاً لنموذج منتشر من الشخصيات المستسعدة، اللواتي حضرتُ جنازتهنّ اليوم.
“ حديث يأتي من الأعماق " قاله الدكتور بهجت قرني، غير المتخصص في الأدب. ثم أفسح المجال للأستاذة ياسمين فاروق أن تشكر السيّدة زينب بدورها في صناعة رواية "سهلة للهضم" فهي رواية"قصيرة" و"مافيهاش تفاصيل كتيرة ملهاش لازمة".. ثم استطردت قائلة: " أنا شخصياً ضد كليشيهات معيّنة، فلماذا لا تجرّبي يا زينب بعض المواضيع الأخرى؟" ولاحظت أن السيدة زينب قد غاصت منزعجة في كرسيها، مستسلمة الى حالة من الانجعاص ظلّت الى نهاية الجلسة. لكن الرصاصة الأخيرة أطلقها الأستاذ عزّ الدين شكري، اذ طرح على الروائية بعض الأسئلة الحقيقية من بينها: “ لماذا تقولين أنك روائية سعودية، وهي صفة تنتسب الى الأسرة الحاكمة ولا شيء غير ذلك؟" فما كان من الروائية إلا أن تقبل هذه الرصاصة على سبيل الانتحار اذ قالت: “دا سؤال سياسي مش إبداعي، خلّينا في الإبداعي"..
ولأني من ذلك النوع الضعيف من البشر، الذين يكرهون رؤية الدم ويخافون مشاهد القتل والعنف، فلقد تركت القاعة بالسرعة من غير أن أنظر الى الوراء، لكني لم أخرج من الجامعة إلا بعد تناول بعض الشاي المتوفّر مجاناً للحاضرين – أو قل المتعزّين – وهو النهب الوحيد الذي فزت به من هذه المهزلة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
---
[لوحة "العك" من أعمال الفنّانة نجلى بسام]
25 مايو 2011
ريبورتاج ثقافي
22 مايو/أيار 2011
ما كان منذ وقت قصير جداً مرتعاً للديناصورات المعطّرة، والديوك المخدّرة، وغيرها من الحيوانات الثقافية المرتزقة، هو ما وجدته اليوم مساحة من مساحات الثورة المصرية المستمرّة، وموقعاً من مواقعها الساخنة المتواصلة، فلقد انقرض كل من جابر عصفور وفاروق حسني وفيروز بحري (*) ليتركوا المجلس الأعلى للثقافة أرضاً خصبة للتغيير والانفتاح على إمكانيات جديدة للتبادل والتلاقي الفكريين، هذا ونحن ما زلنا مرتبكين مصدومين لرؤية للدكتور عماد أبو غازي يتبوّأ منصب وزير الثقافة، وهو الذي كان منذ حوالي أربع سنين يدرّسنا ويدرّبنا على فنون قراءة المخطوطات العربية القديمة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، نطالع الخربشات الغريبة ونفسّر الطلاسم العجيبة والبعض منا يدوب يفكّ الخطّ ، أمّا مسألة ارتقاءه الى المستوى الوزاري فهي خطوة مباركة إن شاء الله، المهم، ها نحن نعود الى 1 شارع الجبلاية لحضور مناقشة أدارها الأستاذ خالد فهمي، وشارك فيها كل من الأستاذ شريف يونس وبشير السباعي ومصطفى كمال السيد، وذلك بمناسبة صدور الترجمة العربية لكتاب الأستاذ تيموثي ميتشل المعنون: حكم الخبراء: مصر، التكنو – سياسة، الحداثة.
هذا الكتاب، والذي وصف الأستاذ خالد فهمي أمر ترجمته الى اللغة العربية "بالحدث التاريخي"، هو الثاني للأستاذ تيموثي ميتشل بعد كتابه استعمار مصر والذي تمّ ترجمته هو الآخر الى اللغة العربية في وقت سابق. ولكي نفهم أهمية هذا العمل الفكري "الدسم" ومكانته في الحياة الآكاديمية وغير الآكاديمية، يجدر بنا أن نتعرّض لبعض المساهمات النظرية الكبرى الواردة في النصّ والتي تأتي الى العالم العربي في وقت أقلّ ما يقال عنه إنه دسم.
_الناموسة والجاموسة وبعض ما جُمع من أخبار العرقسوسة_
ولعلّنا لا نخطئ في القول بأن ترجمة هذا الكتاب يمثّل الدخول الأول للمقاربات الفكرية المسمّاة "ما بعد الإنسانية" الى برّ مصر، والتي هي مجموعة هلامية من الاتجاهات الآكاديمية الحديثة ترتبط بأسماء مثل برونو لاطور، دونا حراوي، اسابيل ستنجرز، جاين بينيت، يوسي باريكا وغيرهم. وببساطة مخلّة قد نلخّص أهمية هذا التيّار الفكري الهلامي (نعم التيار يمكنه ان يكون هلاميا) بأنه يولي اهتماماً جاداً وعميقاً لفاعلية ممثّلين تاريخيين لا ينتمون بالضرورة الى فصيلة البشر، منهم الحيوانات والحشرات والأمراض والكيميائيات والمشاعر والخيالات والنباتات والأشياء " الجامدة ". وما أدراك ما الأشياء الجامدة. ومن آي ذلك في الفصل الأول من كتاب حكم الخبراء نجد الناموسة التي لا تقلّ أهمية عن نابليون المخصي في صناعة الأحداث وتحريك الأمور وزعزعة الاستقرار، فهي تحمل في منقارها عدوى ذات بأس شديد، جُنّد حولها أحدث التكنولوجيات الزراعية وأقوى الخطابات الطبية وأيأس السياسات الكولونيالية، وذلك ليس بتخطيط بشري واضح بقدر ما كان ردّاً على فاعلية هذه العدوى الخاصة، المحرّكة الفعّالة. وإن الله ليضرب مثلا ما بعوضة!
لذا فيحقّ للباحث ان يسأل: هل الناموسة تتكلّم؟، وهو سؤال يحاكي بشيء من المفارقة والدعابة الخفيفة ما طرحته الآكاديمية جيارتي سبيفاك حول المهمّشين والمستضعفين في الأرض وقدرتهم على التعبير عن أنفسهم والتأثير في كتابة التاريخ، اذ يبيّن الأستاذ تيموثي ميتشل، ومن خلال تتبّع دقيق لحركات هذه الحشرة ذات الجناحين، أن الفعل البشري ليس المحرّك الأساس لتقلّبات الكون، بل إنه فعل متشتّت، متوزّع، فعل جزئي وقابل للفشل، يقول ميتشل:
الأفراد قد يضمنون أحياناً السيطرة على عناصر بعينها، وقد يدّعون أيضاً أنهم يمثلون تلك العناصر [تصحيح من عندي] في العالم الاجتماعي، ولكن ما من فرد يتحكم فيها أو يُخضع العالم لنواياها. الأرجح أن تحدث سلسلة من المطالب والانجذابات والتفاعلات تتجاوز جميعا قبضة أو نية الفاعلين البشر المشتركين فيها. فالفاعلية والنية البشريتان منتجان جزئيان وغير كاملين لهذه التفاعلات. ويعني عدم الاكتمال هذا، كما سنرى، أنه لا يوجد خط وحيد يفصل البشري عن غير البشري، أو النوايا والخطط عن عالم-الموضوع الذي تحيل اليه هذه النوايا والخطط. (ص 54)
وعلينا أن نقرّ بأن ما يقدّمه هذا الكتاب ليس مجرّد تنويع آخر على الثنائية القديمة – مخيّر / مسيّر – في تفسير أفعال الإنسان وتحديدها، بالعكس فهو يدخل بنا الى أبعاد وجوانب أخرى للفاعلية التي – وهو الأهمّ – لن تتّضح إلا بعد عملية طويلة فيها من البحث والقراءة والرسم والاختبار ما يستغرق سنين من العمل الدؤوب، وهو ما يقدّمه ميتشل هنا. ذلك أن الفاعلية – بشرية كانت أم غير بشرية – لا يحكمها قانون واحد أو نظرية واحدة، إنما تبدأ كل مرّة بصفتها سؤال مفتوح، مفعم بالصدف والمفاجآت. وبالإضافة الى ذلك، فإنّ هذه الصورة التي يرسمها ميتشل عن الفاعلية، وإن لم تكن جديدة تماماً فهي نادرة الحدوث في الدراسات الشرق-أوسطية سواء في الجامعات الغربية أو العربية، نظراً لتولّعها بالإنسان الفاعل العبقري العظيم، صانع التاريخ الذي سجد له هيجيل وأتباعه المصفّقون.
_العقل المدبّر_
كنت أتساءل في الفترة الأخيرة، وبينما أنا منهمك في قراءة أمثال لاطور وحراوي وبينيت، ماذا لو تُرجم هؤلاء الى اللغة العربية، كيف سيتمّ تلقّيهم وبأي شكل سيتمّ قراءتهم؟ وهذه مسألة أخرى، تهمّني أنا شخصيا بصفتي مستشرق من الطراز المستغرب – وما أدراك ما الطراز المستغرب – ونرجع اليها في وقت لاحق اذا ما شاءت الظروف. لكن أكتفي بالقول هنا أني اندهشت قليلاً عندما سمعت بترجمة الكتاب المذكور الى اللسان العربي المبين، وفي هذا الوقت بالذات، اذ أننا في الأوقات الثورية كثيراً ما نبحث عن الفعل البشري بامتياز، ونبتغي الوصول الى ما يسمى بالعقول المدبّرة، واليد الخفية، والمحرّكين السياسيين، ناهيك عن تلك الاتهامات الباطلة بالعمالة والأجندات الخاصة. فهل يعقل أن نقبل كتاباً يذكّرنا بدور الناموسة، والجاموسة، وغيرهما من العوامل الفعّالة في صناعة التاريخ؟ ربما. لكن أرى أن ميزة هذا الكتاب أنه يضمّ تيّارات فكرية متعدّدة، فإذا كانت الفصول الأولى تهتمّ بمسائل الفاعلية وبناء الحقائق العلمية ونشوء أنظمة اقتصادية جديدة، فهناك فصول أخرى تتطرّق الى مسألة "الفلّاح" واختراعه بل وإعادة اختراعه، وهي فصول تبدو وكأنها تنتمي الى مرحلة سابقة من دراسات ما بعد الكولونيالية، الى جانب تقديمها قصّة تحرّي شيّقة تتتبّع خطوات الجواسيس وعلماء الإنسان العنصريين.
كما أكّد الأستاذ خالد فهمي أن هذا الكتاب – بخلاف كتب كثيرة تصدر عن الجامعات المصرية بما فيها من الجامعة الأمريكة ذات نفسها – يتميّز بأنه "ينتج معرفة". وقوله هذا – الذي أظنني أتفق معه بصورة عامة – أعادني الى سؤالي الأول عن مكان كتاب ميتشل بين المثقّفين في مصر: من هم جمهوره، وكيف يكون تلقّيه؟ وقد نستنبط من قول الأستاذ فهمي، وبحقّ، أن هذا الجمهور وهذا التلقّي لن يكونا في الجامعات المصرية. لن يقرأه جابر عصفور، ولن يقرأه مرتزقة الحزب الوطني المتمسّكين بكراسيهم في كافّة المؤسسات التعليمية. لكنه نسي أن يقول أن القرّاء الحقيقيين لمثل هذا الكتاب – بل ولكتب أخرى من أعمال الأستاذ فهمي نفسه – هم كائنات في الفضاء الافتراضي، لا يقرأون فقط، بل ينتجون معرفة ملموسة سواءاً من الجنس الكانطي أو الجنس الجحوظي. إلا أن الجامعات – الغربية هذه المرة – لا تعرف قراءة النهضة اليكترونية، ولا تدرك الجنس الجحوطي.
_طقوس الإشارات والتحوّلات_
وأرى أن أختتم مقالي هذا ببعض الملاحظات الجانبية عن الندوة وما خلّفته في سلّتي من ثمار متدلّية مثل: السفرجل. وفاكهة الزنزلخت. ولحم الطلح. وبذرة الجعضيض. ومن هذه الثمار أيضاً: ثمرة الردح المتبادل بين الدكتور بشير السباعي والدكتور مصطفى كمال السيّد، حيث تبادلا الاثنان كلمات مخجلة لن أذكرها هنا لتمسّكي الشديد بمبادئ العفّة والكرامة والتقشّف والحياء. كما أننا سمعنا بعض الأسئلة الجوفاء تنطلق من حناجر عدد من الحاضرين، إلا أن المناقشة تم مقاطعتها بعد إطلاق 3 منها فقط، دارت كلّها حول نقاط جانبية سخيفة عن ترجمة الأسماء الأجنبية. لكننا فرحنا أخيراً للقاء الأستاذ خالد فهمي، والذي وجدناه طلق المحيّا، لطيف المعشر، طويل البال والأناة حيث أنه أدار المناقشة بهدوء واتّزان، مفسّراً الأجزاء الأكثر سخونة من الكتاب بروح تعليمية حقيقية نادراً ما نجدها بين كبار الآكاديميين أمثاله.
وأكتب هذا البوست هارباً الى مدينة الإسكندرية، ثغر البلاد، أرض كلّها عالبحري، لكي آخذ بعض النفس، بعيداً عن أجواء العاصمة المختنقة حيناً، والدسمة حيناً آخر!
---
(*) فيروز بحري: هو احدى الشخصيات الكبرى الواردة في رواية حكايات الخبيئة لجمال الغيطاني. وأوجه الشبه بينه وبين الوزير الفنّان كثيرة بحيث لا تترك مجالاً للشك.
17 مايو 2011
اجحظ مع الجاحظ
لا يخفى عن السادة القرّاء أن العبد لله مسجوع اللسان، منثور البال، بصريّ الحسّ والإدراك، وبموجب هذه الأسباب أجد نفسي منجذباً انجذاباً شديداً نحو أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري الملقّب بالجاحظ، وهو من خيرة رجال الأمّة الذين أرسلتهم الينا الأقدار وكرّست أسماءهم على أبواب الأندلس وقندهار وإنّ في ذلك لعبرة لمن يحفظ اللسان ويكتم الأسرار ..
إني بهذه المناسبة أتذكّر رسالة كتبتها منذ نحو عشرة سنين وأنا غائص في المراحل الأولى من مدرسة الإنشاء والتلقين ، كان الأستاذ على ما أتذكر يسمّى فهد أو فهر أو فيروز ربما .. وكان دائم الذكر لخيانة اليهود لسيّدنا وتماديهم في الرياء والبطلان وتوغّلهم في السكة الغلط على حد تعبيره، كان يواظب على مثل هذه الأقوال نفس إصراره على ارتداء أفشخ الكرافاتات وأنفذ العطور مما أثار حوله الكثير من الشكوك والتساؤلات حيث قال البعض إنه من بهلوانات التلفاز أو يحاول أن يخفي روائخ البوتوجاز، لكن ما هذا إلا خساسة مني وقلّة أدب أن أذكر مثل هذه التفاصيل الملفّقة وإن كانت تساعد على تنشيط الحكي وتثبيط الملل وإنّ الشيء بالشيء يُذكر كما أقول دائماً فلا ضير في ذلك ولا يحزنون..
هي لعبة الذكر والذاكرة التي قادتني الى التفكّر في هذه الرسالة القديمة، المنسية بين أغلفة الكشاكيل المصفرّة هوامشها، أو مطروحة في كومة متصاعدة من قشور السفرجل وتفل القهوة ولحم الطلح وقطع الغيار، أو لعلها قُتلت في ظروف غامضة وألقيت في قارعة الطريق يتنكّر عليها المارّة والشحّاذون.. لكن الحقيقة خلاف ذلك كله، فلقد عثرت عليها مكرمشة مندسّة في أرشيف الجي-ميل عندي، ففتحتها وقرأتُ عنوانها:
بعض ما يلاحظ الطالب الياقظ من أدب واعظ في أعمال الجاحظ
الله؟ هتفتُ بدهشة وامتعاض، مثلما يهتفون في الأفلام المصرية القديمة بالضبط . الله؟ لكنها كما أتذكّرها تماماً، ركيكة الخط، غثّة العبارة فهي ثمرة التطلّع المراهق السابق لأوانه، ولعلّ أطرف ما يأتي في هذه الرسالة هو كلمة التوجيه التي أقول فيها:
اعلموا يا أيها الساعين وراء العلم والجارين وراء السلم
طبعا كل هذا على السبيل التنبيه والتبشير فالرسالة تضمّ مواعظ مهمّة وتعليمات مفيدة لا شكّ.. ولكن المفارقة الكبرى أنها تحتوي على وصف لكتاب " المحاسن والأضداد " والذي اكتشفت فيما بعد أن أمر نسبه الى الجاحظ خاطئ تماماً حيث يزعم معظم الباحثين اليوم انه أُقحم في متن نصوص أبي عثمان وهو غير منتبه لذلك، المهم، لا أدوّن اليوم من أجل هذه الرسالة وإنما لأجل الجحوظ ، وهو نتوء العين بما لا يتناسب ومعايير الجماليات الحديثة، مما يسفر على حالات تقزّز واغماء، ثم القبض على الجاني وإحالته الى البرزخ ونبذه من مجتمع البشر نبذاً تاماً .. تطرّقنا الى موضوع العين وبروزها من قبل لكن سنجد هنا تنويعات أخرى ، وأهمّها الإدّعاء بأن الجحوظ جدير بأن يكون لوناً جديداً من التجربة والحياة، وضرباً بديعاً من الكتابة وإنتاج المعرفة، فهو عبارة عن نظرة واسعة على الأحداث، الى جانب كونها موطن إثارة، ومصدر فتنة، وتحدٍّ لحدود الذات المتقوقعة في الأنا الصغيرة، المتخشّبة المتجمّدة في آفاقها الضيّقة ..
قد يشك البعض في صلاحية أمثال الجاحظ لأيامنا هذه، حيث أن الشباب في عصرنا الحديث قد نبذوا فكرة الجحوظ واتخذوا تقاليع أخرى عاداتٍ لهم، مثل الوقوف ساعات طويلة رأساً على عقب، أو الضرب في الرمل والنفث في العقد، أو ركوب الجمال الزرقاء، إلا أننا سنأتي ببرهان قاطع يفيد بأن لا تناقض بين ممارسة الجحوظ وبين تقاليع آخر الزمن هذه، بالعكس فإنّ ميزة الجحوظ باختصار أنه انفلات المقلتين من محجريهما المفروضين من قبل ما يسمّى بالجسد والوراثة والأسرة والضرورة لتكونا منتفختين متزعزعتين لا يردعهما رادع..
وعلى الرغم من أنّ مشروعنا هذا مرتبط وبشكل أساسي باسم الجاحظ، وهو الآن حفنة من الرماد والمخطوطات قد أدركها الفساد والتلف، إلا أننا لسنا هنا بصدد التأصيل، ولا إرجاع الأشياء الى جذورها، ولا إنعاش ما يسمّى بالتراث أو بعث الروح فيه، وإنّما ما نقوم به أقرب ما يكون الى عملية ترقيع، هي عبارة عن الحلّ والربط، ثم الفكّ والجمع ممّا يلقي شبكة فضفاضة من الوضوح على فرع من فروع الجحوظ ألا وهو الفرع الكتابي-التدويني.
ولهذا الفرع سمات أساسية أعرضها ههنا:
(أ) التقنية.
لما كان أبو عثمان وقبله عبد الحميد الكاتب قد درجوا على تأليف الرسائل كمساحة أدبية يبسطون فيها مواقفهم من هذا أو ذاك، ويتفنّنون في وصفهم للخلق فنوناً باهرة من السخرية والدعابة والمدح والمجون، ولما كانوا يعتمدون في ذلك علوماً عربية وتقنيات نثرية مثل السجع والصفع والبلاغة والإعراب، فمثلهم مدوّنو اليوم قد درجوا على إنشاء مدوّناتهم اعتماداً على تقنيات أخرى مثل الماك والهاك والطرقعة على الكيبورد.
ولقد وجد القليل من الآكاديميين – أبعد الله عنكم كأسهم – قد وجدوا في الفضاء الافتراضي أرضاً خصبة لخربشة أفكارهم، ودردشة آثارهم، وقشقشة أعمالهم وسرسعة نصالهم، وكلّ ذلك تبسّط فيه الأستاذ جراهام هرمان، الصديق القريب للفيلسوف الفرنسي برونو لاطور والذي فوجئت بخبر أنه يقطن حيّ الزمالك منذ حوالي عشرة سنين. كما أني فوجئت لما اكتشفت أن بعض الفلاسفة من الجنس الميتافيزيقي-الكلاسيكي هم من أحسن الكتّاب في المضمار الآكاديمي الغربي، ومنهم ايان هاكينغ فضلا عن هرمان وأتباعه، بينما أساتذة الأدب الأمريكي ما زالوا يضربونها فشنك، ويتمادون في التفتفة والغموض، وخير دليل على ذلك الأستاذة لورن برلنت. فهذه الحالة الأخيرة تثبت أن الكتابة التدوينية لا تساعد دائما في تحسين تقنيات الكتابة، لكننا نعلم أن سبب ذلك عدم إدراكها للمسالك الجحوظية. وما أدراك ما المسالك الجحوظية.
(ب) الشيء بالشيء يُذكر.
لم يكن للجاحظ مشروع تنظيري متكامل، لم يرقْ له أن يقوم بإنشاء مدرسة فكرية أو إيراث فلسفة منظّمة، لكن هذا لا يمنع أن أسلوب تفكيره وأُفْعُول تدبيره قد أثمرا فعلاً ثماراً من الحق والنور والمعرفة والغذاء – مع الملاحظة أن المعرفة هنا ليست بالضرورة من النوع الممسَك به، المقبوض عليه، إنما أقرب ما تكون الى اختلاجات خفيفة أعلى الحاجب، والتهابات غير ملحوظة في منطقة الأمعاء، أو حتى فقاعات تظهر أحياناً أثناء الغسيل، تتزبّد وتتطحلب ثم تنفجر بغتة مخلّفةً وراءها شيئاً من الحيرة، والتوقّف، ناهيك عن الطشت الطاهر، الطائل وجههك بلسانه الزفر.. وغير ذلك.
معرفة جسدية، نصّية بهائمية، سريعة المفعول، دائمة الأثر من حيث لا تحسّ!
وليكن شعارنا في هذه الفقرة: الشيء بالشيء يُذكر. وهو أمر لا يتطلّب تسلسل منطقي للأفكار، كما أنه لا يرجع ولا يعود الى صورة كبيرة، ولا يؤطّره إطار. وقد نقول: الإطار هو العدوّ، نلتقي به في الآخر وليس في الأول. لأن الشيء هو البداية، هو لحظة الانطلاق وإن كان مجهولاً، متبدّلاً، سريع المفعول ودائم الأثر. وسبب ذلك أنه مشتقّ من المشيئة، الإرادة، فهي الرغبة التي تولّد السعي، والشوق المتجسّد في لمعان الذهب والفضة والقناطير المقنطرة. الشيء بالشيء يذكر: السعي السائل، السيل الساعي.
والسيل رأس الأدب، فهو البذرة التي تولّد منها الأدب العربي أجمعه حيث قيل: حَطَّهُ السَيْلُ مِن علِ. وهي جملة نحفظها ونحافظ عليها حتى يومنا هذا. وقد قيل أيضا: بل بدايته مع كلمة "اقرأ". وإننا لنقرّ بذلك أيضاً، بما أن الأدب منشؤه الدعوة، والإغراء، والدخول في طوايا ممارسة تكنولوجية جديدة: من الأمّية الى القراءة، أو من النشر الورقي الى النشر الاكتروني.
ولعلّ أهمية السيل ترجع الى مسقط رأسه البصرة، والطابع الهندسي المعماري الفني الخاص بها والذي يتكوّن من قنوات تضاهي قنوات البندقية، فالمرء اذا أراد التنقّل فيها من مكان الى مكان استقلّ زورقاً صغيراً يحمله عبر الماء الى مقصده المنشود، ومن ثمّ ضرورة الإلمام بوسائل النقل البحرية وفنون الملاحة ونحو ذلك.
(ج) التحدّي.
وإن للتحدّي هنا فرعين: أمّا الفرع الأول فهو تحدّي الملل، وله طرق وجهات مختلفة قد نفصّلها في تدوينة أخرى. وأمّا الفرع الثاني، فهو يتمثّل في ميل الجاحظ نحو الكبرياء، وإثبات الأنا، وإبراز العين وإدّعاء العلم. ومن آي ذلك تحدّيه لشخص ما كتب اليه رسالة ذات يوم فقال فيها:
جعلت فداك، أين كان عبد الله بن هلال الحميري صديق إبليس من كردباش الهندي، وأين كان بقع منهما صالح المديبري، وأين عبيد مُج من البطيحي، وأين عبد الوارث من الهُجيمي، وأين أبو منصور المخاريقي من جرمي، وأين بامونة من حَسْدَهْ، وأين قشة اليهودي من كُشة، وما فصل ما بين الكهانة والشعبذة، وما فصل ما بين الحازي والعراف، وأين كان عزّي سلمة من سطيح الدئبي، وأين كان الأبلق الأسدي من رياح بن كهيلة، وأين كاهن سعد هذيم من حُليس الخطاط. وحدّثني عن ساحرة حفصة وساحرة عائشة أقتلتا بإقرار منهما بكيفية السحر؟ وحدثي عن صاحب جندب بن زهير باقرار قتله أم عن معرفة منه بمعنى السحر؟ وهل ثبت جعلت فداك أن النبي صلى الله عليه وسلّم سُحر في جُف طلعة ووضع تحت راعوفة البئر أم لا؟
وخبرني: ما البحرباي، وما البارباي، وما الكروريات، وما الخواتيم، وما المناديل والسعي والأمر الذي كان في خاتم سليمان، وما السكينة التي كانت في التابوت، فقد اختلف المفسّرون فيها وزعموا أنها كانت رأس هر. وما سعسف ياسينية، وما الفتل، وما التوجيه؟ وخبرني: ما تأويل الزمزمة، وما فعل المال الذي من أخذ منه ندم ومن لم يأخذ منه ندم. وخبرني عن قول الخليل في الوهم القديم؟
(من رسالة التربيع والتدوير)
الإجابة على هذه الأسئلة المتحدّية موجودة كلها في متن أعمال الجاحظ، فهو البهلوان المتنطط الممسك بشعلة النار المسروقة..
(د) وله سمة رابعة، وهي موضوع رسالة الدكتوراه التي نعدّها حالياً.
وليس هذه السمات مهمّة أو أساسية، إنما أقرب ما تكون الى سحابات عابرة، نفثتها ذات يوم من رأس السيجارة الطويلة، الطائلة بلسانها ما لا يطال، وإن في ذلك لعبرة لمن يعتبر، وذكرى لذوي الذاكرة والبال.
---
*وقد نسمّيه: التدوينة العابرة للقارات، اذ أننا بدأناها في أراضي أمريكا الواسعة ثم ختمناها في برّ مصر، وذلك بعد رحلة أحسن ما يقال فيها انها بهدلة، حيث اننا تعرّضنا لتعسّف شركات الطيران ومكائدها الخسيسة، إلا أننا فزنا بما لم نكن لنحلم اننا سنفوز بها ابدا: ركوب الخطوط الجوية السويرية، ولذلك تفصيل هنا
