17 فبراير 2011

رسالة في الهزل والجدّ والطرق الشعرية

رسالة في الهزل والجدّ والطرق الشعرية

يعتدّ حازم القرطاجني من أعزّ أبناء تونس الخضراء، شارك في ثورتها وانضمّ الى صفوف ياسمينها المتوهّجة، كما أنه هجا رؤساء النظام الفاسد المطاح به، ثم توفّاه ربّه سنة 1285 م / 684 ه. وقد خرج من رحم أمّه لتسقط رأسه على أرض الأندلس، وفي مدينة قرطاجنّة تحديداً، فلُقّب بذلك، ولكنه ولسوء الحظّ ألفى نفسه محاصراً من قبل الجيوش الكاثوليكية المتعطّشة لدماء اليهود والمسلمين، والكفّار أيضاً، مما أقنعه أن الهروب والاغتراب قد لا يضرّه كثيراً، إنما بالعكس فقد ينفعه نفعاً لا بأس به، لذا فقام أخذ ذيله في سنانه وطار الى تونس، المعروفة منذ الأزل بمدينة قرطاج. وذلك حوالي سنة 1239 أو 1240 الميلادية.

ولقد انشغل القرطاجني لفترة طويلة بأمور الشعر، وقام بتأليف ديوان أو ديوانين من المدح والردح والهجاء والرثاء، فلم يصرفه عن هذا الاهتمام الشعري التافه إلا مشروعه المعرفي الميتافيزيقي الأعظم، الذي أفنى ثلث أرباع عمره في تصحيحه وتنقيحه والانكباب عليه ليل نهار، زهد في الحياة الدنيا من أجل إخراج هذه الثمرة الفلسفية المعجزة، وفرّط في نصيبه من الزينة والملذات حتى أنه اعتزل كوخاً في الجبل لا ينزل منه سوى في أيام محدّدة من موسم الشتاء، وفي أواخر شهر أرخ شباطو البابلي بالتحديد، وذلك من أجل التقاط بضعة وريقات من شجرة الطلح المتساقطة على الأرض وهي قوته الوحيد، غذاؤه الفريد وهو سبب قول القائل:

ما أجوع من القرطاجني"

وقالوا أيضا:

ما أطلح من القرطاجني" نسبةً الى شجرة الطلح التي اعتاش منها والله أعلم..

ولا أطول عليكم، المهمّ أنه في عزلته هذه انهمك في تصميم نظام متكامل في تصنيف الأشياء وترتيب السفهاء، فوُلّع بالخطوط الرفيعة، المستطيلة المتشابكة، كما أنه شُغف بفكرة الفروع والخانات والدوائر والمصفوفات، ثم خرج عن طوقه وجنّ جنونه فقضى آخر أيامه يهذي ويخرّف لا ينطق سوى: فعلن مفعول مفعلن تفعلن فاعول فعلنة ..

وبعد وفاته بخمسين عام، اقتحم الناس كوخه بفضولهم وتم العثور على مخطوط بعنوان: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ينقسم الى أربعة أجزاء تتبقى منها الثلاثة الأخيرة بينما ضاع الأوّل للأسف الشديد. لكن ما يهمّنا هنا – وقد حانت منا التفاتة الى الظروف الراهنة في برّ مصر وبحرها – هو عدّة صفحات من القسم الرابع " في الطرق الشعرية " فيقول:

الطرق الشعرية، وقد نقول الطرق المعرفية، غير أننا لا نستسيغ ذلك فهو لا يروق لنا لذا سنبقى على مصطلح القرطاجني المعهود، والذي ذرف من أجله سيول من الدم المالح، والدمع الكالح ، المغذّى جيدا بوريقات الطلح، وقيل الزنزلخت، المتساقطة هنا وهناك..

وقد نقول "الطرق المعرفية" لأن كلامنا هنا لا يقتصر على الشعر والأدب بل يمتدّ الى الكتابة والخطابة بشكل عام. و“الطريقة المعرفية" هي تلك العلاقة بين المتكلّم وكلامه، وهذه العلاقة – بالطبع – قد تكون مباشرة وواضحة وناتجة عن نية وقصد، كما أنها – بالطبع أيضاً - قد تكون غير مباشرة، وغامضة، وتتذبذب ذبذبة لا حدّها لها ولا حصر. لكنا نعلم جيدا أن هذا المنهج يكبّر دور المتكلم ويضخّمه، والأفضل لنا أن نقول: الطرق الشعرية، وهي العلاقة بين المتكلّم والمخاطب والكلام وأشياء أخرى من نوع: وريقات الطلح. والكوخ في الجبل. والحبر الأحمر. والغازات المسيّلة للدموع.

كل هذه العوامل، حدث لها أن تتلاقى وتتفاعل في الخامس والعشرين من يناير، الموافق لـ21 صفر الهجري، الموافق لأرخ طبيتوم البالبي، الخ، وهي من ذلك النوع من العناصر التي من شأنها أن ترجّح كفة الثقل على كفّة الخفّة، أو كفة الخفّة على كفة الثقل، فتعرّج بنا عن طريق الجد الى طريق الهزل، أو بالعكس، من طريق الهزل الى طريق الجد، وإنّ البحث في هذه الأمور هو مقصدنا اليوم.

وقالوا البعض: إننا نذهب مذهب الجدّ، فإن بهذه الثورة نكافح من أجل أشياء جادّة، وملموسة. وهؤلاء لهم حقّ.

وقالوا أيضاً: بل إننا نذهب مذهب الهزل، علشان الراجل دا بيقول: مش همشي، مش همشي، مش همشي، خلاص أروح شرم الشيخ! وهؤلاء لهم حق أيضاً.

فأي هزل هذا، وأي جد. لكن: هل يحقّ لنا أن نحدّد، هل يحقّ لنا أن نميّز بين الاثنين؟

والحقّ يقال أنني أتأمّل هذه الثنائية الصارمة منذ الأبد، فهي دون غيرها من الثنائيات تتحكم في علاقتي بغيري من البشر: لغوياً واجتماعياً وفنياً. وأخولوتياً . لكن الموضوع ليس شخصياً فحسب، إنما هو - كما أوضح لنا الشيخ أبو الحسن حازم القرطاجني - على صلة وثيقة بالظواهر الكونية الكبرى، والأحداث اليومية الصغرى، وما بينهما طازج.. (وهل أوضح ذلك فعلا؟ ربما، المهم أننا ننسب اليه هذه الأقوال الرصينة، والأفعال الرخيمة، لغرض من أغراض الشدّ، والصبغ).

فكيف اذا مزج أحدهم بين الاثنين - الهزل والجد؟ قال:

ويقصد الإشارة الى حشي الدالّات الجدّية بمدلولات هزلية لإتّفاق تداخلهما في بعضهما البعض. والبيض هنا - بالطبع - هو بمثابة البضان، بينما الذكور - وهي السيوف في القصائد الكلاسيكية المغبّشة - تميل الى السيجارة بشكل ملحوظ، وإن كان التبغ غير معروفاً أيامها، لسوء الحظ.

* * *

كثيراً ما يقال في نقاط التحوّل التاريخية: سبحان الله مغيّر الأحوال، ولن تعود الأمور كما كانت من قبل، فكأننا شهدنا لحظة مفصلية، ومفترق طرق، خرجنا من تلك الطريق القديمة الى هذه الطريق الجديدة: والله الموفّق والمستعان. ثم يشرعون في إقامة العزاء لروح السخرية، ويقولون: إنه موت الهزل، لكثرة ما عشناه من مخلّفات الجدّ.

يندلع صراع بين الطرق المختلفة، ومن أبرز أطرافه: قانون الطوارئ. وتحدّي الملل. وكفاية. والتجديد الكويس والتجديد الوحش. وقول بعض السفهاء: لقد عادت المياه الى مجاريها. ولقد بدأت الحياة العادية تعود الى الشوارع. ولقد ولقد ولقد..

فأي عذاب هذا، أن تعيش في حالة من الطوارئ العاجلة من جهة، وبين حالة من الملل المتأصل، الناتج عن الراجل اللي مش هيموت أبدا على ما يبدو، من جهة أخرى.. الحق أني لا أعرف، لكني مع ذلك أثرثر، وأفتي، وأدلي بدلوي لأن هي دي لعبة الموسم، فلم لأ؟

***

" الروتين " له رنّة معيّنة، له رائحة خاصة به وله حركات تُمنع وأخرى تباح، نحن نحسّ الطريق الشعري من خلال السمع، ونحسّه أيضا عن طريق الوزن وجبس النبض، وتكسر البلاط وإعادة تعبيده، ثم لا ننسَ جملة الكيميائيات المنصبّة فينا، حليب المعزة والزنجبيل والخشب المطحون، وأذكر بهذه المناسبة أني قد أقلعت عن شرب القهوة منذ شهر كامل، ولا أشرب الآن غير الشاي ومن أوهمك بغير ذلك فإنه واهم واهم واهم!


14 فبراير 2011

شكرا يا مصر

شكرا يا مصر

حبيبتي في عيد الحبّ

04 فبراير 2011

احا


من أعمال جيبارا ، من أهم فنّاني الثورة المصرية

29 يناير 2011

تحيا مصر حرة ديموقراطية

قدوة يُقتدى بها


Align Centre
بالباركور


بالكاراتيه


بالتحرير

24 يناير 2011

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (3 ج)

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (3 ج)


***

هذا أمر غريب جدّاً : لقد بدأت مشروع تأليف هذا القاموس منذ عدّة أسابيع بهدف " إيضاح ما غمض، وكشف ما خفي، وتصفية ما تعكّر " على حدّ تعبيري، ومع ذلك فما ان دوّنت السطور الأولى لهذا الكتاب-المسخ / المسخ-الكتاب حتى ازداد الطين بلّة، وتدهورت الأشياء نحو الأسوأ والأغمض في غمضة عين، ولمحة بصر.. قد يظنّ البعض أن هذا كلّه كان قصدي وتدبيري من الأول، وقد لا يخلو ظنّهم هذا من بعض الصحّة، لكنني لا أدري، وهو الأمر الذي يدفعني الى معالجة هذا الغموض في تدوينة مطوّلة أعدّها حالياً بعنوان البيان والتبيين وقد أسمّيه أيضاً رسالة في الأدب والعلم وما بينهما طازج، طازج وبشوش مثل الزنجبيل، أو البجعة ربما .. ربما، المؤكّد على كل حال أنني سأكتبها، لتكون آية في الحسن والجمال وعبرة من عبر الأجيال، الخ.



18 يناير 2011

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (3 ب)

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (3 ب)

باب الأخولوتل (الذيل الثاني)

حلمت بالأمس أني كنت أتصفّح قاموس العامية المصرية الذي أعدّه الدكتور السعيد بدوي والدكتور مارتن هايندز، حين رأيت هذه الكلمة:



فقلت في نفسي: هاي معلومة جديدة هاي، لم أكن أعرف أن أهل مصر قد سلكوا هذا المسلك، فأطلقوا على أداة الاستحمام هذه لقب "أخولوتل" في لهجتهم الدارجة. فلأضيف هذه المعلومة الى ترسانة معلوماتي المكتسبة، ولتستقرّ الى جانب معلومات مشابهة: مثلاً يقول أهل مصر "موس" بدلاً من "مشرط حلاقة"، ويقولون "قزاز” بدلا من "زجاج”، كما أنهم يقولون "أخولوتل" بدلاً من إسفنج وهكذا..

لكن الحقيقة أنني لما أقول "قرأت هذه الكلمة في القاموس" فهذا وصف غير دقيق بالمرة، الأحرى أني قرأت الكلمة "أخولوتل" ثم * أحسست* على الفور بما معناه "إسفنج"، ورأيت تلك الحفنة الصابونية من الألياف الناعمة الرقيقة وهي تنبض مفرزة القليل من الزبد في يدي...

***

ما ان خلصت من التدوينة السابقة – باب الأخولوتل – حتى صادفت هذه الفقرة من مقدمة الوزير ثروت عكاشة لكتاب مسخ الكائنات: ميتامورفوزس للشاعر الروماني أوفيد:









هذه هي مصطلحات زماننا اذن! - النسخ والمسخ والفسخ والرسخ: اللهم فاشهدوا!

14 يناير 2011

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحر (3)

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (3)

باب الأخولوتل

يحدث أحياناً أن الإنسان يمرّ بمراحل زمنية معيّنة، يخيّل إليه أنها مختلفة عما سبقها ومغايرة لما سوف يلحقها، فيقول مثلاً إن تلك كانت مرحلة اللون الأخضر، وتلك هي مرحلة القلقلة والانهيار، أما هذه التي أعيشها الآن فلا بد أنها مرحلة الإيقاع السريع، والخطو الهريع، وإن كانت أقرب ما تكون الى الضباب الرمادي اللزج، لا أتبيّن فيه الكثير.. وبين تلك المراحل المرقومة تعدّ أيضاً مرحلة البطولات العظيمة، ومرحلة الفانتازيا الجارفة، ومرحلة النميمة المنجعصة وغيرها.. يرجع المرء الى هذه المراحل ويجترّها، يسجّلها ويصنّفها، يحلّلها ويفسّرها، الى أن يقتنع بشيء من الحتمية القاسية، وإن كانت دافئة متبسّمة في رداء معانيها القاطعة، المفروغة منها.

تلك هواية لا أملّ الفرار منها، لكني ههنا أقول – نكاية فيها – إنها ربما لا تخلو من بعض الفائدة، فأعترف لكم يا سيّداتي وسادتي أنني أنا أيضاً مررت بمراحل زمنية طالت أم قصرت، دامت أم انتهت فهي محدّدة مخطّطة لا تنفلت من مخالب المعرفة والتنوير. فالحقيقة أنني قد عرفت منذ زمن قصير مرحلة أسمّيها مرحلة الأخولوتل، وهو الأمر الذي لا يغيب عن بعضكم بالطبع. إلا أنني أحبّ أن أرجع اليها كتابةً وقراءاةً، ليس بصفته حيوان برمائي عجيب، إنما بصفته زمن من الأزمان المعروفة، وحقبة من الحقب المدروسة، ومرحلة من المراحل المحروسة وأقول:

الأخولوتل وهنا نأتي على ذكر الأخولوتل باعتباره زمن، هو تقويم خاص لا يقاس بالمقاييس المعتادة فهو يخرج عن لسعة العقارب السامّة، وفي الزمن الأخولوتيّ هذا لا نقول "ثانية واحدة" أو "دقيقة واحدة" أو "أجيلك بعد ساعة"، إنما نقول "زعنفة واحدة" أو "يد واحدة" أو "أجيلك بعد تحوّلٍ عضويّ آخر"، ذلك أن مخلوقنا المائي هذا قادر على تعويض ما فقد من أطرافه اللحمية الكثيرة.. هذه هي مصطلحات زمننا اذن، وهي تختلف كل الاختلاف عن المصطلحات الكاسدة القديمة، الى درجة أنها تستلزم لغة مختلفة أيضاً لها قواعدها المفضّلة بحيث لا نقول:

ديل الكلب عمره ما ينعدل"

إنما نقول "ديل الكلب المائي ينعدل وينعدل، وهذا حسنٌ" لأن العبارة الثانية أليق وأظرف من الأول، وان اختلط فيه شيء من الطين والماء المسوّس، السائد في بحيرات العاصمة المكسيكية وبركها الضحلة الشفّافة، الزاخرة بالخصوبة والانفلات، والتضاجع الأخولوتي الآخذ في التلاشي والاضمحلال..

ولقد دأب بعض علماء الهندسة على ضبط تقويم ثابت ومعقول لهذا الزمن الأخولوتي، فأبدعوا كافّة الأدوات المعدنية الغريبة، والأوعية الزجاجية العجيبة، إلا أن محاولاتهم هذه كلها باءت بالفشل، فصدئت تلك الأدوات وتغبّشت تلك الأوعية، واستنفدت أموالها على كل حال فلا أحد يهتمّ بفكّ هذه الشيفرة المستعصية على العاقل قبل المجنون، والسويّ قبل المتشقّق، والواعي قبل الأهبل وهكذا..

لكن الخطأ يكمن في اعتباره – أي الزمن الأخولوتي – محكوم بشيفرة أصلاً، فهو يعتمد على الفلفصة والارتجال، والخلبصة والانتهاز أكثر مما يعتمد على الوزن المنظوم والجذر المعلوم. وخير دليل على ذلك ما دوّن له بعض مؤرّخيه في كتاب من كتبهم الملتوية فقال:

(التحوّل الجلدي الرابع والخمسون بعد المئتين، في الزعنفة السابعة والنصف من الذيل الثاني)، والظهر محدودب قليلاً لكن العامود الفقري بخير، بارز نعم لكنه سرى فيه شيء من الاستقامة الملحوظة رغم كثرة النتوءات، وردت أخبار قدوم الخيول الى الثغر، ثم وصولهم الى البرّ حيث أخذوا يفتّكون بالأهالي ويعيثون في الأرض فساداً وإرهاباً، لكنهم أبصروا ما في الخياشيم من برق ورعد وغضب وكبرياء، الأمر الذي جعلهم في حيرة من أمرهم فشرعوا في التراجع والارتداد، والفرار والابتعاد وهم هاتفون: مابلاش يا جماعة، احنا ناقصين..

وانفتحت الأسارير، وانتفشت السوالف الوردية حتى خيّل الينا أنه على أهبة الاستعداد لأمر عظيم، ولم تخب الظنون اذ أنه سرعان ما انتفخ انتفاخاً هائلاً ثم عاد الى حاله وصبّ لنفسه فنجاناً برّاقاً من القهوة المحلية، واستند الى كنبة مهترئة كالذي يقول: تفضّل، تشرب ايه؟

قرّب الفنجان من شفتيه المنفرجتين عن ابتسامة مكر وتواطؤ - فضحك. وضحكته تلك جعلت في المشروب عاصفة صغيرة، تراقصت فيها الأضواء، تمازجت فتقلّبت، وفاضت بسخونتها الذكورية الطافحة عليه وعلى بنطاله المحترق!

والقهوة، للأسف، لم تجنّبنا هذا المصير البائس.

وكان المأمون، في خلافته السادسة، الموافقة للتحوّل النسجي الرابع بعد المئة وزعنفتين، قد اشتهى تلك القهوة، فبعث في طلبها خمسين من رجاله الأقوياء، تفرّقوا وانتشروا في أراضي الخلافة المنتاهية الأطراف، قالبين في أغراض الناس، متفرّسين في الوجوه، سعياً وراء تلك القهوة النادرة حصولها.

وجرت عادة الناس في تلك الزعانف الغابرة، أن يميّزوا بين المشروب الذكوري والمشروب الأنثوي. فالقهوة الفاسقة، كما سبق وأشرت، تعدّ من المشروبات الذكورية، نظراً لما تنطوي عليه من خلايا منيوية مسحوقة، قد اُستخلصت من عضو من أعضاء الغزّال المتهدّلة. فإنّ صفن هذا الحيوان، يا أنتم، ألا وهو مصدر ذاك المشروب المنيوي.

خمستعش دولار!

خدي يا مدام!

ثانك يو!

لكن رجال الخليفة لقوا مصيراً مجهولاً، وقد تم نقل أخبار ذبحهم - على يد بعض من حرّاس تلك القهوة المنتصبة دائماً - الى مسامع أمير المؤمنين. وأغمى عليه في الحال.

حرّاس القهوة هؤلاء، لعلمكم، هم طائفة من طوائف الفلول الزائدة، والمطاريد الحاقدة، المتبقّية من حملات الأمريكان البشعة على الهنود الحمر. وهم طائفة من الأشباح، انشقّت عن هؤلاء. وهم يرون الغيب، وبأسهم شديد.

الأخولوتل يركض، ويتسلّق الشجرة بلباقة وخفة. من فوق عرشه هذا، يرمي على الإنسان بسيل من حبات البندق. ثم يضحك. ودماغ الإنسان ينفلق نصفين.

وهذا قليل من كثير، جاء في كتاب من كتبهم الملتوية.

فقال البعض: إنه الفخّ.

وقالوا: إنها المصيدة، والشباك الطائلة، وقع فيها الكثير قبل القليل، والمؤمن قبل الكافر والعكس صحيح أيضاً.

12 يناير 2011

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (2)

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري (2)

لأن العام المقبل إنْ هو إلا تتمّة للعام المنقضي، ولأن الزمن الآتي إنْ هو إلا غصن رقيق مزروع في الزمن السحيق، فمثله هذه التدوينة الأولى لعام ألفين وحداشر الميلادي ما هي إلا استكمال لبعض ما أثرته في التدوينة السابقة، الرابضة القابضة على مشارف ألفين وعشرة وأعطافه الديجيتالية المطوية بقهر وانفلات، وشيء من الدماثة. فليكن.

وأقول:

مسرح الدولة وهو كل ما يقوم به أسيادنا على سبيل الفرفشة والاستعراض، كما أنه اللحظة التي ندرك فيها أن التمثيل نوع من العمل الجادّ، فقضاء ساعتين في الحمام يندرج في خانة الجهود المبذولة على الصعيد اليومي، تصفيف الشعر وإطلاق المعر، كل هذا يعتبر إبداعات على معيار واحد، يزال عنده الفرق بين المكياج والجلد، بين الإدعاء والإدعاء بعدم الإدعاء، وبين الباطن والظاهر ونحو ذلك.

عري هو حالة كل واحد فينا إثر خروجه من الرحم بكامل ملابسه الطبيعية التي يحتاج اليها: سراويل وقمصان وكوفيات وبنطلونات طبعاً، ثم أحزمة وقلنسوّات وغوايش وبراطيش بكاروهات، وما أدراك ما براطيش بكاروهات.

فشخرة وهي صوت القلم على الورق، وانبلاج الفجر عند الفلق، وأوّل ما يصدر عن الوليد على سبيل القلق وربّما الأرق، الخ.

استهلاك يكونش اللي نفسي فيه، ولا مش عارف صراحة كنت افتكرته حاجة وسخة بس قاللك ايه على رأي المثل عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم صدق الله العظيم

قهوة أذكر بهذه المناسبة أنني ذات يوم من الأيام كنت أبحث في أصول هذا المشروب، فوجدت أن أهل اليمن أيام زمان اصطلحوا على كلمة "مرقحة" والمقصود النشوة الخاصة المصاحبة لعملية شرب القهوة دون سائر أخواتها من المشروبات والله أعلم.

كونياك اللي ما شربتوش من زمان. اللي معاه قزازة يا ريت يبعتهالي.

...

اااااخخ دماغي، كفاية قوي كده، عملية السلخ والقشر دي توجع الراس، ايه الهبل ده أصلا مش فاهم، دي عاوزة مفهومية قوي دي، كاوتش كاوتش كاوتش

18 ديسمبر 2010

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري

المحيط الفشري في شرح كلام عالبحري

الحسّ التعليمي عندي قوي جدا، جاء بعض القرّاء وقد استبدّ بهم الحيرة والالتباس، فأخذوا يضربون أخماساً في أسداس، وسألوا عن وضعي بين الجنّة والناس.. والأمر طبيعي جداً، نظراً لكثرة الطلاسم التي أنطقها، ووفرة الأحجبة التي أكتبها، وطفرة المسوخ التي أطلقها.. أو لا أطلقها.. وهكذا.. (يعني إيه "المسوخ التي أطلقها"؟!) *

تروّيت في الأمر مليّة، قلبت الأقوال على أوجهها الشتى، حلّلت وفسّرت، تأمّلت وتفكّرت، ثم قلت في نفسي: فالأؤلّف قاموساً، يوضّح ما غمض، ويكشف ما خفي، ويصفّي ما تعكّر، الخ. وقد يشكّ البعض في الفائدة التعليمية المستخلصة من مثل هذا النصّ، أي القاموس، والذي لعب دوراً على مدى التاريخ في ترسيخ مفهوم اللغة الواحدة، التي تمتلكها أمّة واحدة، التي تحكمها طبقة واحدة، هي طبقة النحويين والجنرالات.

لكن ليس القاموس لوحده مسؤول عن هذا الظلم والإجرام، فقد يرقد صامتاً منسياً بين مجلّدات بعضها تنطق، وبعضها تصفّق، إلا أن كل كلمة مسجّلة فيه تحتاج الى رئة، وهذه الرئة تحتاج الى حنجرة، وهذه الحنجرة-الرئة تحتاج الى إنسان عاقل يقبلها – أي الكلمة – أو يرفضها، حسب تواجد العناصر المؤثّرة الأخرى (وهي غير جانبية) من متكلّمين ومقيّمين وصناديق سوداء، أو غير سوداء.. ثم ان بعض القواميس أصبح لها جمهورها، بل جماهيرها، يتسارعون في اقنتاء أظرف معجم وأحلى محيط وأجمد قاموس ليزيّنوا به رفوفهم العراة! فيغدو بذلك وسيلة من وسائل الانتماء الاجتماعي، يصبّ في صيغة من الصيغ المتداولة: أمة أو طبقة أو وظيفة أو جملة أحاسيس خيالية، الخ. فالقاموس اذا أريدَ له ان يسري مفعوله – أن يخبّ ويتموّج ويزخر ويتعبّب – اذا أريدَ له هذا، باختصار، فيجب أن يكون له حلفاء: من الأنهار والسواحل، من الأفراد والقوافل، من الجنة والناس.


لكن كفانا بؤساً ، فأقدّم لكم قاموسي الكبير، المحيط الوفير، دون المزيد من المقدّمات:


هرش بفتح الهاء وسكون الراء هو الحكّ والحسّ واللمس واللعق، وسببه القمل والنمل والبرغوث والجراثيم، لكن حصيلة كل ذلك هو الفهم، أي الإدراك، فيقوللك مثلا: انت هارش؟ آه، أنا هارش. والمقصود نعم أنا أفهم قولك وأتبيّن غرضك ونحو ذلك.

انحطاط على وزن انحراف أو انفشاخ هو من النشاطات المستحبّة والأحوال المستغثّة في الحياة البوهيمية، وله أشكال عدّة منها: مؤانسة العدار والقطرب والجندب واللون البنفسجي، وكذلك التورّط في بعض أعمال الهنك والرنك، ثم تناول كوكتيل المنفلوطي.

ترقيع على وزن تعوير أو زمهرير وهو كل ما يُلحق بالجسد أو يتحالف معه بطريقة أو بأخرى، ومنه السجع فقد قال الشدياق إنه "للمؤلّف كالرجل الخشبية للماشي"

حسحس هو الرئيس محمد حسني مبارك، وبس

زقططة هي نوع من أنواع العطر الغالي ثقيل الرائحة نفّاذ البائحة وهو يصلح لدهن الحيطان أو أن تلطّخ به الرصيف عند منتصف الليل، فقط منتصف الليل أو عندما تسمع ثغاء النعجة أو رغاء البجعة فتجنّبك بذلك شرّ المتربّصين آمين..

كونياك على وزن تنباك ومتناك وماذا دهاك وهو كصوت العندليب أو عصارة الجعضيض ومنه نوافع كثيرة


وهذا قليل من كثير فالقاموس الشامل اتجوز الجاموسة الحامل وجابوا كلام كتير ملوش لزمة..


---

* لعلّني أذكر بمناسبة المسوخ أني أقرأ الآن مقدّمة ثروت عكاشة لترجمة "مسخ الكائنات"، الدكتور ثروت كما فهمت من تجوّلي في مكتبة كوكب عنبر له العديد من الترجمات التي يدّعي تأليفها. ثم لا بدّ أن أذكر هنا - بمناسبة المسوخ - بعض مما أتى في كتاب رامة والتنين فيقول " كانت قد جاءت قبل موعدها. لم يكن يرى شيئاً غيرها - وكان لها جمالها الذي يؤلم، هل الحب هو هذا الألم؟ في وسط ميدان التحرير الغاصّ بالوحوش والمسوخ " (8-9) ويقصد بذلك طبعاً الإساءة الى موظّفي المجمّع وطلاب الجامعة الأمريكية

04 ديسمبر 2010

وتسألون عن الصندوق الأسود


وتسألون عن الصندوق الأسود

هبّت الرياح وارتطمت أمواج الملح بشواطئ المعمورة، تزبّدت سوائلها وتفجّرت، تفتّحت على جثث الطحلب النافقة، الممزوجة بنسغ القزحية وفقاقيع البرزخ.. والشيح والقيصوم أيضاً، فقط جرعات متكوّرة منها، حفنات مدوّرة صغيرة من الأملاح الحامضة والخضروات النقاضة.. كل هذه، اصطفعت بخطوط الرمال الممتدّة حتى الأفق: هكذا هي الأحوال في جزر المحيط الشمالي، بلاد الثلج والجليد والأجهزة العلمية المتطورة، الصادرة عنها أشعّة غريبة يخشى منها الكافر قبل المؤمن، هكذا..


***

المدوّن صاحب هذه المدوّنة: أنا لا أحبّ هذا البرد، البحر عندي هو شيء رحيب، مالح نعم لكن فيه دفء، وإن اختلط في هذا الدفء الكثيرُ من الخطر والانزلاق نحو الأعماق..


***


شتّان ما بين جزر المحيط الشمالي وبين الجزيرة المغناطيسية، الواقعة في بحر المرجان قبالة الساحل الشمالي الشرقي من أستراليا، الجو فيها رطب لطيف، قلّما يخدش المشاعر، يرتاح فيها الصغار مثل الكبار ومنها يرزقون، هذه الجزيرة المغناطيسية أُطلق عليها هذا الاسم للطاقة السحرية المتذبذبة التي جذبت اليها القبطان برعي القتّات، الرحّالة والمستكشف اليماني الشهير الذي عثر عليها أثناء طوافه حول العالم سنة ألف وستة مئة وستة وستين، نفس السنة التي أُحترقت فيها مدينة لندن الكبرى، بما فيها من مسارح ومتاحف وسجون وعمارات..

سجّل القبطان في مذكّراته جملة من الملاحظات الصغيرة، تصبّ في تلميحات جانبية لكنها كبيرة، مفادها أن هذه الجزيرة تحيط بها هالة مبتهجة من النور الخالص، تحبس الأنفاس، هذا بالإضافة الى تلك النجمة في الأعالي، المصادفة في مدارها في ذلك اليوم ببرج العذراء، أو برج العقرب لا يعرف، كلها تعد أو تتوعّد بغد مشرق، ثم ولادة طفل رضيع يستبشر بمزيج من الخير والشر.. ربما..


***


الدكتور فاوستوس. السيّد لي تيبينغ. السيّد دافيد كوبرفيلد. جاندولف الأبيض. جاندولف الرمادي. ماجنيتو. لا يتّفق اثنان حول اسمه الحقيقي. لا يعرف أحد أين يقيم حاليا: هل هي أيسلندا؟ انجلترا؟ احدى جزر المحيط الشمالي لا شك.. لا أحد يعرف أين مسقط رأسه، المؤكد أنه مرّ على الجزيرة المغناطيسية أيام طفولته، لذا آخر ألقابه المذكورة، لكن.. حتى هذا الخبر يكذّبه البعض، هو لقيط تم العثور عليه في مخيّمات السرك المتحرّكة على الدوام، من يدري؟.. من يشعر؟ لكن ما من أحد يجهل ما بحوزته الآن: ذاك الصندوق الأسود، الذي وقوده الحجارة والناس.. اذن فشأنه خطير لا ريب!


***


" اشفيني أيتها الشقراء، أمدّيني بالحقن والضمادة والإسفنج والمسكّنات."


***


فقرة من رسالة بعثها الى وزارة الخارجية الأمريكية:

عزيزي سفير الامبراطورية،

تحيات طيبة وبعد. كما تعلمون فقد اكتشفنا مكان الصندوق الأسود، وهو كل ما نحتاج اليه كي نشغل جهاز الميتيوفيريوم العظيم، عزّ شأنه وجلّ. لا نطلب فدية لكن مطالباتنا معروفة، واضحة لا يشك فيها كائن حيّ، حيث أننا أجرينا مكالمة هاتفية بهذا الصدد يوم الجمعة الماضي. الرجاء الاتصال بنا بأسرع وقت ممكن فتحذروا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

فقرة من رسالة بعثها اليه السفير:

عزيزي ماجنيتو،

نحن حكومة الولايات المتّحدة الأمريكية لا نتفاوض مع الإرهابيين.

فقرة من ردّه:

عزيزي السفير،

الظاهر أنك فاكرها مزحة. فلتذوقوا طعم الحنظل ولتموتوا غيظاً.


***


" اشفيني أيتها الشقراء، أمدّيني بالحقن والضمادة والإسفنج والمسكّنات، والشطّافة.. "


***


مطلوب: مشرف/ة على مرحاض الملك

تصنيف الإعلان: مطلوب للعمل

رغم الإعلان: 38287 ب، انجلترا

تاريخ الإعلان: الثاني من سبتمبر، 1566 م

تفاصيل الوظيفة: من أقرب المقرّبين الى جلالة الملك وجسده المبارك، كاتم سرّه وحافظ لسانه ومخلّفاته، الرجاء التعامل برفق مع سويداءه كما صفراءه، في السرّاء والضرّاء، في الإسهال والإمساك وما بينهما، أللهم جعلتَ فداءه


***


جهاز الميتيوفيريوم ووقوده الصندوق الأسود. هذا الجهاز يُشهد له بالوظائف التالية: تشكيل الغيوم الممطرة، وإثارة الزوابع الحمراء، وإطلاق ما اُختزن في البحر من رعد محتوم: أي باختصار، التحكّم في الأحوال الجوية للكوكب.

قال بعضهم إن هذا الجهاز ما هو إلا تنويع على فكرة قديمة جرّها علينا من قبل سلالة طويلة من المجانين والفاسقين والمتمرّدين من القوم. وقالوا إن ماجنيتو معتوه، ومجرم، لن ينجح في نهاية المطاف. شكّكوا في نواياه، ونقّبوا في دفاتره وشهاداته، فاستهزأوا واستخفّوا. إلا أنهم لم يسمعوا بعد عن تلك الآنسة الودودة، القريبة المقرّبة، جالينا ..


***


الأحوال في المحيط الشمالي مضطربة، تكثر الانتحارات وتنتشر الإرهاصات، تظلّ البواخر الغريبة تلتطم بسواحلها العجفاء، كله بصراحة خرا، لا أكثر ولا أقلّ، لكنني مع ذلك مبسوط، بل مبتهج، وأتطلّع الى المزيد في الأيام القادمة..

01 نوفمبر 2010

من جيب بنطالي

من جيب بنطالي

" أيها الإله المنتصر الخصيب، يا من فُتحت له الأرتجة المستعصية، وكُتبت له الأروقة المستعدية، يا بعل النيزك يا شمضوت يا أخا زيجوريم، أحّه بجد أحّه، يا ربّ الطلاسم الشنعاء، والبلاسم العجفاء، لك الزواحف اللزجة والضفادع النزقة، لك ما في الزوايا والكهوف والهضاب والمكسّرات، المجد لعظمك المتعالي عن الألسنة والذوالق واللغات، الحمد لمقامك المرشوش جيّداً بماء الورد في موسميْ الحرث والحصاد وما بينهما، جيم كاف عين ظاء، شلضم فلضم، يا رائج الصدفة يا مداوم الموبقات، اغسلْ روحك كويس ولنلتفي في مكان معطّر ونظيف.

باسمك نكرّس هذا الحجاب "

* * *

وجدت هذه الورقة المكرمشة في جيب بنطالي وأنا أقوم بخلعه استعداداً لطقوس الغسيل. أمامي كومة مبعثرة من الأسمال والهلاهيل، والهرابيد أيضاً، وأنا أقف مشدوهاً، محملقاً بحيرة وارتباك في هذه الورقة المكرمشة، التي دسّها أحدهم في جيب بنطالي المخلوع.

من أين جاءت؟ ومن كتبها ولماذا؟

هناك عدّة جهات أشكّ فيهم في الحال: طائفة السينتولوجيا، وممكن أيضاً جماعة البقرة المبتسمة، أو حتى داوود ذي القميص الفاقع الألوان. ولعلّ كلّ ما في الأمر أنه بعض المشعوذين العابرين، مرّوا ودسّوا ثم انسحبوا الى غير رجعة، ربما.

هذه المغسلة تقع عند تقاطع الطرق، تظلّ مفتوحة من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة الحادية عشر مساءاً، أتردّد عليها من حين لآخر بهدف إزالة التراب والجراثيم والميكروبات وبقعات القهوة والشاي عن ملابسي، التي تتكوّن من سراويل وقمصان وكوفيات وبنطلونات طبعاً، ثم أحزمة وقلنسوّات وغوايش وبراطيش بكاروهات، وما أدراك ما براطيش بكاروهات، وسوتيان وشمسيّة وسترة وصولجان، كلّ هذه الأغراض، أرميها في مخلاة واسعة من الخيش، أربطها جيّداً بخيط من الحرير الأخضر وأحملها الى المغسلة الواقعة عند تقاطع الطرق، اذ ليس ثمّة غسّالة في الشقّة.

ألقيت الورقة المشبوهة جانباً، وعدت الى الخرق البالية المتكوّمة أمامي، رميتها كلّها في جوف المكنة الفاغرة فاهُ، فجلست على كرسي أبحلق في الدوران المتزبّد حتى مللت ذلك فأخرجت رواية وانغمست في المطالعة.

- انت بتقرا عربي؟ قال. أنا كمان، قال. شوف كرّاستي، مكتوب عليها اسمي بالعربي.

فأخرج الكرّاسة، ذُهلت، مكتوب على غلافها ببنط أسود كبير: اسرائيل.

- اسمك اسرائيل؟ سألته. وهكذا تعرّفت على اسرائيل، مكسيكي يهودي يتكلّم اللغة العربية يعمل في المغسلة.

اتّصلت بالأخت نونو في مصر وقلت لها: سلّميلي على حمدي، وقولي له شكراً.

قالت: لماذا؟

قلت: كنت أقرأ روايته في المغسلة – سحر أسود – حين تعرّفت على إنسان فريد يتكلّم اللغة العربية. لأن كلّ شيء ممكن، وكلّ شيء غير ممكن أيضاً، في المغسلة.

وهذا مثلٌ اقتنعت به واعتنقته، مثلٌ متجسّدٌ في كومةِ الإمكانياتِ الفقاعيةِ اللانهائيةِ، لا تفقعُ ولا تذوبُ إنما تتزبّدُ وتترغّى ثم تتكثّف بحيث تزداد مرونةً وتحرّكاً، ليس بفضل الصابون-المسحوق لأن هذا ممنوع، بل بفضل الماء المتزوبع الذي تخلطه بالورق والسبارس والطمي والطمث، والخوص والريش والتنباك والألق، هذه كومة ملتقّحة من الأشياء المتشكّلة ترميها في المكنة وتضغط على الزرار المناسب لرغبتك في سخونة الماء أو عدم سخونته، وفترة الدوران التي قد تتراوح بين الساعة والنصف ساعة، ونوع الملابس، وجودة القماش، ثم تركب العجلة وتمشي، لعلّك ترجع الى البيت لكن هذا مملّ، أمامك الآن آفاق واسعة وآمال شاسعة، فالأجدر بك أن تجرّب الصدفة، وتستسيغ المفاجآت..


29 أكتوبر 2010

هندسة الحال

هندسة الحال

كأنما يهدّدني الآن: أتظنّ أنك ستتخلّص من هذه القراءات، دون أن يزعجك شيء؟

فكان أن قاطعت تفكيري خبطة على الباب، فتحته، وولج الى شقتي.

ثم دخلنا المطبخ وجعلنا نتضاجع مضاجعة الحيوانات السعرانة. وأقول لك، بل أشهد لك، أن هذه المضاجعة قد تمت على أكمل وجه، حيث أننا أفرزنا كافة الوسائل المطلوبة منا، وأفرغنا في بعضنا البعض الشيء الكثير من المنى، والبول، والكلام العسل. آمين.

رفعني من تحت مؤخرتي فوضعني فوق الحوض وقال: حان وقت المص والماء.

وما هو وقت المص والماء، لا أعرف. لكني اخترعته في الحين. قرف وفساد وحق ونور: كله محصل بعضه.

وضع على رسغه حزازة خضراء، قال: هذا بسبب ثورتنا الخضراء.

ولجنا كلّنا الى البار-المقهى، الذي قد تحوّل الى مسرح، وجلست الى جانب صديقي العزيز باء. ثم فتح بلغمه وقال: هذا ليس ببلغم، لأن البلغم لا ينفتح، إنما يُطرد، وهو الأصح.

أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم.

يتذكر سبارتك وهو يقول ذلك، فتعلق بها - أي بالعبارة - التلاميذ التانيين.هذا شيء للذكرى لا، بل للخلود. فتح الحقيبة واذ فيها شيء من فرق البن. أي حبات البن متناثرة هنا وهناك، كيفما اتفق.

25 أكتوبر 2010

من ألماس أبي نواس الى أزهار أبي نينار

من ألماس أبي نواس الى أزهار أبي نينار

هذا الإغراءُ، هذا الشهدُ الخاص، هذا الداءُ والدواء.. كُنْتُ قَدْ وَدَّعْتُ الحُبُولَ وأَخَواتِها مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيد، فأودعتُها في مخازنَ خشبيّةٍ محكمةِ الإغلاق، تنأى عن شقّتي بأميال وأميال، حتى نُسي أمرُها.. هذه المدوّنة لا تتخصّص في الحبول، لكن هنا بعض الحبول لا ريب.

اعتليتُ هذه الصخرةَ المَلْساء، وفَلَقْتُها نِصْفَيْنِ فانْبثق منها سائلٌ ذهبيُّ الرائحة، قرطبيّ اللون، تبقّعَ بِهِ قميصي وتبلّل، قيل إِنَّهُ دم الزنزلخت، أو عصارة القرنين المطحونين، ثم وقب بعض الغاسقين، تلألأوا رافعين أجنحتهم المبرقشة الشمطاء، طاروا وحلّقوا وتدحرجوا، وسرعان ما خمد ضوؤهم وانطفأ..

من أسعد طوايا عقد حبولنا بحبول أبي نينار

قال في أمر القرآن: ليس للنساء مكانٌ في الجنّة، وَحْدَهُنَّ الحوريّات هنّ المذكورات في الكتاب.

فأضفتُ ببلاهةٍ: والولدان المخلّدون أيضاً!

فصمت.

قال في أمر نهاية السهرة: يلا نمشي.

فقلت: سمّعنا قصيدة قبل ما تمشوا. وقلت: دَعْ عَنْكَ لَوْمي فَإِنَّ اللَوْمَ إِغْراءُ

قال: وَداوِني بالَّتي كانَتْ هِيَ الدّاءُ..

قال في أمر حيدر: أنت جاهل يا حيدر.

قال في أهل باريس: إنّهم أجهل بكثير من أهل بيروت.

قال في أمر الأسماء: بلبل؟ بنبل؟ آه.. بنبن.

قال في أمر أنيتا: بالتقدير والإعجاب.

***

الدفء والسكّر والحضن والاقتراب، ولا أدري، كيف ستكون الأمور بعد ثلاثين سنة، لكني واثق أني في هذا الشهد الخاص قد تذوّقت تجربة تولّد التجارب.. يا سيّداتي وسادتي، إنّ لي موعداً مع الكاهنات، إن لي قلباً ينبض في بعض الأحيان..

وهنا قلنسوّتي : لكم حفنة من العشق وبعض الحبول


17 أكتوبر 2010

أنا وثباتيرو

أنا وثباتيرو

لقد كثرت الإشاعات بحيث لم أعد أستحمل..

تناهي الى مسامعي بعض مما يتمخّض عن مصانع الثرثرة وأوكار الضغائن والحزازات.. ومنازل الأقزام والهوامّ الصغيرة، الضئيلة الحجم، بحيث لا تراها.. جُلت بأزقّة المدينة وشوارعها، فتردّدت على تلك الزوايا البعيدة عن الأنظار، والمراكز النائية عن الأبصار، لم أبصر، ولم أحسّ، لكن.. ترامت الى آذاني زوبعة من الكلام البذيء، والألفاظ الشنعاء، والمضاربات الغالية في سوق اللغات والإشارات.. كلّها، أو قل معظمها، تتركّز حول سؤال دائم وملح:

ما علاقتي بخوسيه لويس رودريجيث ثباتيرو؟

وقد توسّعت دائرة التخمينات والتساؤلات لتشمل أسئلة أكبر من النوع: وما علاقتك بالاشتراكية؟ وماذا تقصد بقولك المراكز النائية؟ وما صوت الفراشة في موسم الجماع؟ .. لن نجيب على مثل هذه الأسئلة اليوم، للأسف الشديد.

قد يظنّه البعض مزحة مني، هذه العلاقة الوطيدة التي كثيراً ما ألمح اليها عن طريق الغمز واللمز، لكن دون أن أبوح بكامل تفاصيلها المخبوءة، وأسرارها الكامنة التي لا حصر لها ولا عدد.. لكني اليوم ولحسن الحظ قد راق بالي، ومال عطفي، فدفعتُ الكفّة نحو الصراحة بمقدار ملحوظ، محسوس به. ولذا فقد رسى يقيني على ضرورة الكشف، كما انعقد عزمي على أهمية الفضح والفشخ، وإن كان فضحاً صغيراً، وفشخاً ضيّقاً قصيراً، هو عبارة عن شقّ رفيع في الظلمة، أو شرخ رقيق في العتمة، لا يسمح إلا ببصيص خافت من الحقّ، ينير عقولنا الدعجاء..

فأقول إن السبب وراء ذلك ليرجع بلا شكّ الى الفرحة العارمة التي اجتاحتنا عام ألفين وأربعة الميلادي، اذ شاهدنا السيّد ثباتيرو وهو يكيل للسيّد بوش عدّة علقات سخنة، هذا في الوقت الذي كنّا استسلمنا فيه، وساورنا نحن التقدّميين الكثير من اليأس والقنوط والانهزام، لكن ها هو السنيور ثباتيرو يبعث في قلوبنا البهجة، فيسحب جنوده من العراق، ثم يبيح الزواج بين أبناء الجنس الواحد، ثم يعيّن إمرأة حامل وزيرةً للدفاع، ثم وثم وثم... ولعلّ أروع ما حقّقه في تلك الفترة: تصرّفه بهدوء، وتحلّيه بالذوق والتلقائية، وفوق هذه كلّه: ارتداؤه أشيك الملابس وأظرفها، بحيث قال بعضهم:

- إنها وزارة شانيل وبرادا.

وقالوا أيضاً: ها هو قد أعاد اختراع الاشتراكية، والكفاح الطيّب، للقرن الحادي والعشرين.

ومن آي ذلك ما انتشر آنذاك من دالّات عائمة، ورموز متدحرجة، تطايرت ثم احتكّت ببعضها البعض على سطوح العرض العامّة، المنفتحة على الملأ:

المربّعان الحمراوان، نُقشا بدرجة عالية من الدقّة والتصميم، يبثّان حالة جديدة من الأمل الممزوج بالانضباط، والعمل المخلوط ببوادر التهلّل والتقدّم والاندفاع.. زهرة القرنفل، في قبضة الثائر المنتمي، المنضمّ.

اللهمّ فاشهدوا. لكن.. لسنا هنا بصدد نقد لاذع - أو غير لاذع - لما يسمّى بالدعاية السياسية المشبوهة، كما أننا لسنا بغرض المدح ونحوه، فهذه مهمّة نتركها للمتحذلقين، والملتزمين، ومعودمي الدم من العالَمين.. اللهمّ فاشهدوا!

ذلك أن الأرض ليست متساوية الأطراف، ومثلها السماء يعتكرها الكثير من اللخبطة والشوشرة والضجّة والضوضاء.. والتوتّر.. ونتيجة لذلك، فما ان تدخل صورة من الصور الى هذا الجو حتى تعدل عن مسيرها المقصود، وتنحرف عن هدفها المعووج، فتلتطم بما سبقها من المنتوجات، وتختبط بما لحقها من الشواهد والمسبوكات.. ليس معنى هذا أن الصورة تفشل، بل هي تتحوّل، ويصار تلقّيها الى خلاف ما رُمي..

فقلت في نفسي: هل أني أحبّ الرئيس، أم أني أحبّ الطيران السويسري؟ والحق أنني لم أركب قط الطيران السويسري، سواء قبل انتخاب ثباتيرو أو بعده، لكني وبمحض الصدفة حدث أن شاهدت برنامجاً وثائقياً عن الفنّان الكندي المبدع تايلر بروليه، هذا المغامر الصعلوك الذي تكبّد شظية حادّة في جانب من مصرانه إثر انفجار سيّارته في أفغانستان. قُتل السائق على ما أذكر، لكن السيّد بروليه نفد بجلده فنجا بحياته ليتولّى بعد ذلك عدّة مشاريع فنية كبيرة، منها إعادة تصميم شركة سويسرا للطيران، قال:

- هذه الطائرة الجديدة، ستخلو تماماً من علامات الزينة وآثار الريشة، ليبرز بذلك هيكل المكوك بكامل تفاصيله الميكانيكية، زجاج ومعدن وحبول ومسامير، فالزبون يرتاح الى هذه الصفة الميكانيكية العارية، البحتة..

فجاء هذان المربّعان الحمراوان الأثر الوحيد لتدخّل الفنّان، وكأنهما طابع بريدي جاء ليختم المظروف الجوي. والحق أن السيّد بروليه رجل ظريف، لطيف المعشر، أتمنّى أن أقابله في يوم من الأيام اذا ما سمحت الظروف.

ولا يخفى عن القرّاء أن الرفيق ثباتيرو ليس الوحيد الذي اُستقرئ شعاره على هذا النحو، فالسيّد باراك حسين أوباما - وهو بمثابة ثباتيرو الأمريكاني - تعرّض أيضاً لمثل هذا الاستقراء. (طبعاً السيد أوباما لم يسحب جنوده من العراق، ولم يحلل الزواج بين أبناء الجنس الواحد، ولم يعيّن إمرأة حامل وزيرةً للدفاع: لكنه أقنعنا بأنه فعل كل هذه الأشياء وأكثر، لذا وصفناه بثباتيرو الأمريكاني). وهذه معلومة قديمة جدا في الحقيقة، أيْ أن شعار أوباما يشبه شعار بيبسي:

فيقال اذن أن أوباما مثل بيبسي، لأنه رأسمالي استهلاكي نعم، إلا أنه بخلاف الكوكاكولا لم يقتل بعد عدداً كبيراً من العمال والفلاحين في جواتيملا. معلومة قديمة بسيطة وفهمناها. الحقيقة أن مثل هذه الاستقراءات لها تاريخ طويل في المجتمع الأمريكي، حيث درجت بعض المجموعات الدينية المتطرّفة على تفسير شعارات الشركات الكبرى على أنها رموز للشيطان، وقيل: لأن هذه المجموعات لا سلطة لها، فتروّج للإشاعات الشيطانية كي يكتسبوا بعض السلطة التحليلية، الخ.

من اسبانيا وحزب بسوي، مروراً بأمريكا وبيبسي، الى مصر والأخ محمد البرادعي، الذي لم ينجُ هو الآخر من سوق الصور والأصوات، حيث يمكن لكلّ شيء أن يحدث، وأن لا يحدث أيضاً..

هذا الكليب، ثم هذا الكليب من 1:40

تتلاقى الأشياء، ثم تتباعد، وقد تتلاقى مرّة أخرى، أو لا تتلاقى، ولا يرى الغيب إلا الله آمين!